ساهم في تأليف هذا الكتاب كل من الصحافية جولي فلنت والكاتب اليكس دوفال. والأولى كانت مراسلة سابقة لجريدة الغارديان في الشرق الأوسط. وقد اشتغلت لمدة خمسة وثلاثين عاماً كصحافية متنقلة في أربع قارات من كولومبيا إلى الصين إلى تركيا إلى الصومال. ولكنها مختصة أساساً بشؤون السودان والشرق الأوسط.
وأما الثاني، اليكس دوفال، فهو أيضاً صحافي وكاتب مطلع على شؤون منطقة دارفور وإفريقيا عموماً. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلفان لمحة تاريخية عامة عن هذا الإقليم الذي يشغل وسائل الإعلام حالياً ويقولان بما معناه: إن كلمة دارفور مشكلة من كلمتين في الواقع: دار وفور. وفور هو اسم إحدى القبائل الكبرى التي تسكن هذا الإقليم. وبالتالي فهي تعني في اللغة العربية بيت فور.
وهي تقع غربي السودان في الصحراء. وأغلبية سكانها من المسلمين تماماً كالسودان نفسه ما عدا الجزء الجنوبي منه حيث تسود أغلبية إحيائية بالإضافة إلى المسيحيين (الإحيائية هي مذهب يعتقد بحيوية المادة: أي أن النفس هي أصل الفكر والحياة الجسدية العضوية في آن واحد).
ويتألف إقليم دارفور من عدة مناطق إدارية، فهناك أولاً غرب دارفور وعاصمته الجنينة، ثم شمال دارفور وعاصمته الفاشر ثم جنوب دارفور وعاصمته نيالا.وتبلغ مساحة دارفور أكثر من خمسمئة ألف كيلومتر مربع، أي ثلاث مرّات تقريباً مساحة بلد كسوريا. وبالتالي فهو ذو مساحة ضخمة فعلاً. وأما سكانه فعددهم قليل لا يتجاوز الستة ملايين نسمة.
وشمال دارفور صحراء قاحلة مغطاة بالرمال على مد النظر أما جنوبه فسهول واسعة مغطاة بالعشب الأخضر. والواقع أن منطقة جبل مرة وحواليها هي وحدها القابلة للحياة، ولذلك فإن معظم السكان يتمركزون هناك.ثم يردف المؤلفان قائلين: هذا وقد تم إدخال الإسلام إلى منطقة دارفور في القرن الرابع عشر على يد تجار عرب. وكان أول ملك عربي يحكم المنطقة يدعى أحمد المكور. وقد استطاع إخضاع زعماء القبائل لسلطته وتطوير البلاد.
ثم حكم البلاد في أواخر القرن الثامن عشر شخص يدعى عبد الرحمن الملقب بالرشيد نظراً لعدله واستقامته في الحكم كما يقال. وفي عهده وصل نابليون بونابرت على رأس حملة عسكرية ضخمة إلى مصر. وقد كتب له السلطان عبد الرحمن رسالة يهنئه فيها على سحقه للمماليك واحتلال مصر عام 1799. فرد عليه نابليون شاكراً وطالباً منه إرسال قافلة كبيرة تضم ألفي عبد أسود يزيد عمرهم على ستة عشر عاماً وبصحة جيدة.
ثم وقع إقليم دارفور تحت هيمنة المصريين لفترة من الزمن قبل أن ينتقل إلى هيمنة الانجليز الذين ألحقوه بالسودان البريطاني. وفي عام 1956 نال استقلاله وأصبح جزءاً من جمهورية السودان. وكان مركزاً لحزب الأمة بقيادة الصادق المهدي.
والواقع أن إقليم دارفور الواقع جنوب غرب السودان مهمل جداً من قبل الحكومات المركزية ويعاني من سوء التنمية والتأخر في كافة الميادين. فثلث البنات فقط يذهبن إلى المدرسة الابتدائية، وأقل من نصف الذكور. والحكومات السودانية، كما يقول المؤلفان، لم تهتم بقطاع التعليم أو الصحة أو الخدمات في هذا الإقليم الجنوبي الفقير. ولكن فجأة يكتشفون فيه البترول، وعندئذ ازدادت الأطماع فيه من كل جانب.
والغالب على إقليم دارفور كثرة المرتفعات الجبلية وأهمها جبل مرة كما ذكرنا سابقاً. وتوجد في هذا الإقليم غابات الهشاب التي تنتج الصمغ العربي الشهير. ومن المزروعات الأخرى يمكن أن نذكر حقول القطن والتبغ التي تكثر في الجنوب الغربي من الإقليم.
وهناك مزروعات أخرى أيضاً كالقمح والذرة وسواهما. ويمتلك الإقليم ثروة حيوانية كبيرة مؤلفة من الغنم والبقر والإبل. وبالإضافة إلى كل ذلك هناك المعادن والبترول. وبالتالي فالإقليم ليس فقيراً ولا صحراوياً مجدباً كما قد نتوهم. ومع ذلك فقد انتشرت فيه المجاعات بسبب الجفاف ونهب الشمال له.
ثم يردف المؤلفان قائلين: لقد عانى سكان دارفور من إهمال الحكومات المركزية في الخرطوم على مدار التاريخ الحديث بعد الاستقلال. فمساهمة الإقليم في ميزانية الدولة كبيرة ولا يستهان بها. ولكن الحكومات المركزية لا ترد الجميل له ولأبنائه وإنما تهملهم أبسط أنواع العناية. فلا مشاريع تنمية هناك ولا من يحزنون.
ولذلك افتقر سكان الإقليم وانتشرت المجاعات في أوساطهم وبخاصة عندما يحصل جفاف. ويبدو أن عرب السودان المهيمنين تاريخياً يحتقرون سكان دارفور على الرغم من أن معظمهم من المسلمين. ولكن بما أن سحنتهم سوداء إفريقية بالخالص فإن سكان العاصمة والوسط ينظرون إليهم نظرة ازدراء. وبالتالي فهم يعانون من التمييز العنصري.
ولكن الصراع في دارفور ليس عنصرياً على عكس ما تشيع وسائل الإعلام العالمية. فهو لا يجري بين الأفارقة السود جداً من جهة، والعرب أو جماعات الجنجويد من جهة أخرى. ولا يجري بين المسيحيين والمسلمين. وإنما يجري بين المسلمين أنفسهم في معظم الأحيان.
صحيح أن الصراع المدمر الذي دار في جنوب السودان لسنوات طويلة وأدى إلى قتل مليوني شخص كان بين المسلمين من جهة، والمسيحيين والإحيائيين من جهة أخرى. ولكن ليست هذه هي حالة دارفور لأن معظم سكانه من المسلمين. والواقع أن السودان مشكل عرقياً من أغلبية زنجية سوداء جداً في الجنوب 52 بالمئة، وأقلية عربية سوداء قليلاً في الشمال 48 بالمئة.
والثانية هي التي تتحكم بالسلطة تاريخياً وتستغل الثانية حسب التحليلات المقدّمة ولذلك حصلت حرب الجنوب الشهيرة التي انتهت مؤخراً لحسن الحظ بعد أن كلفت غالياً. ثم يردف المؤلفان قائلين: أما من الناحية الدينية فالسودان مشكل من أغلبية إسلامية تصل إلى سبعين بالمئة في الشمال دارفور، ومن أقلية إحيائية تصل إلى 25 بالمئة في الجنوب ثم أقلية مسيحية صغيرة متواجدة في الجنوب أيضاً 5 بالمئة.
وكلمة إحيائية تعني الأديان الإفريقية القديمة التي تقدس قوى الطبيعة وظواهرها ولا علاقة لها بالأديان التوحيدية كالإسلام والمسيحية. وكل المشكلة في إقليم دارفور، كما يتم تحديدها، عائدة إلى استغلال المركز، أي الخرطوم، للهوامش والأطراف. ولهذا السبب فإن النخبة المثقفة في دارفور تدعو إلى تبني نظام اللامركزية: أي إعطاء الأقاليم صلاحيات واسعة لحكم نفسها بنفسها وإلا فسوف تنفصل عن العاصمة.
ويؤكد المؤلفان هنا أنه لا أحد يشك في مسؤولية الحكومة المركزية عن هذه الاضطرابات الخطيرة التي أدت إلى تشريد مليون شخص في دارفور وقتل عشرات الألوف على يد عصابات الجنجويد المدعومة من قبل الحكومة في السودان.لكن إذا كان الأمر كذلك بالفعل، فقد دخلت الدول الأجنبية على الخط وبخاصة فرنسا والولايات المتحدة ولكل واحدة حساباتها ومصالحها.
فدارفور يقع في منطقة محاطة بالدول الإفريقية الفرانكوفونية التي كانت واقعة تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي. وبالتالي فلفرنسا مصالح هناك. ولهذا السبب فإنها تواطأت مع الحكومات المتتابعة على الخرطوم حفاظاً على مصالحها. لقد تواطأت معها ومهما كانت طبيعتها واضطهادها لأقلياتها والأقاليم البعيدة عن العاصمة.
وينقل المؤلفان عن كبار الباحثين الفرنسيين الذين زاروا المنطقة ورأوا بأم أعينهم مدى الظلم الواقع على أهل دارفور وكيف يتم استغلال مناطقهم وثرواتهم دون أن تقدم لهم في خط الرجعة أشياء تذكر، وتحل مشكلة الفقر لديهم. أما الولايات المتحدة فتريد تصفية حساباتها مع النظام السوداني الذي تعتبره أصولياً متطرفاً، متجاوزة بذلك واقع أن هذا النظام تعاون معها بعد 11 سبتمبر وقدم لها كل المعلومات الاستخباراتية التي تريدها.
ولكنها لا تزال تشك فيه وفي علاقاته بالقوى المتطرفة في العالم العربي أو الإسلامي. أو قل بأنها تريد أن تبتزه لكي يقدم لها معلومات إضافية ويخضع لإرادتها تماماً.يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة شمت رائحة البترول في دارفور ولذلك أصبح أمره يهمها جداً ككل المناطق البترولية في العالم. وهكذا حصل التنافس بين أميركا وفرنسا على المنطقة.
بالطبع لا يمكن إهمال المشاعر الإنسانية كلياً. فكارثة دارفور أصبحت من الضخامة بحيث انها تلفت انتباه الرأي العام العالمي. فالمجازر التي حصلت مرعبة وتشريد السكان إلى المناطق المجاورة أصبح كبيراً ولا يحتمل. وبالتالي فهناك عوامل عديدة ساهمت في تحويل مشكلة دارفور إلى كارثة إنسانية بالفعل.
*الكتاب:دارفور: تاريخ مختصر لحرب طويلة
* تأليف:جولي فلنت واليكس دوفال
* الناشر:زيد بوكس ـ لندن 2006
*الصفحات: 152 صفحة من القطع الكبير
Darfur : a short history of a long war
Julie Flint and Alex de Waal
Zed Books- London2006
p. 152