مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور ا.م. لويس، أحد كبار المختصين الأنغلوساكسون في الشؤون الصومالية وقضايا القرن الإفريقي عموماً. وهو هنا يقدم تاريخاً شاملاً عن أوضاع الصومال في العصر الحديث ويقول بما معناه: إن الصومال بلد يقع على الطرف الأقصى للقرن الإفريقي من جهته الشرقية. ويحده من الشمال والشرق خليج عدن والمحيط الهندي اللذان تمتد مياههما على مسافة 2800 كيلومتر من الشواطئ البحرية. وأما من الغرب فتحده منطقة أوغادين الإثيوبية.
وهناك أيضاً جيبوتي في أقصى الشمال، وكينيا في أقصى الجنوب. وتبلغ مساحة الصومال أكثر من ستمئة وسبعة وثلاثين ألف كيلومتر مربع. وهذا يعني أنها أكبر من مساحة بلد مهم كفرنسا. وعلى الرغم من ذلك فإن عدد سكان البلاد لا يتجاوز الثمانية ملايين نسمة، وربعهم يعيش في المدن من أمثال العاصمة مقديشو، وميركا، وبربيرا، وسواها...
وأغلبية السكان في الصومال هم من المسلمين، ويبدو أن أكثر من سبعين بالمئة من سكان البلاد يعيشون حياة البدو الرحل. ولكن تقلبات المناخ تجعل حياتهم صعبة ومهددة باستمرار، ولذلك تحصل مجاعات في البلاد من حين لآخر. في الواقع أن الصومال الذي يشغل نشرات الأخبار العالمية بأحداثه المأساوية منذ سنوات عدة يقع على تقاطع الطرف بين القارة الإفريقية والعالم العربي.
ولذلك فإن لهذه البلاد صفات خاصة تميزها عن بقية بلدان إفريقيا السوداء. فيما أنها إسلامية في معظمها فإنها تشعر بالانتماء إلى العالم العربي. وبما أن لغتها الرسمية عربية فإنها تشعر أيضاً بهذا الانتماء وتشكل جزءاً من الجامعة العربية. نقول ذلك على الرغم من أن السكان يتحدثون لغات أو لهجات أخرى وليسوا كلهم ناطقين بالعربية.
يضاف إلى ذلك أن للصومال علاقات تاريخية وتجارية قديمة مع الإسلام والعرب، ولذلك فإنه يشعر بأن هويته عربية إلى حد ما. ولكن بما أنه بلد إفريقي أيضاً في خصائصه العرقية والقبلية فإنه يشعر بالانتماء إلى إفريقيا السوداء.وبالتالي فله هوية مزدوجة: عربية وإفريقية. ثم يردف المؤلف قائلاً: وهذه الخصوصية جعلت الصومال يشعر بنزعته القومية الأصيلة و تمايزه عن بقية جيرانه من الأفارقة.
وقد أدت هذه النزعة القومية المتشددة إلى نشوب الحرب مع إثيوبيا وإلى حصول مشاكل مع كينيا أيضاً، وذلك لأن القيادة الصومالية ترغب في ضم الأقاليم المليئة بالصوماليين والموجودة جغرافياً في هذين البلدين: أي إثيوبيا وكينيا.يضاف إلى ذلك أن الصومال يعاني من نفس المشاكل التي تعاني منها كل البلدان الفقيرة النامية أو التي تبحث عن تنمية ذاتها والخروج من تخلفها.
ومن أهم المشاكل التي تواجهها الاقتصاد الفقير والضعيف الذي يعود في قسم كبير منه إلى المناخ القاسي والمعادي. وبالتالي فالمجاعات التي تكتسح الصومال من حين إلى حين تشكل أكبر خطر على سكانه وتضعف قيادته وتجعلها تابعة بالضرورة للخارج.
ولا ينبغي أن ننسى أن موقع الصومال الجغرافي على طرف القرن الإفريقي يجعلها عرضة للتنافس الغربي ـ الشرقي. فالقوى العظمى تتنافس على هذا البلد لأن موقعه مناسب لإقامة القواعد العسكرية على شواطئه. والواقع أن الصومال ما انفك يتذبذب منذ أربعين سنة بين الشرق والغرب، بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
فبعد حصول الانقلاب العسكري عام 1969 واعتماد الخط الاشتراكي راحت القيادة الصومالية تقترب من المنظومة الشيوعية وتربط مصيرها بها من أجل تنمية البلاد وإخراجها من التخلف والفقر. ولكن في عام 1977 حصلت قطيعة بين الطرفين بعد أن دعم الاتحاد السوفييتي إثيوبيا بقيادتها اليسارية الجديدة التي أسقطت نظام هيلا سيلاسي الإمبراطوري العتيق.
ولهذا السبب فشل الصومال في استرجاع إقليم أوغادين المليء بالصوماليين بعد أن أشعلت الحرب مع إثيوبيا. فالاتحاد السوفييتي تخلى عنه وراح يدعم عدوته التاريخية. وبعد هزيمته تجاه إثيوبيا راح الصومال يقترب من المعسكر الغربي وكذلك من الدول العربية المعتدلة في الخليج العربي. وتخلى عن الشيوعية والاشتراكية.
ومعلوم أن حرب اوغادين أدت إلى تدفق اللاجئين على الصومال بعشرات أو مئات الآلاف. ثم حصل جفاف لم يشهد له التاريخ مثيلاً من قبل. وكل ذلك أدى إلى حصول مجاعات في البلاد، فاضطرت القيادة الصومالية إلى الاستغاثة بالدول الأجنبية لكي تنقذها أو تساعدها.
وقد حصلت نتيجة ذلك عدة انقلابات عسكرية منذ عام 1978 ضد النظام الحاكم ولكنها فشلت بسبب هيمنة المخابرات على الدولة والمجتمع ككل. ومعلوم أن رئيس الصومال محمد سياد بري كان يتبع الأسلوب الديكتاتوري في الحكم ويمسك البلاد بقبضة من حديد.ولكن الأوضاع ابتدأت تتدهور بعد قصف السلطة لإحدى مدن الأقاليم عام 1988 لأنها تمردت عليها.
وعندئذ قويت شوكة المعارضة وأصبحت تهدد نظام الرئيس محمد سياد بري. وفي 30 ديسمبر من عام 1990 انفجرت العاصمة موقاديشو بالتمرد ضد الديكتاتور وأسقطته. ثم حصلت انشقاقات داخل صفوف المعارضة وأخذت تحارب بعضها بعضاً بين عامي 1991-1992.
وفي صيف ذلك العام حصل جفاف هائل أقسى من السابق. فاضطرت الأمم المتحدة إلى التدخل من أجل تحاشي حصول مجاعات ضخمة في البلاد. ولكن الأمم المتحدة فشلت في وضع حد للصراع الدائر بين الفرق المتناحرة. وهكذا أصبح مستقبل البلاد في خطر بعد أن تحولت العاصمة وبقية المناطق إلى مسرح للصراع الدامي بين القبائل الصومالية المختلفة.
ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد تضافرت عدة عوامل لكي تجعل حياة هذا البلد المنكوب صعبة جداً ولا تكاد تطاق. وأصبح معظم السكان يعيشون تحت مستوى عتبة الفقر. بمعنى أن متوسط الدخل للفرد الصومالي لم يعد يتجاوز الدولار، بل إنه أقل من دولار واحد في اليوم.
بالطبع فإن البورجوازية الصومالية وأغنياء الحرب وقادة الميليشيات يعيشون في ظروف أعلى من ذلك وأفضل بكثير. ولكن معظم الشعب يعيش حياة الهوان والذل والخوف المستمر من الموت جوعاً.وفي عام 1999 كان متوسط الدخل 150 دولاراً للفرد الواحد سنوياً، أي أقل من نصف دولار في اليوم!
نقول ذلك في حين أن عدد السكان ما انفك يتزايد. فقد كان ثلاثة ملايين ونصف المليون عام 1975 فأصبح سبعة ملايين ونصف المليون عام 2001. يضاف إليهم مليون ونصف المليون من النازحين أو اللاجئين. وهكذا يصبح العدد تسعة ملايين نسمة. فمن سيطعم كل هؤلاء في بلد منكوب بالجفاف وانعدام المحاصيل والمجاعات؟ وعلاوة على كل ذلك فهو يعيش حرباً أهلية طاحنة منذ عشرين سنة أو أكثر.
هذا هو وضع الصومال هذا البلد الذي انفجرت فيه الأحداث مؤخراً بين نظام المحاكم الإسلامية المتشددة وبين النظام الليبرالي السابق. فهناك خلاف على التوجه العام للحكم. البعض يريد نظاماً أصولياً متزمتاً، والبعض الآخر يريد نظاماً إسلامياً معتدلاً.
وزاد من تعقد الوضع دخول الولايات المتحدة على الخط. فهي تعتقد أن هذا البلد أصبح مركزاً للقاعدة والجماعات المعادية لها. ولذلك أوعزت إلى إثيوبيا مؤخراً لكي تتدخل ضد المحاكم الإسلامية. وهذا ما حصل وأدى إلى سقوط النظام الأصولي في مقديشو.
*الكتاب:التاريخ الحديث للصومال
أمة و دولة في القرن الإفريقي
* تأليف: ا. م. لويس
*الناشر:مطبوعات جامعة اوهايو 2006
*الصفحات: 368 صفحة من القطع الكبير
A modern history of the somalie
Nation and state in the horn of Africa
I. M. Lewis
6002 sserP ytisrevinU oihO
863.p