حرص دانييل أيسا روز الناقد والاختصاصي في تقديم عروض الكتب في مطبوعتي «نيويورك مجازين» و«نيويورك أوبزرفر» على إجراء هذه المقابلة التي نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» مع الروائي الأميركي نورمان ميلر لمناسبتين محددتين، هما احتفال الكاتب الكبير بعيد ميلاده الرابع والثمانين، وصدور روايته الهائلة التي تقع في قرابة خمسمئة صفحة عن دار راندوم هاوس، والتي فاجأ موضوعها النقاد ومتابعي إبداع ميلر..
وتناولت رواية «القلعة في الغابة» حياة الدكتاتور الألماني أدولف هتلر في مراحلها المبكرة، الأمر الذي أثار جدلاً محتدماً بين النقاد، إذ تطرق المؤلف بصفة خاصة لطفولة هتلر وحياته العائلية وبصفة خاصة صلته بأبيه. والمفاجأة التي تحملها رواية ميلر الجديدة معها تنضم إلى سلسلة طويلة من المفاجآت التي طالما قدمها ميلر لقرائه،
فهو خلافي بطبعه ومثير للجدل دائماً ومعاركه الأدبية مع الكثير من النقاد والأدباء مشهورة ولها أصداؤها ودويها، على امتداد أكثر من ستة عقود، وبصفة خاصة منذ أصدر وهو في الخامسة والعشرين من عمره روايته الشهيرة «العاري والميت» التي حولته بين عشية وضحاها إلى نجم على الساحة الأدبية الدولية منذ وصولها إلى أيدي القراء في عام 1948.
والجدل الذي يثيره ميلر يمتد من خلافاته مع المدافعين عن النسوية إلى احتجاجاته على حرب فيتنام وصولاً إلى عمله كمؤلف وممثل ومخرج وتنافسه المحتدم على الوصول إلى منصب عمدة نيويورك، وهو المنصب الذي لم يشغله قط، وليس انتهاء بهجماته الحادة على الرؤساء الأميركيين، ومن بينهم جورج دبليو بوش، حيث عرف عنه تقليدياً أنه لا يخشى أن يكون له أعداء من العيار الثقيل، وقد عاش دوماً مستمتعاً بالحضور البارز على صعيد العمل العام فضلاً عن الإبداع الأدبي والنقدي والفني.
وقبل أربع سنوات، قال ميلر في مقابلة أجرتها معه مجلة «ديرشبيغل» الألمانية. إنه يشتغل على «كتاب طموح، هو رواية مترامية، ربما كانت تتجاوز قدراتي». والآن وقد أصبح هذا الكتاب الطموح ماثلاً بين أيدي القراء فإنه لا يتردد في القول في المقابلة التي أجراها دانييل إيسار وز معه إن هذه الرواية تتصدى لتناول إحدى أبرز قضايا العصر،
وهو يلقي الضوء على جوانب من المنافسة المحتدمة التي كان طرفاً فيها على عرش الرواية الأميركية والتي يفاجئنا اليوم بالقول إن هذه المنافسة لم تعد تعنيه، ويتناول صلته بالكتاب الجدد، الذين يدهشنا بالقول إنه لم يعد يقرأ شيئاً لهم. وفيما يلي نص المقابلة التي أجراها دانييل إيسا روز معه في داره في بروفنستاون في ولاية ما ساشوستس:
* في كتابك الجديد «القلعة في الغابة» تبدو العلاقة بين آدي الشاب (أدولف هتلر) وأبيه مكثفة للغاية.. أكثر تأثيراً مما توقعت أن تكون.
ـ كنت أمعن التفكير في عدد كتبي التي يتواتر فيها هذا الموضوع، وقد كانت علاقتي بأبي مثيرة للاهتمام إلى حد بعيد، ولم تكن علاقة عداء، لكنها لم تكن صلة حميمية قط، حيث لم أستطع الوصول إليه، فقد كان رجلاً معقداً بصورة استثنائية، وفيما بعد كان فخوراً بي للغاية، وبصفة خاصة بعد صدور رواية «العاري والميت» التي لابد أنه قد قرأها عشر مرات.
* هل فهمها؟
ـ نعم.
* هكذا فقد استطعتما التواصل على ذلك المستوى العميق؟
ـ نعم، لم يكن ممن يفضلون الأحاديث الطويلة، ولكنه كان ينظر إليَّ، ويقول: «هذا جيد».
* إنك تضفي طابعاً شيطانياً على هتلر، بالمعنى الحرفي تماماً، فالراوية الشيطاني موجود في صميم مفهوم الرواية. ألست بهذا تخلي البشرية من المسؤولية؟
ـ يبدو لي أنه كان هناك ميلادان استثنائيان في تاريخ البشرية، أولهما ميلاد المسيح اليسوع، والثاني ميلاد أدولف هتلر، وهتلر هو الرد الشيطاني على اليسوع.
* إنك تحب التقدم بطروحات كبرى. أليس كذلك؟
ـ إنها تدفع الزوجات إلى نوبات من الجنون.
* يمكنني تخيل ذلك فحسب.
ـ إنني أتقدم بهذه الطروحات من أجل متعة التقدم بها فحسب.
* عندما تقرأ أعمال الروائيين الشبان اليوم، هل تشعر بنفاد الصبر لأنهم لا يحاولون التصدي في أعمالهم لقضايا أكبر؟
ـ لست أقرأ لهم، وهو الأمر الذي أعتقد أنه أحد أسباب أنهم لا يحبونني بصفة خاصة.
* هل تشعر بالضيق حيال بعض أبناء جيلك لعدم تناولهم للمسائل الأكبر والأوسع نطاقاً؟
ـ أنظر، سواء أكان ذلك أمراً سيئاً أم جيداً، فإن عقليتي تنتمي إلى ذلك النوع. وهم لهم عقليتهم. وقد اعتدت أن أكون شخصية تنافسية للغاية، ولكنني الآن ضقت ذرعاً بالمنافسة، بمعنى أنها لم يعد لها معنى بالنسبة لي. ولا أحد يدري ما إذا كان واحد منا سيقدر له البقاء أم سيقدر ذلك لعشرة منا.
* بالتأكيد لم أكن أتوقع منك لين العريكة هذا.
ـ ليس هذا لين عريكة، وإنما هو ترفيه مشترك، فبعد التنافس مع أحدهم، والذي اعتاد أن يكون نداً لك، في النهاية يكون بيننا حوار مشترك. إنني أحترم روث، واحترم أبدايك، ودليلو وفونيجيت. وبوسعي سرد أسماء عشرة كتاب من هذه النوعية.. وهم جميعاً كتاب جيدون.
* ماذا عن جي. دي. سالينجر؟
ـ إنني أضيق ذرعاً بسالينجر، لأنه كانت لديه رؤية رائعة لأعماق أميركا عندما كان في صدر العمر، ولم يستخدمها.
* هل لديك أي نظرية لتفسير ما يتعلق بالتزامه الصمت؟
ـ ليست لديَّ نظرية تستحق الإعلان عنها في هذا الصدد.
* الآن وفيما تحتفل ببلوغ عامك الرابع والثمانين هل أنت أكثر حكمة من أن تعلن عن نظرية قبل أن تتكامل وتبلغ مرحلة النضج التام؟
ـ في شبابي انطلقت قدماً مرات عديدة بنظريات غير متكاملة، بحيث أنني الآن وقد علا بي العمر قليلاً أصبحت أحجم عن ذلك.
* هكذا أين أنت الآن على مقياس يحدد مستوى الحكمة؟
ـ ربما أعطي نفسي علامة جيدة للغاية على مثل هذا المقياس.
* هل يمكنك أن تحدد رقماً معيناً في هذا الصدد؟
ـ لا، فذلك لن يكون من الحكمة في شيء.
محطات في مسيرة ميلر
* ولد الكاتب والروائي الأميركي نورمان ميلر عام 1923 في لونج برانش بنيوجيرسي، ونشأ في بروكلين، وحصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة هارفارد في عام 1943، وجند في أوائل 1944، حيث خدم في صفوف المشاة في جنوب المحيط الهادي، وأطلت روايته الأولى «العاري والميت» في عام 1948 استناداً إلى تجربته هناك، لتحلق به إلى سماء الشهرة بصورة فورية.
* قدم عدداً كبيراً من الروايات، أبرزها «حلم أميركي» 1956 التي تم تحويلها في العالم التالي لصدورها إلى فيلم من إخراج روبرت جيست و«جيوش الليل» (91) التي نال عنها جائزة بوليتزر و«أنشودة الجلاد» 1979 التي نال عنها الجائزة نفسها. وصدرت له مؤخراً رواية «القلعة في الغابة» بعد توقف عن كتابة الرواية دام أحد عشر عاماً.
* طوَّر خلال الستينات والسبعينات شكلاً من الكتابة الصحافية عرف باسم الصحافة الجديدة يجمع بين الأحداث الفعلية والسيرة الذاتية والتعليق السياسي وثراء الرواية، ونجح فيه إلى حد دفع الشاعر روبرت لويل إلى الإشادة به باعتباره «أفضل صحافي في أميركا».
* كتب العديد من سيناريوهات الأفلام الشهيرة التي قدمتها هوليوود، وله ديوان بعنوان «الموت من أجل السيدات»، ومسرحيات عدة منها «حديقة الغزلان». وساهم بقوة في الحياة العامة، حيث تعرض للسجن لاحتجاجه على حرب فيتنام وهاجم العديد من الرؤساء الأميركيين ومنهم جورج بوش، وحصد حشداً هائلاً من الجوائز وألوان التكريم ومنها الوسام الوطني للكتاب عن مجمل مساهمته في الأدب الأميركي.