في رواية «القلعة في الغابة»، وهي الرواية الأولى التي يصدرها نورمان ميلر منذ عقد من الزمان بكامله، يواصل إثارة القراء، حتى لا نقول استفزازهم، ومن المؤكد أن كاتباً روائياً من العيار الثقيل، مثل ميلر، هو وحده الذي سيغامر بتقديم رواية تقع في خمسمئة صفحة تقريباً يحاول فيها تفسير أسوأ شخصيات التاريخ الحديث وأكثرها غموضاً والتباساً، أي الدكتاتور النازي أدولف هتلر، الذي سيعرفه القراء على امتداد صفحات الرواية باسم «آدي».
من الواضح أن هذه الرواية ليست بالرواية التاريخية العادية، تماماً كما لم تكن كذلك انطلاقة ميلر إلى آفاق التاريخ الفرعوني في روايته الصادرة في عام 1983 تحت عنوان «أمسيات قديمة». في رواية ميلر الجديدة تنصب بؤرة الاهتمام على طفولة هتلر وصباه، وعلى أبويه، حيث نجد أنفسنا على موعد مع عمل يتصف بأنه أقل اتساماً بطابع الدراسة النفسية منه بالتحليق إلى عالم الخيال.
تروي لنا «القلعة في الغابة» على لسان ديتر، أو دي. تي. الذي يتبين لنا أنه أحد ضباط الإس. إس. أو قوة العاصفة النازية المعروفة، والذي كلفه هاينريش هملر بمتابعة كل التفاصيل المتعلقة بعائلة هتلر، وهو يقيم الآن في أميركا التي يصفها بأنها «بلد غريب».
هكذا فإن شيطاناً يروي لنا قصة أشهر شياطين العالم، وهذه القصة تمتد منذ حملت أم هتلر به وحتى تخرجه من المدرسة الثانوية، وبالتالي فإنها لا تتطرق إلى وصول هتلر إلى حمل لقب «الفوهرر»، فتلك فيما يبدو هي رواية ميلر المقبلة. ومن هنا فإننا نتابع قصة الفتى «آدي»، الذي يتلقى ألوان العقاب واحداً إثر الآخر من أبيه، الذي يبدو لنا شخصية معقدة ومنحرفة إلى أبعد الحدود، أما أمه فإنها تحب أخيه أكثر منه كثيراً، ولا تتردد في الإعراب عن ذلك بوضوح.
خلافاً لروايات أخرى لميلر، فإنه هنا يكبح جماح ميله إلى الإسراف والتجاوز، وهكذا فإننا نراه يتعامل مع حياة ديتر وآدي الداخلية بحنكة نفسية هادئة. لا يعني ذلك أن ميلر يهمل الجانب العاطفي ولا الجانب السوداوي في روايته الجديدة، فتحت الواجهة العادية لعائلة هتلر نجد جذراً هائلاً من الانحراف، إلواز هتلر والد آدي،
وفي الصيغة التي يقدمها نورمان فإننا نجد أقرب إلى العلقة الشرهة دائما للدم، ومن هنا تأتي علاقاته الحميمية مع كل بنات أخته. وهذا الانحراف يتجلى في «آدي» الذي تتعمق صلته منذ البداية المبكرة بالقسوة والسلطة، حتى في سنوات ما قبل المراهقة.
على الرغم من هذا كله، فإن إلواز هتلر يبدو لنا بالفعل مثل أي بطل من أبطال تشارلز ديكنز، فهو برجوازي يكافح بطريقته الخاصة من اجل الاستمرار في البقاء والوجود. وشأن أي عائلة في القرن التاسع عشر، فإن عائلة هتلر تستهلكها متطلبات حرصها على أن يحترمها الآخرون.
وبخلاف انتهاك الأعراف الاجتماعية، فإن الرواية التي كتبها ميلر ربما كان حرياً بها أن تحظى باهتمام جين أوستين، والزوجان هتلر ليسا بالزوجين اللذين قد يقدمهما أي روائي للقراء، لكننا لا ينبغي أن ننسى ولع ميلر البالغ بالمفاجآت. والقصة الأخرى في رواية ميلر هي قصة ديتر، حيث نجد تلميحاً إلى أن قيامه بكتابة الرواية الماثلة بين أيدينا هو عمل من أعمال التمرد على «المايسترو»، أي على هاينريش هملر،
بل إن هناك تلميحاً آخر إلى أنه قد يجد خلاصة من وضعيته الشيطانية في عملية الكتابة ذاتها، باعتبارها تجلياً لإرادته الحرة، ورفضاً لقبوله بقدرة الشيطان على تدمير ذاكرته، بل ان ديتر يعترف لنا بالتقائه إلى حد التأثر العاطفي بادموند، شقيق أدولف، وهي خطوة متقدمة نحو التقمص الفعلي.
ربما يجد بعض القراء صعوبة في مقاومة الإغراء الذي يدعوهم إلى ربط ميلر نفسه بجوانب من شخصية ديتر، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن ميلر كافح طوال حياته لكي يصبح المؤلف الأميركي العظيم في ثقافة لا تقدر الروائيين على نحو ما كانت تقدرهم، على سبيل المثال، في المرحلة التي كان نجم إرنست همنغواي يعلو خلالها في الأفق.
وربما لهذا، بالضبط، حاول ميلر العمل كروائي عظيم وكنوع من الشامان الأميركي، ومن ثم فقد كان الحكيم والمهرج والفيلسوف لنزوع جماعي إلى الخوف برز في مجتمع ما بعد الحرب العالمية الثانية، فهو قد أعلى من شأن، الشجاعة والحماقة، وهو أمر حافل بالمخاطر في عالم كرس التهديد بالقضاء على الحياة.
بهذا المعنى فإن نورمان ميلر لا يمكن إلا أن يكون هو نفسه شيطاناً متمرداً من نوع ما.وفي نهاية رواية «القلعة في الغابة» عندما يكتب ديتر قائلاً: «لابد لي من الإقرار إلى درجة مدهشة بالعاطفة التي تصلني بأولئك القراء الذين انطلقوا طوال هذا الطريق مرتحلين معي فإن من الصعب ألا نعتقد أنه كان يتحدث باسم نورمان ميلر أيضاً.
هذه الرواية التي أطلت بعد أحد عشر عاما من صمت ميلر في عالم الكتابة الروائية ما كان يمكن إلا أن تثير الاهتمام في العديد من الدوائر العالمية وفي مقدمتها الدوائر المتخصصة، المعنية بتقديم عروض أكثر الكتب أهمية واجتذاباً للقراء.هكذا فإن مجلة «لايبرري جورنال» تقدم في سطر واحد إطلالة بالغة الأهمية على هذه الرواية، حيث تقول: «رواية ميلر الأولى طوال أحد عشر عاماً تهز شجرة عائلة أدولف هتلر حتى جذورها».
وتقول مجلة ببلشرز ويكلي المتخصصة بدورها إن ميلر الذي سبق له أن قدم شخصية المسيح في رواية «إنجيل الابن»، يقدم في روايته الجديدة شخصية شيطانية من خلال رصده الشيطاني الذي يبعث الرعدة في الأطراف للمراحل المبكرة من حياة أدولف هتلر، من خلال عيني ديتر، وهو بدوره شيطان مكلف من قبل الشيطان الأكبر برصد كل تفاصيل حياة عائلة هتلر ودقائقها.
وتشير مجلة «كيركوس» المتخصصة بدورها إلى غرابة رواية ميلر الجديدة وطموحها الكبير من حيث موضوعها. وتشير إلى أن الرواية تقدم لنا على لسان أحد ضباط فرقة «العاصفة» النازية الذي يمطرنا بدفق مذهل من الأسرار عنه وعن عائلة أدولف هتلر والأعوام الثلاثة عشر الأولى في حياته.
وهي تشير إلى أن المؤلف لا يتردد في الإشارة إلى أكثر تفاصيل حياة عائلة هتلر دقة، بما في ذلك تفاصيل تلك الليلة الحارة من شهر يوليو التي أفضت إلى حمل أمه به والتنافس المحتدم بين ابنيها والذي أدى إلى مصرع أحدهما والذي كان الأقرب إلى فؤادها من أخيه الذي قدر له البقاء.
وعلى الرغم من قائمة المراجع المطولة التي تستغرق صفحات عدة في نهاية الكتاب ومن ولع ميلر المعروف بإجراء أبحاث مفصلة حول موضوعات كتبه، إلا أن الراوية لا يزعم انه يقدم لنا عملاً تاريخياً بالمعنى الضيق لهذا الاصطلاح، حيث يؤكد لنا أن الشيطان يكمن في جميع أنواع التفاصيل.
وتتساءل المجلة في نهاية تناولها للرواية» ما الذي يحاوله ميلر هنا حقاً؟ لماذا يسرد علينا تفاصيل طفولة الفوهرر المستقبلي؟ ولماذا يواصل أدولف اقتراف كل تلك الأعمال الوحشية في الغابة؟».وتلك كلها أسئلة مهمة وجديرة بالمتابعة ومحاولة الوصول إلي إجابات عنها، لكن نقطة الانطلاق في مثل هذا الجهد تظل، بالطبع، القيام بقراءة معمقة للرواية ذاتها، وهي تظل جديرة بذلك حقاً.
تأملات في هملر
«يمكنك أن تدعوني باسم دي. تي. وهو اختصار ديتر، الذي لا يعدو أن يكون اسماً ألمانياً. والحرفان دي.تي. كافيان، حيث أنني الآن في أميركا، ذلك البلد المثير للفضول. وإذا كنت أستعين بمخزون من الصبر فإن ذلك يرجع إلى أن الوقت يمر هنا من دون أن يعني لي شيئاً.
وقد كنت في نهاية المطاف عضواً في جماعة مخابرات لا نظير لها. وكان تصنيفها هو إس. إس.، أي القسم المخصوص آي. في ـ 2 إيه. وكنا تحت الإشراف المباشر لهاينريش هملر. واليوم ينظر إلى هذا الرجل باعتباره شيطاناً. لا بأس. لقد كان لهملر ذهن أصيل، وقد مضت بي إحدى طروحاته إلى أحد مقاصدي الأدبية، التي أعد بألا تكون روتينية».
مقتطف من رواية «القلعة في الغابة»
* الكتاب: القلعة في الغابة
* تأليف: نورمان ميلر
* الناشر: راندوم هاوس
نيويورك 2007
* الصفحات: 496 صفحة من القطع المتوسط
The Castle In the Forest
Norman Mailer
7002 Y.N - esuoH modnaR
694 .P