مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبد المعطي محمود سويد المحاضر في جامعتي عجمان ودبي والحاصل على دكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة السوربون باريس عام 1979 . صدر له من قبل عدة كتب منها «التناقض الوجداني في الشخصية العربية الإسلامية المعاصرة»، وكتاب «التفكير العربي المعاصر ومقولة سقوط الغرب»، وكذا كتاب «التفكير الإستراتيجي وحدود الإبداع في الثقافة العربية».
وفي كتابه الجديد الذي نعرض له فإن السؤال الجوهري الذي يطرحه المؤلف حسبما يشير في مقدمة الكتاب يتعلق بالتنوير والحداثة وهو : لماذا لم يأخذ العرب، أخذ عزيز مقتدر - بتعبير المؤلف- بالمرجعية العقلانية ولم يعملوا على تحييد ثقافة النص؟
ويوضح الدكتور سويد في هذا الخصوص أنه لا يعني بالمرجعية العقلانية تلك الصادرة عن التراث الغربي، بل أية مرجعية عقلانية - التفكير العلمي، الفلسفة - كنشاط عقلي حر ومستقل والمناهج العلمية للعلوم الإنسانية سواء كانت متجسدة في الغرب الأوروبي الأميركي أم في أية قارة أخرى يتجسد العقل المستقل في تراثها؟
في معرض الإجابة والتي تشملها صفحات الكتاب يوضح المؤلف ما يمكن اعتباره لبس حاصل بشأن مصطلح التنوير والذي يحمل في باطن العقلية العربية لدى وروده على الذهن، ذلك الذي يعود إلى الثقافة الأوروبية ، وهنا يتم الوقوف عربيا طويلا عند القرن الثامن عشر الأوروبي حيث أشع هذا القرن بأنواره.
أما الحداثة فهي حسبما يذكر لنا المؤلف كذلك واردة لنا من الثقافة الأوروبية وهي في مضمونها امتداد لعصر التنوير. ومن هذا المدخل يعرض لنا المؤلف ما يراه نتيجة منطقية جراء هذا التفكير على صعيد وضعنا في العالم العربي، مستندا في ذلك إلى تحليل للمفكر محمد أركون والذي يقتبس منه المؤلف ويعتمد عليه بشكل كبير في تقديم مادته على مدى صفحات الكتاب.
وملخص هذه الرؤية أن مسيرة التنوير وانتصار الحداثة في المجتمعات الغربية لم تترك مع احتكاكنا الطويل بالحضارة الغربية الآثار الإيجابية في حياة وفكر المجتمعات العربية وهو يعني بالآثار الإيجابية تطور العقل العربي ليكون موازيا للتطور المادي الذي تم بناؤه في الوطن العربي، حيث ظلت المجتمعات العربية وحتى يومنا هذا تعيش حياة حديثة وتعيش فكرا تقليديا قديما.
وقد حاولت فيما مضى التوفيق والتلفيق والترقيع بين البنية التحتية التي بنتها متأثرة بشكل مباشر بالحضارة الغربية وبنية عقلها القديمة التقليدية وظلت هذه المجتمعات تعيش ضمن أنساق معرفية تقليدية أو ثنائيات جامدة ولم تنتج معرفة أو تخلق طرقا أو مناهج حديثة في التفكير.
وفيما يبدو تأصيلا لفكرته يستعرض المؤلف في الفصل الأول من الكتاب موضوع النهضة الأوروبية أو مقدمات عصر التنوير عارضا لما يسميه تجليات التنوير في أقوال فلاسفته بدءا بجون لوك مرورا بنيوتن ثم مونتسكيو، وإنتهاء بكانط.
وفيما كانت أوروبا تسير على طريق التنوير كان العرب والمسلمون يعيشون ما يسميه الدكتور سويد إرهاصات التأخر الحضاري، الأمر الذي يثير التساؤل حول عدم أخذ العالم العربي في ذلك القرن بحركة التنوير رغم اتصاله المحدود بأوروبا ؟
وهنا يعرض الدكتور سويد بعض الرؤى أو التبريرات التي وقفت وراء الثبات في الموقع أو عدم الانطلاق نحو التقدم، ومنها المحافظة على القيم من ناحية، والانقطاع عن التقدم الحضاري العربي الذي تمثل في القرون الهجرية الأولى وعدم الاستمرارية في التقدم العربي الإسلامي، وهو ما يمثل امتدادا لرؤى فكرية لا تعبر عن المؤلف بقدر ما تعبر عن استعارات وبشكل خاص من أركون خاصة على مدى هذا الجزء من الكتاب كما أشرنا من قبل.
من هذا التحليل ينقلنا المؤلف إلى حال الحداثة في العالم العربي والتي تأسست في المجتمعات الغربية، وفق السياق الذي يقدمه، على خلفية النقد الصارم لبنية المجتمعات العقائدية والفكرية ونقد السلطة السياسية والتقاليد الاجتماعية وبنية الأسرة.
باختصار لقد قامت الحداثة على إزاحة أو تدمير النظام الفكري القديم وهدم الجسور مع العقلية التقليدية القديمة، وهو التحليل الذي تكون نتيجته المنطقية أن الأخذ بطرائق الحداثة إنما يقتضي القطيعة مع أنظمة المعرفة القديمة أيا كانت هذه الأنظمة، وهى الرؤية التي تعرضت لانتقادات بالغة في الأوساط الفكرية العربية والإسلامية على أساس أنها تسلخنا عن إطارنا الحضاري.
وفي عبارات واضحة يقرر الدكتور سويد أن الحداثة مشروع إنساني ومعنى ذلك استبعاد كل التصورات الماورائية الغيبية في مسيرة العقل الفردي أو العقل الاجتماعي وعدم ربط الإنسان بغائية سوى تقدمه اللانهائي.
في محاولة لاستيضاح وتقديم رؤية بشأن الكيفية التي واجه بها العرب الحداثة يستعرض المؤلف وقائع التاريخ في القرنين التاسع عشر والعشرين ومدى تأثيرها في حياة المجتمعات العربية لخلق مجتمع عقلاني بالإضافة للمرجعية العقلانية الغربية.
في هذا السياق يعرض الدكتور سويد ما يصفه بالشروط الجديدة لحياة حديثة في العالم العربي مستعرضا الحوادث السياسية بدءا بحملة بونابرت على مصر وإنتهاء بالحصار الاقتصادي على العراق وليبيا وكذا الأحداث الاجتماعية والثقافية بدءا بتأسيس الجامعة الأميركية في بيروت، وإنتهاء بالمشروع الفكري الإسلامي للدكتور حسن حنفي حول العقيدة والثورة.
ومن خلال هذا التقديم يصل المؤلف إلى النتيجة الأساسية التي صدر بها كتابه وتتمثل في وجود علاقة غير متوازنة بين الحياة الحديثة المادية في العالم العربي وبين الحياة الحديثة الفكرية التي كان من الواجب أن تسير جنبا إلى جنب منذ أن بدأ العرب يأخذون من الغرب ما أخذوه.
وينقل المؤلف هنا صورة تحتاج إلى نقاش مؤداها أن الاتصالات الأولى بالمجتمعات الغربية في هذه الشروط باستثناء الإصطدامات العسكرية أثارت لدى العرب المسلمين الدهشة والإعجاب الساذج والفضول الكبير. في محاولة لتأكيد على خطأ الاستجابة العربية الإسلامية لطبيعة التحدي الأوروبي الذي برز آنذاك يشير الدكتور سويد إلى مايراه خطأ في التقدير
حيث لم يع العرب التحول الكبير الذي حدث في أوروبا ولم ينتبهوا إلى أن هذا التحول يعود في جوهره فكريا إلى حركة التنوير التي فصلت بين الحياة العامة والقضايا الميتافيزيقية فكان اتجاه الميل العام للنهضة العربية نحو بعث ديني عربي إسلامي.
ومع المرحلة الاستعمارية فقد حمل هذا التدخل المزيد من الحضور المادي الغربي حتى أصبح العالم العربي يعيش نمطين من الحداثة .. المادية أو الحداثة في البنى التحتية وقد لمست هذه الحداثة مختلف مرافق الحياة الخارجية الظاهرة، والحداثة الفكرية أو تغير في البني والتي لم تمس أعماق تفكيرنا ولا جوهر مواقفنا إزاء الحياة والكون والإنسان.
وبعد أن يفصل في رحلة هذه التيارات الثلاثة سواء الفكرية أو على صعيد الصراع مع الواقع، يصل المؤلف إلى جوهر الرؤية الناجمة عن هذه الرحلة وهي أن مرحلة النقل المادي عن الغرب قد طالت وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا إلى درجة أن وصل بنا الأمر إلى الإهمال المطلق لشروط التقدم وهي الشروط الفكرية أو استخدام منطق العقل الخالص الذي كان باعثا على التنوير والحداثة.
ولقد أدى الاحتكاك بالغرب الذي أتخذ شكلا دراميا صراعيا ودمويا يعكس ما عاناه العرب والمسلمون من هيمنة استعمارية، إلى النظر للغرب من زاوية سياسية ونهمل ما لديه من تراث علمي أو فكري، أي أننا أهملنا بشكل واع ومتعمد الغرب الثقافي الذي كان يمكننا من خلال الأخذ بتوجهه أن نتقدم خلال مرحلة النقل المكرسة لنقل الحداثة المادية وأن نصبح أندادا لأهل الحضارة علما وفكرا ولكن ذلك لم يتحقق.
وفي تحديده لأبعاد عدم الأخذ بأسباب التقدم العقلي يشير المؤلف إلى الاسباب السياسية حيث لم تتوفر الإرادة السياسية لدى أية سلطة في العالم العربي كي تعمل او تأذن بشكل مباشر أو غير مباشر بنقل الحداثة العقلية وأن تعمل على توعية الجماهير بأفضلية الجماهير والاهتمام بالبنية العقلية.
أما الأسباب الاجتماعية فتتمثل في أن الأخذ بأسباب التقدم لم يكن مطلبا إجتماعيا أي لم تطالب به أية مجموعة أو حزب أو نقابة - وهو أمر فيه نظر. كذلك يقرر المؤلف أن التقدم العقلي لم يكن مطلبا ثقافيا فكريا عاما لدى كثير من التيارات الثقافية حتى ولو تصورنا أنه كان في مرحلة ما مطلبا لدى كثير من النخب الثقافية.
وبناء على هذا التحليل يقدم المؤلف رؤيته المستقبلية حول تطور العقل الاجتماعي وتتمثل في العمل على تحقيق مطلب تغيير طرائق التفكير أو طريقة التفكير الاجتماعي أو الجمعي وهو مطلب تنويري محض، وإن كان يعبر عن تصوره بأنه مطلب قد لا يتحقق في القريب العاجل في المجتمعات العربية الإسلامية وهو كذلك لا يمكن أن يتحقق بحرق المراحل مشيرا إلى أنه مرت فرص أمام العرب اعتبرت ضائعة وكان عليهم أن يأخذوا بتراث العقل العالمي ويدفعوا بواقعهم نحو التطور الخلاق.
أما النقطة الثانية التي يراها المؤلف جوهرية في إطار النظر للمستقبل فتتحدد في حسم النظر لقضية العلاقة بين الدين والعقل. وما يذهب اليه الدكتور سويد في هذا الخصوص هو أن عملية الترقيع والتوفيق والتأليف بين هذين الظرفين النقيضين - حسب تعبيره - لا يمكن أن يمهد السبيل نحو تقدم العقل إلا اذا كان على حساب التفكير الديني،
ومن هنا يعرب عن اعتقاده أن المد الديني الذي ظهرت معالمه منذ السبعينات من القرن الماضي واشتداد توسع هذا المد لن يسمح بتطور أو تغير آلية التفكير في المجتمعات العربية وسيظل الباب مفتوحا أمام مختلف أساليب التفكير الأسطوري، حسبما يرى المؤلف، وهو ما يجعله ينتهي إلى نتيجة بالغة التشاؤم يرى معها أنه لا يمكن ترقب تقدما في العقل الاجتماعي والأخذ بالحداثة في السنوات القليلة المقبلة.
*الكتاب: هياكل التنوير والحداثة المبتورة في العالم العربي
*تأليف:د. عبد المعطي سويد
*الناشر:: مؤسسة الانتشار العالمي القاهرة 2006
*الصفحات:229 صفحة من القطع المتوسط
ألفت عبدالله