مؤلف هذا الكتاب هو د.ميثم الجنابي أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة موسكو الروسية. له العديد من الدراسات والكتب منها: «العراق ورهان المستقبل»، و«الحضارة الإسلامية روح الاعتدال واليقين». ويمكن تقسيم الكتاب إلى ثلاثة محاور رئيسة: يبحث المؤلف في المحور الأول عن الروافد التاريخية التي شكلت الشخصية اليهودية واليهودية الصهيونية كمقدمة ضرورية لفهم هذه الشخصية وسلوكها. وهذه الروافد هي: الإله القومي، والاصطفاء المزيف، والنفس الغضبية.
فالإله اليهودي هو جزء من الآلهة الإثنية لا قدسية له. ولا يخلق إلا يهوداً. وعادة ما يبرز من بين أظلاف التيوس والماعز وصوف الكباش وشحم الخراف (سفر اللاويين). وفيه نرى ملامح الذبح والسلخ الدائمين ونشم منه رائحة الشي والحرق باعتبارها الإثارة المغرية للروح اليهودية في التعامل مع كل ما هو حي.
وتأسف الإله اليهودي عن رغبته لمحو وجه الإنسان عن وجه الأرض (سفر التكوين)، وأن يجعل من أرض كنعان (أهل فلسطين الأصليين) ملعوناً وعبداً. وتصبح (بابل ومصر) أرض مجاعة وموت.. ولا نعثر في التوراة كلها على مديح أو ثناء لأي شعب من الشعوب التي أرست الحضارة الإنسانية. بل على العكس إنها مليئة بالشتائم القبيحة والكراهية، التي تكشف عن طبيعة اليهودية وإلهها والتي جعلت اليهودي وإلهه في مستوى واحد.
وفي تطابق الإله اليهودي مع اليهود تكمن مصادر فكرة «الشعب المختار» العنصرية المتحجرة. التي لا تعني سوى تميزهم عن الآخرين بالعجز عن تجاوز العرقية والعنصرية. وأدى تحجرها بفعل تداخل الإله الإثني مع العرقية العنصرية إلى بناء عقيدة تفتقد بالضرورة إلى عناصر الجمعية الإنسانية. ومن ذلك تكونت سلسلة إنتاج وإعادة إنتاج الانغلاق الذاتي لليهود وعدم قدرتهم على تذليل هوى الصورة الذاتية وتجاوزها إلى ميدان إبداع صورة المثال. لهذا لا تعرف اليهودية الفضيلة المجردة ولا القيم المجردة ولا الإله المجرد. أي أنها ليست قادرة على الارتقاء إلى مصاف السمو المطلق.
والخلاص اليهودي، كما يصوره النموذج الموسوي ليس مبنياً على أساس تطهير النفس باعتباره تجسيداً للتاريخ، وللحق والعدل المجرد. بل على أساس تطهير المكان من الآخرين. وهو تقليد ميز اليهودية بروح الغضب. فحيثما يكون اليهودي يكون الغضب القوة المحركة للعلاقات.وليس الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين سوى الصيغة السافرة لتقاليد النفس الغضبية في تعاملها مع النفس والآخرين (العرب الفلسطينيين). وليس مصادفة أن يرتكب الإسرائيليون مجزرة قانا في الجنوب اللبناني تحت عنوان «عناقيد الغضب».
والنفس الغضبية تؤدي بالضرورة إلى تشتيت الروح والجسد. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى تاريخ الشتات اليهودي باعتباره تاريخ النفس الغضبية. وليس تاريخ المغضوب عليهم سوى تاريخ اليهودية نفسها، أي أن الغيتو التاريخي لليهود هو النتاج الملازم لانغلاقهم العرقي والديني.
و افتقاد اليهود لتاريخ حقيقي جعل من انغلاقهم وشتاتهم وجهين للصورة الذاتية التي بلورها العهد القديم عن اليهودية واليهود. وتقاليد الغيتو اليهودية لم تنبع من تقاليد الشتات بل على العكس إن تقاليد الشتات كانت وليدة تقاليد الغيتو التي بلورها العهد القديم في شخصية اليهودي واليهودية. وهو ما يفسر بقاء اليهودية (كدين وعرف) منغلقة على ذاتها، أي غير مستعدة للانفتاح على الآخرين والاندماج الثقافي بهم.
وهو السبب الذي يفسر تعرضهم المتكرر ل«التطهير الخارجي» منذ سرجون (721 ق.م) وحتى الآن، مروراً بكل الانتقامات الشعبية والحكومية في جميع البلدان التي عاشوا فيها وخاصة أوروبا (باستثناء العالم الإسلامي)، وتعرض اليهود لسلسلة من المطاردات منذ القرن الرابع عشر وحتى الثامن عشر، بلغت أكثر من (25) مرة، وكانت ذروتها مع صعود الهتلرية إلى السلطة في ألمانيا في ثلاثينات القرن العشرين.
وكانت انطباعات وأحكام الأمم على اليهود متقاربة. منذ مصر القديمة ونظرة المصريين إليهم كشعب لا يؤتمن وأخلاقه دنيئة، وكذلك البابليين والآشوريين. والنصرانية بكافة فرقها نظرت لليهودية باعتبارها نموذجاً للخيانة والرذيلة. ورجال التنوير الأوروبي مثل فولتير الذي وصفهم «بإخفاء الحقد الدائم على الآخرين». وشكسبير الذي جعل اليهودي نموذجا للحقد والجشع والبطش (تاجر البندقية.وفيخته وقف ضد منحهم حقوقاً مدينة مساوية للألمان واعتبرهم (دولة داخل دولة).
وفي المحور الثاني يبحث المؤلف في تاريخ اليهود في روسيا منذ القرن الحادي عشر وحتى الآن. إلا أن سلوكهم الربوي وتصوراتهم المتعارضة مع المسيحية، أدى بالأمراء في الأراضي الروسية كافة إلى طردهم ومنعهم من الدخول إلى روسيا حتى نهاية القرن الثامن عشر وتسلم كاترينا السلطة وإصدارها القرار القاضي بمساواة التجار اليهود مع الروس عام (1791).
ثم تزايد وجود اليهود مع ضم روسيا لبولندا عام 1815 التي كانت تحوي نسبة كبيرة من اليهود والذين شكلوا في ذلك الوقت أحد الأسباب الكبرى لانحطاط بولندا. ومع إلغاء نظام القنانة (1861) عملت الدولة الروسية عبر مجموعة من القوانين على دمج اليهود في الحياة الروسية الاجتماعية والاقتصادية فأصبحوا متساوين أمام القانون والحقوق في كافة الأنشطة. وأصبحت روسيا تضم عند بداية القرن العشرين أكبر تجمع لليهود في العالم (أكثر من 5 ملايين يهودي).
وقام اليهود بدور الوسيط التجاري والربوي بين روسيا وبقية دول أوروبا. وركزوا نشاطاتهم في البنوك والمحاماة. وسيطروا على الصحافة والإعلام بوصفها أداة تأثير هامة على الرأي العام والسلطة. وعمل اليهود على الانضمام للحركات المناهضة للقيصرية، وتهويد الفكرة اليسارية بشكل عام والاشتراكية بشكل خاص. وبعد استلام البلاشفة للسلطة وانضمام حزب البوند لهم، شكل اليهود الأغلبية الساحقة في قيادات مجالس السوفييت العليا. واستغلوا الأفكار الأممية الداعية إلى المساواة بين الشعوب إلى تجريم كل من يتناول المسألة اليهودية بالدراسة أو النقد.
إلا أن الحرب السوفييتية الألمانية (1940) والتي يعتبرها الروس الحرب الوطنية الكبرى ساهمت في نهوض الوعي القومي الروسي والذي لاحظ عدم اشتراك اليهود في الحرب لشعورهم بأن روسيا ليست وطنهم، مما أدى إلى إبعادهم من المناصب القيادية العليا وانحسار دورهم والذي توج في فشلهم في إقناع ستالين بأن يجعل من بلاد القرم وطنا قوميا لليهود. وهذا ساهم بدوره لتصويب الأنظار نحو فلسطين.
ومن مفارقات التاريخ أن تلعب اليهودية الصهيونية دوراً كبيراً في الانقلاب «الديمقراطي» (1991) وتفكيك الإتحاد السوفييتي. كما عملوا في السابق ضد القيصرية وباسم الاشتراكية والشيوعية.
ويخصص المؤلف المحور الثالث للبحث في تاريخ ومكونات «بروتوكولات حكماء صهيون»، والتي تحتوي على كل شيء عدا الحكمة. وقد تزامن ظهورها مع المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في بازل عام (1897)، ومع ازدياد حدة «المسألة اليهودية» التي شكلت قضية دريفوس عام (1894 ـ 1899) أحد مؤشراتها الأوروبية آنذاك.
والبروتوكولات هي مجرد صيغة نموذجية للذهنية اليهودية الصهيونية في إحدى مراحل تطورها كما تجسدت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر الأوروبي. وهي قواعد حاولت تجسيد العقائد النظرية في خطوات عملية «مدروسة» ومنظمة كما ينبغي القيام بها «من اجل بلوغ الغاية». وهي تجسيد نموذجي للميكيافلية المطوعة. أي الإيديولوجية العملية التي حصرت أسلوب مكيافيللي في أسلوب مباشر يستند إلى القاعدة القائلة:»الغاية تبرر الوسيلة. وجعلت من هذه القاعدة مبدأ شاملا ومنظماَ لقواعد العمل الصهيوني.
مروان عبد الرزاق
*الكتاب:اليهودية واليهودية الصهيونية في روسيا
*الناشر: دار الحصاد
دمشق 2006
*الصفحات:231 صفحة من القطع الكبير