مؤلف هذا الكتاب هو حسام عيتاني، الصحافي والكاتب اللبناني، الذي يعمل حالياً محرراً لصفحة «قضايا وآراء» في جريدة السفير اللبنانية. ويبدأ حسام عيتاني كتابه «هويات كثيرة وحيرة واحدة: سيرة لبنانية» بالكتابة عن محطات في سيرته الذاتية في مدخل الكتاب، حيث يسجل ما يتذكره عن مرحلتي الطفولة والشباب اللتين عاشهما في كنف عائلة بيروتية متوسطة الحال، مصابة بلوثة الثقافة.
لكن السيرة الذاتية تمتد لترسم سيرة لبنانية، تغوص في عوالم اللبنانيين خلال ما يقارب الخمسين سنة الماضية، بل وأكثر، ومن جهة ما فعلوه بأنفسهم وما شيّدوه تجاه سؤال الانتماء والهوية الذي ما انفك يؤرق ليل اللبنانيين ونهارهم منذ أكثر من ستة وثمانين سنة مضت، أي منذ إعلان «لبنان الكبير».
ويتسع مدخل الكتاب الحميمي لحياة الأهل والبيت والتعليم المدرسي، ثم ينهض المتن الأساسي على حياة اللبنانيين وما أصاب الكيان اللبناني من انقسامات وأزمات وحروب وصولاً إلى اتفاق الطائف وما بعده، وما نتج عن ذلك من تصلب الهويات الفرعية، الطائفية تحديداً، وتفاقم هواجس الجماعات ومخاوفها.
وينتهي الكتاب بمدخل جديد، يبدأ بلحظة ولادة ابنه البكر نديم ثم ولده الثاني ريان، لتبدأ الحيرة من جديد، وتفعل فعلها الأسئلة عن المثلثات والمربعات التي ستؤثر عليهما، وهل يمكن فك رموز الدائرة ذاتها التي «نبدأ السير من نقطة فيها. نولد ونكبر ونعطي الحياة من يأتي بعدنا فيولد ويكبر..»؟ مع أن المطلوب هو العمل على تجنيب الولدين من الورطة التي انتهى إليها الوطن وناسه.
إنها هويات كثيرة، مثلثة ومربعة، لكن الحيرة يبدو أنها واحدة ومديدة، فقد توزعت نشأة حسام بين أفكار والده الماركسية والأدبية، وما نتج عنها من تركيز على الحرية الشخصية والدفاع عن الحقوق في وجه المستغلين، ووالدته التي استنجدت بالحاجة «سهيلة»، أستاذة الدين، لتفرض «نزعتهما الإسلامية المحافظة والتقليدية».
وما نتج عن مسعاها من «مطالبة بالخضوع للأسرة وضروراتها وإيلائها الأولوية وعدم إظهار ما يناقض ثقافتها وتقاليدها ومعتقداتها وطقوسها الدينية»، والمدرسة الأرثوذكسية التي كانت تفتح في ذهنه «صورة (الآخر) الذي لا يخفي استعلاءه علينا من خلال تقديم العلم غير المتوفر في بيئتنا الطبيعية وبين ظهرانينا نحن المسلمين».
غير أن المثلث الذي أثر في طفولة حسام يتجسد جغرافياً على طرقات مدينة بيروت: «أمي في عائشة بكار». أبي في مكتب «نوفوستي. والارشمنديت تريفون في وطى المصيطبة». وأياً تكن الآثار والبصمات، فإن الأب يعاهد نفسه كي لا يقع أبناءه في دوائر مفرغة ودموية من الموت والقتل والجنون الطائفي. لكن هل تكفي النيات الطيبة، وهل ستفعل فعلها الإيجابي في فضاء التشنج والانقسام الذي يشهده لبنان في أيامنا هذه؟
وإذا كانت السيرة الذاتية هي كتابة المرء لحياته الخاصة، أي بوصفها عملية إنتاج السيرة الذاتية كتابياً، فإن نص السيرة الذاتية هو نسخة، أو وصف مكتوب عن حياة الإنسان ـ الكاتب، سمته هي النصية السيرية، التي تتجلى من خلال نص كتابة الحياة. وهذا ما فعله عيتاني في كتابه، حيث السيرة الذاتية تميزها كتابة أو وصف حياته الخاصة، تنبثق النصية فيهما من نقطة تقاطع الذات مع النص.
غير أن النصّية في سيرة حسام عيتاني تنفتح على نصية سيرة لبنانية تغوص في عالم عوالم اللبنانيين، الذي يبدأ من مشهد احتشاد اللبنانيين في الرابع عشر من مارس 2005 في ساحة الشهداء وسط بيروت، احتجاجاً على اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، والذي تلته يقظة الانتخابات التي كشفت مجموعة من الحقائق المرّة، وخصوصاً جملة خلافاتهم وانقساماتهم. وكشفت كذلك أن «تظاهرة واحدة لا تصنع أمة..
وأن الهوية الوطنية تحتاج إلى الكثير من الأعمال والأفعال». لكن المعنى الأهم، حسب عيتاني، لما حدث في الرابع عشر من مارس البيروتي، أنه كان إعلاناً عن انتقال المسلمين السنّة إلى الصف «الكياني» أو «السيادي»، وانفكاكهم عن المشروع العربي بمعناه التوحيدي الذي انخرطوا فيه. ولم تفلح تظاهرة اللبنانيين هذه في تقديم نفسها عنواناً لهوية وطنية جديدة، ليستمر السجال، وتتعمق الخلافات والانقسامات التي يغذيها الخطاب السياسي المتشنج.
وتفعل الحيرة فعلها حين يتطرق عيتاني لسؤال الهوية، سواء على مستوى الفرد أم الجماعة، «فالهوية مرادفة التعدد»، وغير قابلة للتعريف حسب «غوتلوب فريج»، بالرغم من كون سؤال الهوية أنطولوجي بالدرجة الأولى. وعليه فإن السؤال المعرفي يتمأسس حول تبيان وتشخيص المأزق في عالم اليوم.
حيث تغيب المشكلة الفعلية في إيديولوجيات الخطاب السياسي العصبوي، لنطرح على الدوام سؤال أين المشكلة؟ هل في ضياع الهوية أم في كثرتها، أم في غياب الانتماء إلى مدنية سياسية؟ أي المواطنة ودولة المواطنة التي تحمي المواطن قبل أن ترفع راية هويته وتعطيه ألواناً من «الهويات التوقيعية»، الدينية والمذهبية وسواهما في نظام المحاصصة.
وقد توزعت تصورات الكتاب والباحثين اللبنانيين للهوية على حتميات شتى في رسم معالم «الهويات التوقيعية»، فهناك من اعتبر الطائفية شرطاً من شروط المواطنة اللبنانية، وهناك من استند إلى نظرية الكيوف الأرسطوية، التي قسم فيها أرسطو الشعوب والأمم إلى أجناس بناءً على الظروف المناخية والجغرافية، ليخرج بسمات مشتركة للبنانيين، وهناك من استند إلى الميتافيزيقا المابعدية كي يبرر الوضعية الطائفية، وهناك من ينظّر للتوزع ما بين الخصوصية والكونية، وآخرون اعتبروها عبثية وظرفية.
لا شك في أن الفائض في تعين الهويات يرجع إلى توظيفات سياسية وأداتية للدين واللغة والعرق والتاريخ، حتى غدا سؤال «من نحن؟» سؤال هوية أزلية واحدة للجماعة ـ الأمة. وبالرغم من أن الهوية تتغير باستمرار بتغير الجماعات الإنسانية وشروطها التاريخية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
فإن واقع الحال يشهد على تنوع واختلاف الهوية داخل مختلف تشكيلات الجماعات، بل وزوالها في بعض المواقع وتخليقها في مواقع أخرى. لكن المنطق الطائفي يبني لكل فرد انتماءً إلى جماعة مختلفة نوعياً عن باقي الجماعات، مرجعاً ذلك إلى صفات أساسية فيه، وناكراً جملة الظروف والعوامل الاجتماعية والتاريخية والتأثيرات المختلفة الأخرى.
ويعترض حسام عيتاني على مقولة أسبقية الواقع على الايديولوجيا، من جهة أن أصحابها «يعتقدون أنهم بإظهار مثالب الطائفية إنما يكونون قد قاموا بالجزء الرئيسي من الحرب عليها»، في حين أن الحرب لا تبتعد كثيراً عن أذهانهم وأفكارهم من دون أن تلامس حدود الواقع، فالمطلوب ليس حسم جدال الأسبقيات.
أو القول بسيرها متوازية، لأن الأجدى في رأيه الاكتفاء في المسألة بالإقرار بحركيتها وبعدم ركونها واستقرارها على تشخيص نهائي. ولن يجدي نفعاً أي تأويل تبسيطي للهويات التوقيعية أو الطائفية، لأنها متغيرة ومتطورة بتغير الزمن والظروف الاجتماعية والسياسية، ولا يصح منحها ألقاباً جاهزة من قبيل «رجعية» «عبثية» أو «بالية».
وإن كانت الحيرة تشي بأن «لا صهر الطوائف يجدي، ولا اقتتالها الدائم بأمر محتمل»، فإن البحث في السيرة اللبنانية، يقود إلى رسم الخطوط العريضة لصورة تتجمع فيها عناصر أساسية للهوية اللبنانية، والتي تتكشف عن تجزؤ وتذرر وتوزع على طوائف وجماعات، وعن وطنية ما زالت قيد التشكل، وعرضة لكل التأثيرات في عالم من الاضطراب. بالمقابل، ليس هناك فئات لبنانية تعي عدتها الإيديولوجية.
وتتمسك بها في النزاعات والصراعات بين الجماعات، فالحرب اللبنانية أكدت عدم تحول البلد إلى مجتمع سياسي، حيث اجتاحت الحرب الأهلية حياة اللبنانيين، «فغيرت واقعهم في حقول الثقافة والاقتصاد والسياسة والاجتماع»، وأعادت رسم صورة جديدة للبلد، وتجسدت تأثيراتها في حقل الهوية اللبنانية في تقليص المجالات المشتركة.
«لكن هل كان اندلاع الحرب قدراً لا رادّ له في لبنان؟ أي هل أمكن تجنب تجرع كأس الصراع الأهلي المسلح لو اتخذت الأمور مساراً آخر في نقطة قريبة أو بعيد من خط الزمن؟» أسئلة مشروعة يطرحها عيتاني في معرض قراءته لوجود لبنان على خط الحروب المتكررة، غير المتشابهة، من جهة أن كل حرب أهلية هي انفجار جديد لعداوات جديدة، مع أنها لا تضمر أيّة قيمة نافعة، كونها تدمر البلد وناسه، وتحول دون ولادة الفرد ـ المواطن، وتذهب بالثقافة وبالحركة الثقافية على حساب النزعات المحافظة والتوظيفات السياسية.
وينتقد حسام عقيدة الفرادة الممتنعة على العلم، بما فيه الإحصاء والتصنيف، ذلك أن العلم يدخل التعدد والنسبية والتاريخية على ما يراد له أن يكون جوهراً وحداً ثابتاً متماثلاً مع ذاته على الدوام، ولا يقرّ العلم بزعم أصحاب الهوية المتجانسة والثابتة. ويرى عيتاني «استحالة فهم لبنان عقلانياً»، لذلك فإن «الصعوبة الخارقة في حكم هذا البلد والحفاظ على قدر معقول من الاستقرار السياسي فيه». ولا يوافق على القول ان اللبنانيين قد انجروا إلى الحرب على غير رضا منهم.
وأن الغرباء هم من ورطوهم فيها، كونهم ذهبوا إلى حربهم مبتهجين، ورأوا فيها مخرجاً من واقع فقد إمكانات تطوره السلمي. ويستند حسام عيتاني في كتابه على مناقشة أطروحات العديد من الكتاب والباحثين اللبنانيين من أمثال جورج قرم وأحمد بيضون ومهدي عامل وحازم صاغية ووضاح شرارة وإيليا حريق وكمال الصليبي وميشال شيحا وسمير خلف وجواد بولس وشارل مالك وأسامة المقدسي وسواهم.
ويقيم معهم حوارات واشتباكات نقدية في سياق كتابته عن حيرة اللبنانيين. ويبدو أن حيرتهم دفعتهم إلى رواية سيرتهم وحكاية وطنهم، لكن ما يخلص إليه عيتاني، بالرغم من حيرته، هو أن القول بأبدية الانقسام الطائفي في لبنان تحمل الكثير من الغبن والتعسف، إذ من غير المستحيل تشييد دولة تتمثل فيها مصالح أكثرية مواطنيها، بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية والجهوية.
عمر كوش
*الكتاب:هويّات كثيرة وحيرة واحدة سيرة لبنانيّة
*الناشر:دار الساقي ـ بيروت 2007
*الصفحات:244 صفحة في القطع المتوسط