عندما انتشرت المحطات الفضائية العربية خلال السنوات العشر الأخيرة، أصبح الترويج الإعلامي داخل كل بيت، وصار لكل محطة حصة من الجمهور يتابعها ويعتقد أنها تمثل ما يحبه أو يريده. أكثر من خمسمائة محطة فضائية جميعها تعرض أرخص الأغنيات التي تتأفف منها أقبية الليل ،عدا عن حركات رخيصة مبتذلة وغير أخلاقية يقوم بها المخنخنون (مطرب مصاب بانسداد في الأنف) في السرير أو الحمام..
وتغذيها رسائل قصيرة تعرض على شريط لا يقل ابتذالا عن المغنية أو قلة أدب المغني. . وجوقة من الماعز تثغو في مكان ما باعتبارها كومبارس الأغنية الرخيصة..كل ذلك في منازلنا وأمام أعين وأسماع مراهقينا، ولا حسيب أو رقيب إلا وقت طويل من الملل والفراغ أمام سعار من القبح الذي شوه الحياة ومعانيها.
حتى وقت قريب كانت تلك المحطات في صدارة تأفف الناس ومحط انتقادهم السلبية ولا تخلو جلسة اجتماعية من صب جام غضب المتحدثين عليها، وأيضا لا تكاد تخلو مطبوعة رصينة من انتقاد أو تعليقات سلبية لكل ما تقدمه تلك المحطات ،و لم يتصور المشاهد ذات يوم أنه ستكون هناك محطات فضائية أكثر سوءا من محطات الأغنيات الرخيصة،
حتى ظهرت محطات للسحر والشعوذة والتنجيم والتبصير وقراءة الكف وكشف المستور التي تفوقت في استخفافها لعقل المشاهد على محطات ( فتح عينك تاكل ملبن)، وراحت عبر مجموعة من الأفاقين تقول للناس ما حدث لهم وما سيحدث مستقبلا وتفسر أحلامهم وتزوج أولادهم وتدفع عاقريهم إلى الإنجاب، ولا مانع من زيادة الثروات طالما هناك من يدفع مئات الدولارات ثمنا لمكالمة هاتفية تعيش عليها محطات الشعوذة العربية.
أليس معيبا وفاضحا أن تكشف سيدة أسرار مخدعها على الملأ عبر اتصال هاتفي مع مشعوذ يطل عبر الشاشة ليقول لها افعلي كذا. . مع زوجك فيعود إليك راكعا طالبا الصفح. أو أليس مخجلا أن مشعوذا يقول لامرأة أن جارتها تتربص بزوجها كل صباح لتخطفه منها، ويقترح عليها بعضا من شعوذاته التي تثير الضحك والشفقة ويطلب إرسال بعض النقود إلى جهة ما أو شراء منتج لا تبيعه سوى شركات لها نصيب من الشعوذة لعودة الزوج إلى البيت سالما غير مخطوف من قبل الجارات.
و لشد ما يثير الاشمئزاز عندما تصف إحدى مشعوذات الفضاء تعويذة لدرء الخطر عن البيت : أحضري دجاجة حمراء واذبحيها في الليل وخذي مرارتها وانقعيها بمسحوق ساق كلب وأضيفي إليها مسحوق أظلاف كبش بري واخلطي جيدا ثُم اتركي الخليط تحت النجمة ليلة كاملة، بعدها جففي الخليط تحت شمس النهار سبعة أيام واحرصي على ألا تخالطه نقطة ماء،
وعندما يجف جيدا رشي حواف بيتك بالمسحوق فجرا لمدة ثلاثة أيام. . بعدها لن يقع لبيتك مكروه. وهذه الوصفة لم اخترعها ولكن سمعتها ونقلتها بأمانة عن مشعوذة في محطة فضائية ردا على بعض المتصلين. . وما أكثرهم هذه الأيام. . وجل ما أخشاه أنهم يمضون يومهم في البحث عن ساق كلب أو أظلاف كبش بري.