مؤلف كتاب «المواقف» هو محمد بن عبدالجبار «الملقب» بالنفري «انتساباً إلى بلده« نفر» أو « نيبور» وهي قرية بجوار«بابل» أو الكوفة «على ما يقول ياقوت الحموي «في معجم البلدان وقد عاش هذا الصوفي الكبير في القرن الرابع الهجري أو العاشر الميلادي فقد ذكر «حاجي خليفة» في كتابه «كشف الظنون» انه توفي عام 345 هجرياً وانه ترك كتابين عظيمين هما: «المواقف»
و«المخاطبات» لكن أهم ما في أمر «النفري» أنه لون خاص، جد خاص، ضمن سياق الحركة الصوفية الإسلامية حتى لا يكاد يشبه أحدا أو يشبهه أحد، إذ على الرغم من أنه قد عاش في الاندفاعية الأولى للتصوف الإسلامي فإنه يخلو خلواً تاماً من شطحات «البسطامي» واضطرابات «الحلاج» وتجريدية «الجنيد» شبه المتفلسف بل لعل من يقرأ كتابيه لا يجد فيه إلا شاعراً يكتب شعراً منثوراً بخياله الرمزي النادر،
الأمر الذي لا يكاد يدانيه فيه أحد من كبار الصوفيين لكن ما هو الموقف النفري؟ انه القبض على تفتح الذات عن الوجود الداخلي الصرف، الذي تكتنزه منذ الأزل إنه انكشاف مخبوءات الذات والوجود وعوالمها الثبتية أمام الذات نفسها ففي قناعة النفري أن الواقف «على الحق وفي الحق» يعرف من داخله، ولا تنبس معارفه إلا من أشواقه وأذواقه، أما غير العارف، أو غير الواقف، فلا يعرف ولا تأتيه معرفه إلا من الأشياء، من جماديتها الميتة المتيبسة،
فما من شيء أنبل من القلب البشري أو أصفى وما من شيء أصدق وأثبت وأحق بالثقة من أشواق الروح وحنينه إلى الحب الصرف ولهذا لن يجد قارئه أزمة أكثر حضوراً من أزمة يقين الحقيقة إذن ذاتية في عرف النفري لكن هذا الواقف العارف لا يكابد الانفصال عن الحقيقة، عن الأبدية، ولهذا يغوص النفري، يغوص العارف الواقف دونما انقطاع في لجج الروح ويقف في العلو المسرح يخرج من ضيق الرسوم إلى سعة الإطلاق.
إذن الموقف النفري حوار مع الحقيقة الكونية ومعانقة انفتاح الديمومي والتمركز حول المركز الذي لا مركز بعده، فالصوفي لا يتعلق ولا يتعشق إلا بالثبات الراسخ الدائم وفي هذا يقول النفري «لا طمأنينة إلا مع الدوام» والذي لا يمكن التعرف به من خلال الحرف والعبارة «الحرف حجاب» «أوائل الحكومات أن تعرف بلا عبارة «إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة» «لا عبارة في الأبد» من علوم الرؤيا أن تشهد صمت الكل».
كل قول إذا يصمت عن الحق أشد منه عمقاً يستنكف أمام آفاق يستحيل على اللسان اختراعها وما من كلام إلا والسكوت الذي يسكنه أشد منه عمقاً اللهم إلا إذا كان قولاً في ما هو شديد العبور ولكن التناقض الذي ينضوي عليه «النفري» داخل نفسه يكمن في أنه ـ على الرغم من ادانته الحرف ـ يكن احتراماً للغة يقول: أول ما ترث وتأخذ معرفة من العارف كلامه «ما لم تفقه كلامك فأنت في الهذاء».
ولكن اللغة التي لا تفضي إلى أية معرفة مطلقة يمكن لها أن تصل إلى «عالم المعرفة» وعلم المعرفة عنده مرتبة دون المعرفة، ولكنها مرتبة لا بد منها للواقف قبل أن يصير عارفاً أو واقفاً ولهذا أكثر «النفري» من الإشارة إلى أن من لزمه العلم فتح له أبواب المزيد منه فالأفق العرفاني الواحد يحيل إلى أفق يليه ويسمو عليه والرتبة المعرفية تفتح أمامك باب الرتبة التي تعلوها.
والإنسان نزوع دائما نحو الارتقاء والسعة والاندياح فمع أن الحرف حجاب ومع أن الحجاب من جنس العقاب فإن الحرف ليس إلا شيئا، وإن يكن الشيء المحض، إنه القول والصمت ممتزجان ومندغمان في بنية واحدة، والأهم أن الحرف يقود إلى الحرف «الحرف يسري في الحرف حتى يكونه، فإذا كان سرى عنه إلى غيره، فيسري في كل حرف، فيكون كل حرف».
وبهذا فإنه لا يزدري اللغة ولا يرفع من قلبها ولكن يؤمن بأنها لا تصل إلى مجمل الجملة الوجودية حتى وإن أجهدت نفسها، من أقواله في كتابه هذا: أوقفني وقال لي: البعد تعرفه بالقرب والقرب تعرفه بالوجود، وأنا الذي لا يرومه القرب ولا ينتهي إليه الوجود، أوقفني وقال لي: إن لم ترني لم تكن بي، لا يكون إلا الى المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء.