مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الانجليزي تريفور موستاين المختص بتاريخ مصر وحضارتها في العصور الحديثة، وهو هنا يقدم كتابا عن الحياة المصرية في عصر النهضة، أي منذ عهد محمد علي باني مصر الحديثة وحتى مشارف الثورة المصرية مرورا بعهد الخديوي إسماعيل وتوفيق، الخ.

ويرى المؤلف أن مصر عموما والقاهرة خصوصا عاشتا عندئذ عصرا ذهبيا من حيث التنعّم بالحياة، على الأقل فيما يخص الطبقات العليا من المجتمع، أي طبقة الأغنياء والباشوات المحيطين بالقصر. فمصر انفتحت على الغرب وبخاصة على فرنسا بعد عهد محمد علي وأخذت تتقدم وتبني نفسها على كل الأصعدة والمستويات. وفيها بنيت أول دار للأوبرا في العالم العربي وأصبحت القاهرة مركزا لتلاقي الحضارة الغربية والحضارة الشرقية في آن معا.

في بداية الكتاب يكرس المؤلف فصلا كاملا لعهد محمد علي ويقول بما معناه: لقد قاد محمد علي مصر طيلة النصف الأول من القرن التاسع عشر تقريبا بيد من حديد. ويجمع المؤرخون على القول بأنه باني مصر الحديثة. وفي الوقت الذي شكل فيه إمبراطورية كبيرة راح يجري الإصلاحات على أوضاع مصر الداخلية ويؤسس السلالة التي حكمتها طيلة مائة وخمسين سنة، أي حتى وصول الضباط الأحرار إلى السلطة عام 1952 وقلب النظام الملكي لفاروق. وعندئذ حكمت مصر لأول مرة من قبل قائد عربي مصري حقيقي هو، جمال عبد الناصر.

فمن هو محمد علي يا ترى؟ في الواقع أنه ليس مصريا وإنما ألباني حيث ولد عام 1769. وكان في البداية جابي ضرائب قبل أن يدخل في سلك الجيش العثماني ويبرهن على مواهبه كقائد عسكري. وقد أرسله السلطان العثماني إلى مصر لطرد الفرنسيين بمعونة الانكليز، وهذا ما فعل.

ثم استطاع طرد الانكليز من البلاد أيضا عندما هزم أسطولهم عام 1807. ولكن سلطته على الرغم من ذلك ظلت هشة بسبب تهديد المماليك له، ولذلك قرر التخلص منهم في ليلة ليلاء عن طريق الخدعة. فقد دعاهم إلى احتفال كبير في قلعة القاهرة الشهيرة في 11 مارس من عام 1811.

ووفدوا على الاحتفال بأعداد كبيرة وصلت إلى 470 شخصا أو زعيما دون أن يشعروا بأنه يبيّت لهم شيئا نكرا. وما إن وصلوا واستقروا حتى أمر جنود بتصفيتهم تماما. وهكذا حصلت مجزرة المماليك ولم تقم لهم قائمة في مصر بعدئذ. وأصبح محمد علي سيد البلاد طيلة فترة حكمه حتى مات عام 1849 عن ثمانين عاما.

ثم يردف المؤلف قائلا: وقد أتاح له هذا العمر والحكم الطويل أن يقوم بتحديث مصر من كل النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية والعمرانية. وعلى الرغم من أن هدفه من هذه الإصلاحات كان هو ترسيخ حكم عائلته وسلالته إلا أن مصر استفادت منها كثيرا.

فقد أصلح نظام السقاية والريّ وزاد من مساحة الأرض المزروعة في وادي النيل، بل وأدخل زراعات جديدة لم تكن تعرفها مصر من قبل كزراعة الرز مثلا، أو شجرة النيلة، أو قصب السكر، والقطن ذي الألياف الطويلة الذي أصبح في طليعة الصادرات المصرية إلى الخارج.

وفي عام 1840 أمر محمد علي بزراعة عشرة ملايين شجرة جديدة في مصر. وكذلك قام المهندسون بشق الطرق وبناء الجسور العديدة. وقبل عهده لم تكن في مصر عربات تسير على عجلات فأدخلها إلى البلاد من أوروبا. وكانت تمهيدا لظهور السيارات والشاحنات التي تسير على طرق مصر حاليا.

كما وأصلح محمد علي النظام العقاري والنظام الضرائبي في البلاد. وهذه الإصلاحات أدت عموما إلى تحسين وضع الفلاح المصري نسبيا، ولهذا السبب تزايد عدد السكان في عصره بنسبة الضعف حتى وصل إلى خمسة ملايين عام 1848. ولكن عددهم الآن يزيد على السبعين مليونا!

ثم أدخل محمد علي الصناعات الجديدة إلى مصر ومن بينها المطبعة، أي مطبعة بولاق الشهيرة. وقد ساهمت في نهضة الثقافة وظهور الجرائد والكتب المطبوعة لأول مرة. وطور الرجل صناعة النسيج وبعض الصناعات الأخرى المفيدة، وكان الهدف منها تحقيق استقلالية مصر وعدم تبعيتها بالقياس إلى أوروبا. وهناك صناعات عديدة كان الهدف منها تقديم الآلات والخدمات والتجهيزات للجيش المصري.

والواقع أن مطبعة بولاق ساهمت في تدشين النهضة الثقافية ليس فقط في مصر وإنما في العالم العربي ككل. كما وساهمت في ظهور نخبة ثقافية جددت الآداب العربية. وساهم محمد علي في تشكيل مؤسسات تعليمية جديدة في البلاد، وكانت الأولى منذ عهد بطليموس! وبالتالي فقد أخرج مصر من عصر الانحطاط الطويل فعلا.

كما وأرسل الباشا طلاب مصر في بعثات إلى الخارج كي يطلعوا على العلوم والتقنيات الغربية ويدخلوها إلى مصر لكي تستفيد من الحضارة والحداثة.وقد أتت هذه البعثات ثمارها بدءاً من الجيل الثاني في عهد خلفه الخديوي إسماعيل حفيد محمد علي. كما وأصلح باشا مصر نظام الصحة وأسس المستشفيات الحديثة. ونظف القاهرة من الأوساخ والقاذورات التي كانت تسيء إلى سمعتها أمام الآخرين وتزيد من انتشار الأوبئة والأمراض فيها.

أعاد إلى الاسكندرية سابق مجدها الذي فقدته منذ ألف سنة تقريبا! وجعل منها الميناء الأول والأساسي للبلاد، وأنشأ فيها أحياء جديدة على الطريقة الأوروبية، وبنى فيها القصور له ولعائلته. وقد حقق محمد علي كل هذه الإنجازات بمعونة المهندسين والخبراء الفرنسيين لأنه كان مولعا بالحضارة الفرنسية.

وبعد موته شهدت مصر عهدا رجعيا في شخص حفيده عباس الذي اتبع سياسة مضادة لسياسة جده. ومعلوم أنه طرد الخبراء الفرنسيين من البلاد وأعلن ولاءه الكامل للسلطان العثماني وتقرب من الأزهر والسلطات الدينية المحافظة.

ولكن لحسن حظ مصر فإن عهد الخديوي إسماعيل الذي تلاه بفترة سرعان ما عاد إلى الخط الذي تبناه الجد المؤسس، محمد علي، وهو خط التحديث والاقتراب من الحضارة الأوروبية. ومعلوم أن إسماعيل كان قد أرسل في بعثة كبيرة إلى باريس عام 1844 لتلقي العلم فيها.

وكانت البعثة تضم سبعين طالبا من بينهم قائد الإصلاحات الإدارية والتعليمية المقبل في مصر: علي مبارك. ومعلوم أنه أصبح وزير الأشغال العامة في عهد الخديوي إسماعيل الذي كان صديقه. فقد تعرفا على باريس وحضارتها معا.وفي عهد إسماعيل تم تدشين قناة السويس بحضور كبار الرؤوس المتوجة في أوروبا والعالم العربي الإسلامي.

وكانت الإمبراطورة يوجيني زوجة إمبراطور الفرنسيين نابليون الثالث في طليعة الحاضرين. وأصبحت القاهرة تشبه باريس في ذلك الزمان من حيث الأناقة والبذخ والحياة المترفة الناعمة. وفتحت فيها المسارح ودار الأوبرا كما هو عليه الحال في عاصمة الفرنسيين. وأصبحت طبقة الباشوات والأغنياء والمثقفين الكبار تعيش حياة راقية على الطريقة الأوروبية.

ثم يردف المؤلف قائلا: وقد شهدت القاهرة عصرها الذهبي في عهد الخديوي عباس حلمي (1892-1914) الذي كان رائد التحديث والنزعة القومية المصرية في آن معا. ويعود ازدهار البلاد في تلك الفترة إلى زراعة القطن وتصديره إلى الخارج بكميات ضخمة. وارتفع مستوى المعيشة في مصر عندئذ وأصبحت دولة غنية. وفي تلك الفترة بالذات توافدت عليها الجاليات الأوروبية من إغريق وإيطاليين وفرنسيين وانجليز، بل وحتى من سويسرا وألمانيا وبلجيكا. وأصبحت المدن الكبرى كالقاهرة والاسكندرية مدنا كوسموبوليتية مليئة بالفن والعلم والطرب والعيش الرغيد.

* الكتاب:العصر الذهبي بمصر

القاهرة وعهد السعادة والمتعة

* الناشر:توريس بيرك بيبربوكس

لندن 2006

* الصفحات: 202 صفحة من القطع الكبير

EGYPT'S belle epoque

Cairo and the age of the Hedonists

Trevor Mostyn

Tauris park paper books

London 2006

p.20