معظم الدراسات الأكاديمية تذهب نحو المنجز العربي شعرياً في عصور مضت، وقليلة هي الدراسات التي تتناول الحقبة الراهنة شعرياً، ولكأن الجامعات العربية تتضامن مع فكرة تمجيد الماضي أسوة بأيديولوجيا (الأمس أفضل من اليوم) التي أدخلت المنطقة في متاهة بعيدة عن العالم المتقدم.
في شعر الأمس يوجد آلاف مؤلفة من الأفكار التي تحتاج إلى البحث،ويمكن لفكرة واحدة أن تتناولها الدراسة من عدة زوايا، ولم يترك ناقد عربي منذ قدامة بن جعفر شاعراً ، دون أن يعمل مبضعه في أبياته شرحاً وتحليلاً وتأويلاً، ولم يوفر ناقد اليوم ذلك، بل تفوق نقاد اليوم على نقاد الأمس بما اتبعوه من طرق مبتكرة تقيس المعاني الغابرة بالدلالات الحاضرة.
كل ذلك في ظل تجاهل عظيم لما قدمه الشعر العربي خلال نصف قرن مضى كانت انعطافة الشعر فيه قوية إلى درجة أسبغت عليه لقب الشعر الحديث، وهي تسمية ذات دلالة زمنية تعطي تفوقاً أفضلياً لما هو جديد، لكنه ليس بمعنى الجودة، لأن الشعر وفي جميع العصور والأمم يقاس بما سبق انجازه في هذا الميدان.
ولذلك يركض نقاد اليوم نحو شعر الأمس باحثين عما يطابق نظرياتهم النقدية ويوافقها في ما تناقلته الذائقة جيلاً عن جيل، ولتكاد المكتبة العربية تخلو من كتب نقدية جديدة تتناول المنجز الحاضر للشعر العربي أسوة بما تفعله أمم الأرض التي تؤرخ لحاضرها كما أرخت لماضيها، والشعر الذي كان يوماً ما ديوان العرب يمكنه أن يكون اليوم وجدانهم إذ قيض له ناقد جيد يقدمه للأجيال الجديدة مثلما قدم الشعر القديم من قبل.
وإذا كانت المكتبة العربية خالية من نقد متابع لحركة الشعر العربية الجديدة اليوم فالسبب هو توجه النقاد إلى شعر الأمس وتجاهل شعر اليوم، وما أفرزته المخيلة النقدية العربية اليوم عن الشعر الحديث لا يشكل شيئاً مقارنة بالكتب التي وضعت في نقد شعر الأمس.
إن هذا التجاهل يعني عدم قدرة الناقد العربي على مواكبة حركة التطور التي طرأت على قصيدة اليوم، ويحتاج الدخول إلى عوالمها مخيلة أبعد مما تكون مخيلة نقدية فقط، وهو ما لا يتوافر في كثير من النقاد، وإذا أضفنا أن المدرسة العربية تدرّس أحمد شوقي كسقف للحداثة فإن الناقد الذي لم يذهب أبعد من ذلك لن يجد في جيل شعري كامل أكثر من قصيدة «المطر» التي أحدثت نقلة جمالية أو قصيدة «الكوليرا »التي أحدثت نقلة فنية.
وعليه لن يكون سهلاً التعاطي مع كل هذا المنجز الذي استمر أكثر من نصف قرن، والمخيلة النقدية توقفت لدى أسماء معينة، ولربما كان السبب هو افتقارها للمحاكاة التي توازي الشعر تحليلاً أو افتقارها للجرأة والتي تحتاج إلى معرفة واسعة بشعر العرب وغيرهم من الشعوب ، ليحدد من خلالها الناقد موقع شعراء اليوم على جغرافية الشعر العالمي.وحتى مجيء ذلك الناقد ستمطرنا الصحف بمقالات (نقدية) هي أشبه ما تكون بآراء انطباعية حول قصيدة أو كتاب جديد.