مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الإنجليزي من أصل هنغاري، فيكتور سيبستاين، وكان قد ولد في بودابست ولكن عائلته هاجرت إلى انجلترا عام 1956 وهو طفل صغير. وهناك كبر وترعرع وأصبح كاتبا صحافيا ومراسلا حربيا لإحدى الصحف البريطانية.

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن قصة تلك الثورة الهنغارية التي أذهلت العالم عندما اندلعت في بودابست عام 1956. ومعلوم أنها سحقت بواسطة الدبابات السوفييتية التي أرسلها القادة الروس إلى هناك من أجل المحافظة على النظام الشيوعي والإمبراطورية السوفييتية.

ويرى المؤلف أن عام 1956 سوف يبقى في التاريخ اللحظة التي شهدت تحولا أساسيا في مجرى الحرب الباردة. فذلك العام يشكل بداية النهاية للإمبراطورية السوفييتية كما قال ريتشارد نيكسون في عبارة شهيرة: لقد دق أول إسفين في نعشها.

والواقع أن الأحداث الهنغارية الجسام التي حصلت في ذلك الخريف دعيت بالثورة من قبل الهنغاريين، ولكنها دعيت بالثورة المضادة أو الرجعية من قبل المحتل السوفييتي. وقد ابتدأت على هيئة تظاهرات عفوية لطلاب الجامعات الذين يريدون المزيد من الحرية. ومعلوم أن النظام الشيوعي مكروه بسبب طابعه الممل والقسري والجماعي الذي لا يترك أي مجال للحريات الفردية. ثم يردف المؤلف قائلا:

وبعد أن اندلعت تظاهرات الطلاب انضم إليهم مئات الملايين من الهنغاريين الآخرين من مختلف الطبقات وراحوا يطيحون بتماثيل ستالين وهم يصرخون بأعلى صوتهم: الروس خارجا! فلنطرد الروس من بلادنا!

وقد رفض الجيش الهنغاري أن يتدخل ضد المتظاهرين على الرغم من مطالبة السلطات السوفييتية له بذلك. وبالتالي فقد ترك هذه المهمة القذرة للقوات السوفييتية الموجودة في البلاد. ولكنها كانت قليلة العدد وضعيفة التجهيز بالأسلحة والمعدات، وبالتالي فإن تدخلها ضد المتظاهرين بدلا من أن يقمع الحركة الثورية راح يقويها ويدعمها ويزيد من ضراوتها.

وعندئذ أمرت السلطات السوفييتية قواتها بالانسحاب من هنغاريا والعودة إلى البلاد. وهكذا عاشت بودابست بضعة أيام من الحرية. ولكن السلطات السوفييتية قررت تغيير موقفها بعد أن خافت من فقدان هنغاريا أو انسحابها من المعسكر الشيوعي، كما وخافت من أن تقلدها دول أخرى في أوروبا الشرقية.فأمرت عندئذ قواتها بالعودة إلى بودابست من منطقة الحدود بعد أن دعمتها بقوات مدرعة جديدة ومسلحة بامتياز. وهكذا سحقت الدبابات السوفييتية الثورة الهنغارية بالحديد والدم.

ووقف العالم الحر، أي الغربي مكتوف اليدين دون أن يحرك ساكنا. نقول ذلك على الرغم من أن واشنطن كانت قد دعمت المتظاهرين سرا بل وحثتهم على الثورة ضد الروس. ولكنها تخلت عنهم عندما اشتدت الأزمة ووصلت إلى ذروتها. وهذه خيانة في الواقع أو جبن غير مفهوم.

وبالتالي فإن هذا الكتاب يروي قصة ذلك الحلم الذي تحطم على وقع الدبابات السوفييتية: نقصد الحلم بالحرية لشعب بأكمله.ثم يردف المؤلف قائلا: لقد أصبحت بودابست اليوم إحدى عواصم الاتحاد الأوروبي. لقد تحررت من الطغيان والديكتاتورية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والشيوعية. ولكن آثار القنابل والرصاص لا تزال بادية على المباني الحكومية وحتى على بعض المباني العامة. وقد تركت السلطات هذه الآثار بادية للعيان حتى الآن عن قصد لكي تذكّر الزوار الأجانب بالمأساة التي عاشتها بودابست قبل خمسين عاما. إنها أكبر شهادة على تضحيات الشعب الهنغاري من أجل الحرية.

ينبغي العلم بأنه قد مر نصف قرن بالتمام والكمال على تلك المأساة، ولهذا السبب أصدر المؤلف كتابه عام 2006 بمناسبة تلك الذكرى التاريخية (1956-2006). لا ريب في أن ثورة 1956 انتهت بالفشل والاندحار، ولكنها لا تزال تثير إعجاب العالم أجمع لأن شعبا صغيرا كالشعب الهنغاري تجرأ على مواجهة إحدى القوتين العظميين آنذاك.

نقول ذلك في حين أنه لم يكن مسلحاً إلا ببعض البنادق البسيطة وكوكتيل مولوتوف، ولكنه كان عاشقا للحرية ومتعلقا بها ومستعدا للتضحية بروحه من أجلها.والواقع أن مقاومته للجيش السوفييتي أدهشت المراقبين في العالم أجمع ونالت إعجابهم. وقد شكلت تلك الثورة إحدى اللحظات الأساسية للحرب الباردة بين الشرق والغرب، بين العالم الشيوعي والعالم الرأسمالي. لقد شكلت لحظة ساخنة جدا داخل حرب باردة طويلة.

ولكن السؤال المطروح هو التالي: لماذا سمح العالم الغربي بسحق الثورة وتدمير أجمل الأحياء في بودابست دون أن يحرك ساكنا؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن بودابست من أجمل العواصم الأوروبية بل والعالمية. البعض يقول لأنه ما كان يريد أن يدخل في صراع مفتوح مع الاتحاد السوفييتي، وهو صراع كان سيصل إلى مرحلة الحرب النووية الشاملة التي تدمر

الأرض ومن عليها. وهذا صحيح.

والبعض الآخر يقول بأن الرئيس ايزنهاور كان مشغولا بالحملة الانتخابية من أجل إعادة ترشيحه مرة ثانية للبيت الأبيض. وهذا صحيح أيضا. والبعض الثالث يقول بأن العالم كان مشغولا آنذاك بأزمة كبرى أخرى هي أزمة العدوان الثلاثي على مصر. ويبدو أن المشكلة المصرية كانت أهم من المشكلة الهنغارية بالنسبة للأميركان، فوزن مصر وموقعها أكبر من وزن هنغاريا على الرغم من أهميتها.

ولكن إذا كان الأمر كذلك فلماذا شجعت أميركا الشعب الهنغاري على الثورة ضد المحتل السوفييتي؟ لماذا صرفت المخابرات المركزية الأميركية ملايين الدولارات على الدعاية من أجل نشر إنجيل الحرية والديمقراطية ثم تخلت عن الشعب الهنغاري عندما وقعت الفاس في الراس؟ حقا لقد شعر الشعب الهنغاري بأن الغرب تخلى عنه وأدار له ظهره وترك القوات السوفييتية تسحقه سحقا.

وهو شعور مؤلم لا يزال سائدا بشكل من الأشكال حتى اليوم. ولا يزال عالقا في نفوس الشعب الهنغاري كالفصة المرة.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد تردد القادة الروس الذين خلفوا ستالين على الحكم في الكرملين قبل الرد على ثورة بودابست. وتناقشوا كثيرا في الأمر قبل أن يحسموا القرار لصالح التدخل السريع والقمع الدموي للمتظاهرين المتمردين، لقد تصرفوا كقياصرة أو كأباطرة. ولكنهم كانوا يعرفون مدى حقد شعوب أوروبا الشرقية على الشيوعية والنظام السوفييتي:

أي نظام الحزب الواحد والجريدة الواحدة والرأي الأوحد.

وكانوا يعلمون أن هذه الدول قد تفلت من أيديهم يوما ما. والواقع هو أن الثورة الهنغارية التي فشلت عام 1956 لأنها كانت سابقة لأوانها انتصرت عام 1989 عندما انهار النظام الشيوعي بأكمله. وبالتالي فقد كانت حلقة على طريق التحرير الطويل.

*الكتاب: اثنا عشر يوما

قصة الثورة في هنغاريا

* الناشر: بانيتون بوكس - لندن 2006

* الصفحات: 340 صفحة من القطع الكبير

Twelve days

the story of the 1956

hungarian revolution

Victor Sebesten

Pantheon Books- London 2006

P . 340