مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي من أصل لبناني، جيرار خوري. وهو الآن عضو في مركز البحوث والدراسات عن العالم العربي والإسلامي، وكان قد نشر سابقاً عدة كتب نذكر من بينها أطروحته لدكتوراه الدول تحت عنوان: فرنسا والمشرق العربي، كيفية ولادة لبنان الحديث (1914-1920) كما ونشر كتابا جماعيا بالاشتراك مع جان لاكوتير وغسان التوليني تحت عنوان: قرن كامل من أجل اللاشيء، حالة المشرق العربي من الامبراطورية العثمانية إلى الامبراطورية الأميركية.
وهو كاتب روائي في ذات الوقت، وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن الدور الذي لعبته فرنسا في تشكيل دول المشرق العربي بعد انهيار الامبراطورية العثمانية. وللقيام بذلك فإنه يدرس الأرشيف الذي تركه لنا السكرتير العام للمفوض السامي الفرنسي في بيروت، روبير دوكاكس، وهو أرشيف مليء بالرسائل الشخصية والكتابات السرية التي لم تكشف ولم تدرس حتى الآن، وبالتالي فإن نبش هذا الأرشيف وطباعته وتحليله، كل ذلك يلقي ضوءًا كاشفا على تلك الفترة الحاسمة التي أدت إلى ظهور دول كسوريا، ولبنان، والعراق وشرقي الأردن.
ويرى المؤلف أن معظم مشكلات المنطقة المتفجرة حاليا تعود إلى تلك الفترة. بالطبع فإنه لا يلقي المسؤولية كلها على الاستعمار والقوى الأوروبية الكبرى ولكنه لا يعفيها من جانب كبير من هذه المسؤولية.ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: غداة الحرب العالمية الأولى راح الحلفاء يتقاسمون تركة الامبراطورية العثمانية المنهارة. وهكذا كانت سوريا ولبنان من حصة فرنسا، أما العراق وشرق الأردن وفلسطين فكانت من حصة بريطانيا.
وهكذا نكث الحلفاء بوعودهم للعرب. فبدلاً من أن يساعدوهم على تشكيل دولة عربية واحدة مقابل انضمامهم إليهم ضد ألمانيا والعثمانيين، رحوا يقتسمون أراضيهم ويقطعون أوصالها إلى عدة دويلات صغيرة ذات حدود مصطنعة.
وعن هذا التقسيم الاصطناعي تنتج المشكلات الحالية التي تعذب شعوب المشرق العربي حاليا: كالشعب العراقي، والشعب اللبناني، والشعب السوري، والشعب الأردني، هذا دون أن نتحدث عن الشعب الفلسطيني الذي سلبت أرضه بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة.
ثم يتحدث المؤلف عن أجواء تلك الفترة ويقول بما معناه: لقد جرت المباحثات عام 1919 وما بعده بين الأمير فيصل بن الحسين من جهة وبين المندوب السامي الفرنسي روبير دوكاكس من جهة أخرى. وكان هذا الأخير يمثل جورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا. وقد أرسل كليمنصو رسالة إلى الأمير فيصل يقول فيها بأن فرنسا تسعى إلى استقلال سوريا طبقا لمبادئ عصبة الأمم وذلك تحت صيغة ديمقراطية فيدرالية تلبي حاجة السكان.ورد عليه فيصل قائلاً بأن هذا ما يرجوه لسوريا ولكنه يريد استقلالا كاملا غير منقوص.
ثم كانت النتيجة أن نكثت فرنسا بوعودها وأرسلت جيشها لاستعمار سوريا وطردت فيصل فيها بعد معركة ميسلون الشهيرة التي سقط فيها وزير الدفاع يوسف العظمة شهيدا.وعندئذ راحت انجلترا تعزي فيصل عن فقدان سوريا وتنصبه ملكا على عرش العراق. وهكذا نلاحظ أن الدول الكبرى كانت تتلاعب بالعرب كما تشاء وتشتهي.
يضاف إلى ذلك أن الفرنسيين لم يقيموا دولة فيدرالية حقيقية في سوريا وإنما راحوا يقسمونها إلى عدة دويلات كدولة دمشق، ودولة حلب، ودولة جبل العرب (أي الدروز)، ودولة العلويين في الساحل السوري.وبالتالي فمفهوم الفيدرالية عندهم كان الانفصال لا الفيدرالية الحقيقية التي تعني إعطاء امتيازات للأقاليم المختلفة ومراعاة خصوصياتها ولكن مع بقائها مرتبطة بالمركز أي دمشق.
ثم يردف المؤلف قائلا: والآن يعود شبح التقسيم من جديد إلى المشرق العربي بسبب هذه السياسة الاستعمارية التي منعت فيصل من تحقيق الوحدة السورية أو حتى الوحدة العربية. فالواقع أن والده الشريف حسين كان يحلم بتشكيل مملكة كبرى تضم كل العرب.ويبدو أن الأمير فيصل كان واقعا تحت ضغوط متعددة ومتناقضة. فمن جهة كان لورنس العرب يؤثر عليه ويحاول توجيهه في اتجاه معين يتناسب مع مصالح الانجليز. ومن جهة أخرى كان واقعا تحت تأثير حاشيته من القوميين العرب الذين يكرهون فرنسا ولا يثقون بها.
ثم يحلل المؤلف في الفصل الخامس من كتابه الانعكاسات المترتبة على تقطيع أوصال الأقاليم العربية بعد انهيار الامبراطوية العثمانية ويقول: منذ أن مات روبير دوكاكس عام 1970 ما انفكت أحوال المشرق العربي تتدهور. ولكني لا أعزر كل هذا التدهور إلى هذا الشخص ولا إلى الجنرال غورو ولا حتى إلى رئيس فرنسا آنذاك. كما لا ألقي بالمسؤولية كليا على عاتق تشرشل والسياسة البريطانية.
فالعوامل الداخلية المحلية لعبت دورها في هذا التدهور الحاصل. والأنظمة التي حكمت البلاد بعد الاستقلال تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية.ولكن لا يمكن أن نهمل دور القوى العظمى التي تحكمت بشؤون المنطقة طيلة سنوات وسنوات. ولا يمكن إهمال الدور الذي لعبه زرع إسرائيل في المنطقة فقد زعزعها كليا ولا يزال.
وبالتالي فالمسؤولية تقع على العوامل الداخلية والخارجية على حد سواء. من هذه العوامل الداخلية سوء توزيع الثروة الهائلة الناتجة عن البترول. فالواقع أنه كان بإمكانها أن تطور البلدان العربية كلها لو أنها وزعت بشكل صحيح. من هنا التخلف الاقتصادي والتنموي للعديد من الدول العربية.
يضاف إلى ذلك أن السلطة السياسية لم تكن موزعة بشكل جيد أيضا. فقد احتكرتها بعض السلالات أو حتى بعض العائلات وحرمت منها معظم فئات الشعب الأخرى. وهذا الشيء ابتدأ بعد الاستقلال ثم تفاقم مؤخرا.ونتج عن ذلك احتقان سياسي واجتماعي لا مثيل له. فكل الدول العربية أو قل معظمها مهددة الآن بالانفجار بسبب هذا الاحتقان. فبعد فشل مشروع الوحدة العربية حل محله مشروع الأصولية الإسلامية. ينبغي العلم هنا بأن مشروع الوحدة العربية فشل مرتين لا مرة واحدة، المرة الأولى على يد فيصل بن الحسين، والمرة الثانية على يد جمال عبد الناصر، وفشل المشروع الناصري الضخم يعود إلى عوامل خارجية وداخلية أيضا.
فإسرائيل لعبت دورا كبيرا في إفشاله. ولكن إهماله للتناقضات الداخلية لعب دورا مهما أيضا في هذا الفشل. نقصد بذلك أن حسن نية جمال عبد الناصر لم تكن كافية لإزالة الانقسامات العرقية والطائفية في العالم العربي: أي الانقسام إلى عرب أكراد في المشرق، أو عرب وبربر في المغرب، وكذلك الانقسام إلى سنة وشيعة في العراق وسوريا ولبنان وحتى السعودية والخليج العربي.
كل هذه الانقسامات لم يستطع عبد الناصر حلها أو امتصاصها أو قل لم يتح له الوقت الكافي لمعالجتها بسبب انشغاله بمواجهة إسرائيل التي لم تتركه يرتاح ساعة واحدة، ومعلوم أن الغرب كله كان يدعمها ويقف وراءها ولا يزال.ثم يضيف جيرار خوري قائلا: كل الحروب التي جرت بين عامي 1948-1973 أدت إلى ترسيخ دولة إسرائيل لا إلى إضعافها أو إزالتها.
وقد كان هناك إجماع غربي شامل على دعمها ضد العرب والفلسطينيين. وحتى بعد أن اعترف العرب والفلسطينيون بدولة إسرائيل ظل الغرب يدعمها كما في السابق بدلا من أن يضغط عليها لكي تقبل بالسلام، يحصل ذلك كما لو أن السلام يشكل خطرا على إسرائيل أكثر من الحرب. وبالتالي فإن الكتاب الذي نشره الباحث مارك هيلليل بعد خمسة يونيو 1967 تحت عنوان: «إسرائيل في خطر من السلام» لا يزال صحيحا حتى الآن، وقد وصل الأمر ببعض رؤساء دول الغرب وبخاصة فرانسوا ميتران إلى حد دعم إسرائيل دون قيد أو شرط.
* الكتاب:وصاية استعمارية، الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان
* الناشر:بيلان ـ باريس 2006
* الصفحات:536 صفحة من القطع الكبير
Une tutelle coloniale
le mandat français en Syrie et au Liban
Gérard Khoury
Belin - Paris 2006
p.536