مؤلف هذا الكتاب د. نهاد إبراهيم، وهي ناقدة ومسرحية وسينمائية، نالت درجة الدكتوراه في النقد الأدبي في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون 2006، ولها العديد من المشاركات في المهرجانات المختلفة، ومن إصدارات الكاتبة، كتاب دراما بلا حدود، شهرزاد في الأدب المصري المعاصر وغيرها.
في مقدمة الكتاب تقول المؤلفة : إن تخصيص هذا الكتاب لأعمال المؤلف المسرحي الكبير توفيق الحكيم يرجع إلى عدة أسباب منها كثرة النصوص المسرحية للحكيم التي تحولت إلى أعمال سينمائية من ناحية الكم مقارنة بغيره من مؤلفي المسرح المصري، وكثرة عدد الأفلام بالتبعية وعدم تعرضها لقراءة تحليلية فاحصة تستكشف أغوارها بما يكفي، حيث تم التعامل مع أعمال الحكيم من فوق السطح الظاهري فقط لا غير، ومن ثم تعامل الكثيرون مع أعماله على أنها مجرد قضايا عاطفية وصراعات أقصي ما تتحمله أن تكون صراعات طبقية بحتة،
وهكذا تم التعامل مع أبطاله عامة وبطلاته بصفة خاصة كمجرد سيدة ذكية تحمل شخصية قوية على أحسن تقدير. وتذكر الكاتبة أن توفيق الحكيم قد تعامل مع العديد من المصادر في استلهام أعماله المسرحية الشهيرة، وقد تبحر كثيراً في مصادر تراث التاريخ والأساطير والقرآن الكريم، أحيانا كان يتعامل مع مصدر واحد فقط داخل العمل المسرحي، وأحيانا كان يمزج بين أكثر من مصدر في العمل الواحد، من هنا ظهرت أعماله أكثر تركيباً وعمقاً وليس أكثر غموضاً وتعاليا، كما يعتقد البعض، وقد ساهم توفيق الحكيم في تفسيرات لأعماله الأدبية أيضا عندما طرح مفاهيمه وقضاياه للمناقشة في كتب شهيرة بعينها من بينها «فن الأدب» و «تحت المصباح الأخضر» و «البرج العاجي» وغيرها،
ومن خلال هذه الكتب والأعمال الإبداعية أسس توفيق الحكيم تياره الفكري الذي يقوم على فلسفة التعادلية ممتزجة مع استلهام المصادر السابق ذكرها، وهو بالذات من الكتاب الذين وضعوا نصب أعينهم هدفاً محدداً في خلق أعمالهم الإبداعية التي تقوم على تيار فكري واحد، يقدم له عدة تنويعات مختلفة منذ بداياته حتى آخر أعماله. فلسفة التعادلية وتقف المؤلفة عند فلسفة «التعادلية» كما عبر عنها توفيق الحكيم في كتبه «التعادلية مع الإسلام» يقول فيه:
إن التعادلية تقوم على افتراض أن الإنسان كائن متعادل مادياً وروحياً، وأنه يشترك مع كل الكائنات التي تحملها هذه الأرض المتعادلة، وبناء على هذا التعادل فإنه يفترض توازناً ثابتاً غير متخلخل بين كافة مجالات الحياة وفي مختلف مستوياتها.
وتوضح الكاتبة أن نظرية التعادلية عند الحكيم تقوم أساساً على الثنائية المتعادلة، التي تعتمد على التوازي والتفارق لأعلى التناقض والتفاعل وتبدأ الحياة الإيجابية عنده من العدد اثنين، لأنه بوجود شيئين توجد العلاقة بينهما:أي الحركة والحياة وتعتبر التعادلية فلسفة تقريرية وغائية في نفس الوقت، تقريرية من حيث إنها تبين لنا كيف تعمل قوانا من حيث إنها حافزة للضعف والهزيمة على ألا يتسلما للنتيجة الحالية المؤقتة، حيث تذكرهما باستمرار بأن في داخلهما عناصر قوة خفية ستتحول إلى إدارة انتصار.
و تنتقل الكاتبة إلى بعض الأفلام المأخوذة عن أعماله فتذكر فيلم« رصاصة في القلب» قائلة: «من الملاحظ في بداية الأمر أن هناك تطابقاً واضحاً بين اسم النص المسرحي واسم العمل السينمائي ونلاحظ أيضا أن توفيق الحكيم مشار إليه في توترات الفيلم بوصفه كاتب الحوار السينمائي، وجاء هذا الفيلم متميزاً بحوار سينمائي رشيق للغاية يتتابع على هدي إيقاع متلاحق سريع، وينبع بالتبعية من إيقاع الشخصيات المتحاورة في مثلث الصراع الدرامي، الذي يضم محسن وفيفي وسامي، وهذه نتيجة طبيعية جداً لتولي توفيق الحكيم مهمة كتابة الحوار السينمائي تماما مثل نصه المسرحي بالطبع،
وهو المعروف بأنه أستاذ فن الحوار المسرحي أهم مدركات هذا الإيقاع وطبيعة مذاق جمل الحكيم في هذا الفيلم، إنها جمل قصيرة أو متوسطة تتدفق بلا ترهلات أو فضفضة كلامية أو كلمات زائدة يمكن الاستغناء عنها ببساطة، ويعتمد الحكيم في حواره السينمائي على المناوشات السريعة جداً بين الشخصيات خاصة بين آدم وحواء، أو بمعنى أدق بين محسن وفيفي اللذين دخلاً سوياً في معارك كلامية خطيرة مثيرة لا أحد يعرف أبدا متى بدأت ولا كيف ستنتهي».
وتتناول الكاتبة أعمال توفيق الحكيم المسرحية، التي تحولت إلى أفلام سينمائية فتشير إلى فيلم «الخروج من الجنة» قائلة: هذه الفيلم ممتلئ بالنقاط والقضايا ومستويات التأويل المتباينة مع كل مرحلة من مراحله، فهذا العمل يحفل سواء على مستوى النص المسرحي أو الفيلم السينمائي بواحدة من أجمل التركيبات الدرامية لشخصية البطلة عنان،
كما أن سيناريست الفيلم وكاتب الحوار محمد يوسف أقدم على تحقيق معادلة صعبة كبيرة وصلت إلى حد المفارقة المثيرة، فهذا الفنان تكفل بإجراء أكبر قدر ممكن من التعديلات والابتكارات والحذف،
والإضافة على نص توفيق الحكيم حتى وصل تقريباً لصنع عمل جديد تماماً، والغريب أن المخرج السينمائي محمود ذو الفقار المعروف بميله إلى الأفلام الخفيفة والنزعات الميلودرامية التي يتقنها أصلح بعض الشيء من وضع الإطار الساذج، الذي حبس فيه فيلمه «الأيدي الناعمة» وعوض التسطيح السابق بتقديمه رؤيته المركبة في فيلمه المختلف «الخروج من الجنة» رغم أن تصديه لهذا الفيلم ونوعيته يعتبر مفاجأة وخروجاً عن خط سيره المعتاد.
ويبقى أن نقول إن توفيق الحكيم يضع إمكانية وكيفية تطوير المجتمع المصري في أولويات اهتماماته منذ بداياته، فعلينا الانتباه، هنا أن تاريخ نشر النص المسرحي هو عام 1928، بينما إنتاج الفيلم السينمائي كان عام 1967 والتاريخ الأخير يعني دخول مصر في منعطف خطير لخريطة السياسة الداخلية، صحيح أن الفيلم لا يبدو أنه يمس البعد السياسي من قريب أو من بعيد على السطح الظاهري،
لكن من المعروف أن العمل السينمائي الناضج لابد له من جانب تحليل سوسيولوجي، لأنه ابن عصره ومرحلته، وليس معنى أنه لا يتوقف أمام قضايا قومية ولا يهتف الهتاف الحماسي التقليدي «تحيا مصر»، الذي يعتبره الكثيرون البوابة الشرعية للانضمام إلى قائمة الأفلام السياسية المهمة، إنه علاقة بينه وبين المتطور الاجتماعي والسياسي أيضا.
الحكيم والمرأة وتقول الكاتبة : «نرى المرأة عند توفيق الحكيم هي التي تدير دائما دفة الأمور، وتملك من الشخصية القوية والمؤثرة ما يكفي حتى تغير من معالم الخريطة الروحية لفكري، خاصة أنها تقدر قيمة الحب والقلب جدا لدرجة أنها تأسف بالفعل على إنقاذها لفكري من الغرق اعتقاداً منها أنه انتحر من أجل حبيبته،
وهي لا تعرف أنه ألقى بنفسه وراءها اعتقاداً منه أنها هي التي تنتحر، أما في الفيلم السينمائي الذي تحول مع السيناريست مصطفى محرم إلى أحداث هامشية وقصة اجتماعية عادية جداً ومشادة زوجية تحدث في كل بيت وفي كل مكان وزمان، أدخل عليها قضية انحلال الفن في الطريق واختتمها بمبادرة خيانة زوجية حتى يطوع الفيلم لرؤيته الخاصة،
ويخلصه من كل ما يتعلق بمواقف وقضايا الحكيم والمفارقة الغريبة أن نص «العش الهادئ» يعتبر من النصوص المسرحية الضعيفة، وللأسف سار الفيلم في نفس الطريق الضعيف بل زاد ضعفه بعدم سد ثغرات النص المسرحي من جهة، وبعدم إضافة شئ ذي قيمة من جهة أخرى». وتتناول المؤلفة في هذا الجزء مسرحية من فصل واحد جاء تحت عنوان «أريد أن أقتل» التي تحولت إلى فيلم «حكاية وراء كل باب» فتذكر:
أن البحث عن مناطق الاختلاف والاتفاق وتكنيك التحول بين النص المسرحي لتوفيق الحكيم وسيناريو يوسف مرزوق سنجد ببساطة تطابقا تاما بين النص المسرحي وبين الحكاية السينمائية، من ناحية الشخصيات والأحداث وتتابع المواقف والدوافع والأهداف الدرامية ونقطة البداية حتى نقطة النهاية،
وفي هذا النص يضعنا توفيق الحكيم بين ثلاثيته المعهودة «العقل والقلب والغريزة» لكن مع الاختلاف هنا أن الغريزة ليس غريزة الجنس بالاسم لكنها غريزة الحياة والموت، والحقيقة أن غريزة الجنس تتعلق أساساً بمفهومي الحياة والموت.
الموت عند الحكيم وتشير الكاتبة في الختام إلى أن توفيق الحكيم ناقش قضية الموت في عدد كبير من أعماله المسرحية على مستوى تأويل الموت المعنوي والمادي الجسدي، ومن هنا يرتبط الموت في «أريد أن أقتل» بالموت الفيزيقي بالإصرار على الدوران في منظومة الموت من البداية، والارتباط الشرطي لقبض الزوجة بوليصة التأمين فقط عندما تصبح أرملة ويموت الزوج، فلا هو يحتمل موتها ولا هي تحتمل موته، وهذا يعني في البداية أن المشاعر بينهما عمرها طويل جداً، تستحق الحياة والاستمرار والخلود حتى في العالم الآخر.
إن توفيق الحكيم مصري خالص بمعنى الكلمة، استقى إبداعه من الكثير من الأساطير المصرية، حتى يضيف إلى هويته الشعبية حجراً ثابتاً يستند إليه لينمو ويكبر ويتطور، فطالما كان يحلم هذا الفنان بمصر جديدة متطورة لا تنفصل أبداً من أساطيرها السحرية وتاريخها الفرعوني الدفين وقرآنها الكريم وتعاليمها الإسلامية العادلة المتسامحة القوية.
أيمن رفعت
*الكتاب: توفيق الحكيم من المسرح إلى السينما
*الناشر:آفاق للنشر ـ القاهرة 2006
*الصفحات:208 صفحات من القطع الكبير