فرنسيس فوكوياما، هو مفكر أميركي من أصل ياباني، وهو صاحب كتاب «نهاية التاريخ والرجل الأخير» الذي نال شهرة عالمية وأثار نقاشات سياسية وفكرية. والمؤلف أستاذ في جامعة جون هوبكنز ويشرف على مجلة «اميركان انترست». سبق للمؤلف أن نشر عدة كتب من بينها «الثقة والقوة» و«الانقلاب الكبير: الطبيعة الإنسانية وإعادة بناء النظام الاجتماعي»، و«بناء الدولة: الحكم ونظام العالم في القرن الحادي والعشرين».

هذا كتاب جديد عن المحافظين الأميركيين الجدد وإدارة جورج دبليو بوش التي يتم تقديمها على أنها ثمرة «نزعة محافظة جديدة تعود إلى سنوات الأربعينات» من القرن الماضي، العشرين. ويجد فوكوياما في هذا الكتاب العديد من «الأخطاء» ارتكبتها الإدارة الأميركية الحالية على صعيد السياسة الخارجية، خاصة فيما يتعلق بعملية التخطيط في العراق بعد الحرب التي شنتها في مطلع ربيع عام 2003 وأيضا في مجال التعاون مع منظمة الأمم المتحدة.

ويشير فوكوياما إلى الكم الكبير من الآراء التي قيلت حول المحافظين الجدد قبل حرب العراق الأخيرة وبعدها وعن سيطرتها على إدارة جورج دبليو بوش وأنهم «مسؤولون إلى درجة كبيرة عن دخول أميركا في الحرب ضد العراق»، كما ينقل عن «اليزابيث درو» في مقال لها بـ «ملحق لصحيفة نيويورك تايمز».

كما ينقل عن العديد من المعلقين الأميركيين قولهم ان أغلبية أنصار الحرب ضد العراق كانوا من اليهود وبالتالي «أوحوا أن السياسة العراقية لبوش كانت محسوبة في نهاية التحليل على أساس ضمان هدوء واستقرار إسرائيل في الشرق الأوسط». كذلك يسوق فوكوياما سلسلة أخرى من الحجج التي تعيد الحرب الأميركية ضد العراق إلى جناح أنصار «ليوستروس»، المنظّر اليميني، في الحركات المحافظة الجديدة

وحيث يتم النظر إلى «ستروس» هذا على أنه «بطل الكذبة النبيلة» المتمثلة في القول انه «من المحتوم الكذب على الجماهير إذ أن نخبة قليلة جدا تمتلك القدرات الفكرية لمعرفة الحقيقة». وفي المحصلة وبالاعتماد على أشكال النقد الكثيرة التي قيلت ضد المحافظين الجدد «يمكن التفكير أنهم مثل جرثومة قادمة من كوكب آخر من أجل بث سموم المرض في العالم السياسي الأميركي».

وبعد أن يستعرض فوكوياما أشكال النقد الموجهة ضد المحافظين الجدد، يقدم بعض إجابات هؤلاء عليها وفي مقدمتها قولهم ان من يسمع خصومهم لا بد وأن يعتقد أن تعبير «محافظين جدد» إنما هو «كلمة السر» التي تعني «يهود»، ذلك أن أسلوب الهيمنة التي يمارسونها على «الجسد السياسي الأميركي» شبيه جدا، في طريقة تقديمه، بأنماط المؤامرة التي يتم اتهام اليهود بها في سياق الحجج التاريخية لمناهضة السامية.

إن مؤلف هذا الكتاب يحاول في هذا الكتاب أن يقدم إجابة على السؤال التالي: من أين أتى المحافظون الجدد؟ ويقول في معرض الإجابة ان المبادئ الأساسية للنزعة المحافظة الجديدة، كما تمّ تطويرها منذ أواسط القرن الماضي، تجد «جذورها العميقة في التقاليد الأميركية المتنوعة»،

وأنها تشكل «كلاّ» متجانسا من الأفكار والحجج التي ينبغي الحكم على مدى «صلاحها» بالاعتماد على ما تقول به من أفكار وليس على أساس «الهوية الدينية أو الاثنية لأولئك الذين يدعمونها». ويرفض المؤلف ربطها بحرب العراق الأخيرة مشيرا إلى الكتابات التي قدّمها اثنان من «عرّابي» الحركة الكبار هما «ايرفنغ كريستول ونورمان بودورتز» حول هذا التيار الفكري قبل فترة طويلة من حرب العراق. بنفس الوقت يقرّ المؤلف بوجود عدة تيارات متباينة داخل الحركة ذاتها.

ويؤكد فوكوياما أن من يريد البحث في جذور النزعة المحافظة الجديدة عليه أن يعود إلى «مجموعة شهيرة من المثقفين، اليهود بغالبيتهم، كانوا طلبة في معهد مدينة نيويورك» ـ كوليج سيتي. ويشير إلى أن جميع هؤلاء الطلبة كانوا ينتمون إلى «الطبقات الشعبية وإلى أوساط المهاجرين»، وأنهم قد انتسبوا إلى معهد نيويورك لأن مؤسسات النخبة، مثل جامعتي كولومبيا وهارفارد، كانت مغلقة أمامهم تماما. كذلك تتم الإشارة إلى أن أغلبية المعنيين كانوا يهتمون بالشأن السياسي من مواقع «يسارية»، بل وتتم الإشارة إلى أن «ايرفنغ» نفسه كان قريبا من «التروتسكيين».

وتتمثل إحدى الركائز الأساسية لحركة المحافظين الجدد في مجلة «بوبليك انترست» التي أسسها ايرفنغ كريستول عام 1965. وكانت المعركة الأولى التي أطلقها المحافظون الجدد هي ضد «الستالينيين» ثم ضد ما أسموه بـ «اليسار الجديد». أيضا كانت هناك أفكار «ليو ستروس».

لكن فوكوياما يؤكد عدم وجود أي أساس في الواقع لاتهام «ستروس» أنه كان له أثره على السياسة الخارجية لإدارة جورج دبليو بوش، إذ أنه لا يوجد أحد من أنصار «ستروس» في الفريق الذي حضّر للحرب الأخيرة على العراق. يقول المؤلف: «لو أن أحدهم طلب من ديك تشيني أو من دونالد رامسفيلد أو من الرئيس بوش نفسه أن يشرح من هو ليو ستروس فإنه سوف يجد الإجابة في صمت طويل لا غير ذلك».

ويشير المؤلف أيضا إلى أن «الآباء المؤسسين» لحركة المحافظين الجدد أنهوا حياتهم السياسية في مواقف سياسية متباينة. هكذا دافع كريستول بحماس عن «الثورة الريغانية» بينما انتهى آخرون إلى الانتساب للحزب الديمقراطي. وكان أغلبية المحافظين الجدد قد عارضوا سياسة «هنري كيسنجر»، وزير خارجية أميركا الأسبق، الموصوفة أنها «سياسة واقعية» وذلك من موقف عدائهم السافر والمبدئي لأي تقارب مع الشيوعية، مهما كانت التسميات.

ولذلك لم يدعموا محاولات كيسنجر في البحث عن «وفاق» مع الاتحاد السوفييتي السابق. وبالمقابل دعم المحافظون الجدد بأغلبيتهم الجهود التي بذلها رونالد ريغان في النضال ضد الشيوعية السوفييتية وأيضا دعموه عندما وصف القوة العظمى السوفييتية السابقة بأنها «إمبراطورية الشر». لكن المؤلف يرى أن التداخل الكبير بين النزعة المحافظة الأميركية الجديدة وبقية التيارات المحافظة الأميركية يجعل «من الصعب تحديد المواقع المرتبطة حصرا بالمحافظين الجدد».

ويكرّس مؤلف هذا الكتاب عددا من صفحاته للحديث عن أولئك الذين يعتبرون اليوم أن «نشر الديمقراطية بالقوة» موجود في صميم النزعة المحافظة الجديدة. وهذا ما يسميه بعضهم بـ «الولسنية ـ نسبة إلى الرئيس الأميركي الأسبق ولسون ـ الصلبة» أو «الولسنية القاضمة لغيرها».

ويذكر على رأس هؤلاء كل من وليام كريستول ـ ابن ايرفنغ كريستول ـ وروبرت كاغان، اللذين دافعا عن مثل هذا النمط من السياسة الخارجية على صفحات مجلة «ذا ويكلي ستاندارد» في النصف الثاني من سنوات التسعينات. وكان قد جرى الترويج لمثل هذا التوجه في كتاب حمل عنوان: «المخاطر الحالية» الصادر عام 2000.

وفي إطار الحديث عن محصلة الإرث المحافظ الجديد يشير المؤلف إلى أن هذا التعبير قد أصبح بمثابة «شتيمة». لكنه إرث يعود إلى خمسين سنة وأنه احتوى على عدة تيارات وعرف تطورا كبيرا خلال العقدين الأخيرين بحيث أنه أصبح «شيئا آخر تقريبا غير الذي كان عند نقطة الانطلاق».

ورغم هذا يحدد فوكوياما أربعة مبادئ أساسية يتمتع بها الفكر المحافظ الجديد ويمكنها أن تفسر المواقف التي تبنّاها والتي تميّز المحافظين الجدد عن بقية المدارس الفكرية في ميدان السياسة الخارجية. وهذه المبادئ هي: «القناعة أن السمة الداخلية للأنظمة لها أهمية كبيرة وأنه ينبغي على السياسة الخارجية أن تعكس القيم الأكثر عمقا للمجتمعات الديمقراطية الليبرالية».

والمبدأ الثاني هو «القناعة أن القوة الأميركية قد جرى، وينبغي أن يجري، استخدامها لغايات أخلاقية وأنه ينبغي على الولايات المتحدة الانخراط باستمرار في القضايا الدولية». والمبدأ الثالث هو «الحذر الدائم حيال المشاريع الاجتماعية الطموحة» مثل مشروع «المجتمع العظيم» الذي شهدته سنوات الستينات في أميركا. أما المبدأ الرابع والأخير فهو «التشكيك حيال شرعية وفعالية القوانين والمؤسسات الدولية فيما يخص فرض الأمن والعدالة».

ويصل فرنسيس فوكوياما في العديد من تحليلاته إلى القول ان أميركا هي فعلا على «مفترق طرق»، وان الزخم الذي واكب مسيرتها القوية المتصاعدة منذ سقوط المعسكر الشيوعي ونهاية الحرب الباردة قد بدأ بـ «التراخي». وان «الموجة الثالثة» من «المد الديمقراطي» الذي ظهرت بوادره في بداية عقد التسعينات الماضي الذي شهد تحولات ديمقراطية في العديد من مناطق العالم،

بما في ذلك القارة الإفريقية السوداء «حيث لا تتوفر الشروط الضرورية البنيوية لإقامة الديمقراطية، قد تراجعت ـ أي الموجة ـ اعتبارا من العقد الأول في القرن الحالي، الحادي والعشرين. بكل الحالات يقول المؤلف: «ليس هناك أية نظرية تشرح كيف تبدأ الموجات الديمقراطية في نقطة محددة ولا لماذا ومتى تصل إلى أوج قوتها قبل أن تضعف».

وتحت عنوان «ما بعد النزعة المحافظة الجديدة» يؤكد المؤلف أن الكثير من الأميركيين، بما في ذلك بين الديمقراطيين، يؤيدون مبدأ انتهاج سياسة خارجية دولية قائمة على «القوة الأميركية»، وأن هناك الكثيرين الذين يرون أن العالم لا يزال، بعد انهيار التهديد السوفييتي، زاخرا بالتهديدات، وأنه من الأفضل اتخاذ قرارات للفعل «قبل» تنفيذ التهديدات وليس بعدها،

بل وإن الكثيرين يعيبون على دونالد رامسفيلد «فشله في إرسال ما يكفي من القوات لإخضاع العراق» أكثر مما يعيبون على إدارة بوش «فشلها» في إنهاء العنف و«بناء الديمقراطية» بعد الحرب. ثم إن المحافظين الجدد لم يكتفوا بـ «احتقار» رأي المجموعة الدولية بل شمل احتقارهم أي بلد يرفض دعم السياسة الخارجية لإدارة بوش.

واليوم ها هي إدارة بوش في آخر عهدها، وها هي أميركا على «مفترق الطرق» من جديد.

* الكتاب: أميركا على مفترق الطرق

الديمقراطية والسلطة وشرعية المحافظين الجدد

* الناشر:جامعة يال 2006

* الصفحات:226 صفحة من القطع المتوسط

America at the crossroads

democracy, power and the neoconservative legacy

Francis Fukuyama

Yale University Press 2006

p.22