قام بتأليف هذا الكتاب الباحثان روبرت باتمان ومارك ايليوت المختصان بتاريخ بلجيكا وحضارتها وثقافتها. وهما يقدمان هنا صورة عامة عن جغرافية هذا البلد، واقتصاده، وعمرانه، ودينه، وسكانه، الخ. ومنذ البداية يقولان بما معناه: إن بلجيكا هي بلد يقع وسط أوروبا. ليس غريبا والحالة هذه أن يكون مقرا للاتحاد الأوروبي. وتبلغ مساحة بلجيكا أكثر من ثلاثين ألف كيلومتر مربع، أي ثلاثة أضعاف مساحة بلد كلبنان.
وأما عدد سكانها فلا يتجاوز العشرة ملايين إلا قليلا، وأما اللغات الرسمية للبلاد فهي الفرنسية أولا، فالهولندية ثانيا، فالألمانية ثالثا. والواقع أن بلجيكا مقسومة إلى عنصرين أساسيين: العنصر الفرنسي اللاتيني، والعنصر الهولندي أو الفلامندي القريب من هولندا وألمانيا.وهذا الانقسام العرقي واللغوي كثيرا ما سبب المشاكل لبلجيكا في الماضي. ولكنهم حلوه مؤخرا عن طريق الاعتراف الرسمي بكل المكونات الأساسية للبلاد ولغاتها. والواقع أن بلجيكا دولة فيدرالية تعطي صلاحيات واسعة لكل إقليم ولا تفرض على الآخرين الأوامر من بروكسيل. بمعنى أنه لا يحق لأي فئة أن تهيمن على الفئات الأخرى أو تحتقرها وتضطهدها لسبب عرقي أو لغوي أو ديني. وهذا النظام الفيدرالي المتسامح موجود أيضا في سويسرا وألمانيا ودول عديدة أخرى.
ثم يردف المؤلفان قائلين: في الواقع إن بلجيكا لم تصبح دولة فيدرالية إلا بدءاً من عام 1970. عندئذ اعترف الدستور لأول مرة بأن البلاد مشكلة من ثلاثة مكونات عرقية ولغوية أساسية هي: الجماعة الفلامندية، والجماعة الفرنسية، والجماعة الألمانية.
وأما المدن الرئيسية فهي أولا بروكسيل العاصمة ليس فقط لبلجيكا وإنما للاتحاد الأوروبي ككل. ويبلغ عدد سكانها حوالي المليون. تليها من حيث المرتبة أنفير التي تبلغ حوالي النصف مليون. ومن أجمل مدنها لييج وبالأخص بروج التي يعتبرونها بمثابة فينيسيا البلجيكية. وبلجيكا بلد غني يصل متوسط دخل الفرد فيها إلى ثلاثين ألف دولار سنويا: أي ضعف متوسط الدخل في إسبانيا، وأكثر بثلاثين مرة من متوسط دخل الإنسان في سوريا!
وأما فيما يخص التاريخ البلجيكي فيقول المؤلفان ما معناه: لقد تعرضت بلجيكا على مدار تاريخها الطويل للاستعمار النمساوي، فالاستعمار الفرنسي، فالاستعمار الهولندي قبل أن تصبح مستقلة بدءاً من عام 1831.
ثم راحت هي بدورها تستعمر الآخرين ولكن خارج حدود أوروبا، أي في إفريقيا حيث استعمرت الكونغو. يضاف إلى ذلك أن بلجيكا ذات نظام ملكي ولكن دستوري ديمقراطي بالمعنى الكامل للكلمة، ولها حدود جغرافية مع أربعة بلدان أوروبية هي: هولندا، وألمانيا، وفرنسا، ولوكسمبورغ. ويحدها من الشمال الغربي بحر الشمال، وبالتالي فهي ليست محرومة من شواطئ كسويسرا مثلا.
ومن الناحية الثقافية يمكن القول إن بلجيكا تجمع في شخصيتها التاريخية بين الطابع اللاتيني والطابع الجرماني: أي بين جنوب أوروبا وشمالها. وعلى عكس ما نظن فإن اللغة الغالبة هناك ليست الفرنسية وإنما الهولندية. فالأولى لا يتكلمها إلا أربعون بالمائة من السكان، هذا في حين أن الثانية يتكلمها حوالي الستين بالمائة.
ولكن بما أن الفرنسية هي الغالبة في العاصمة بروكسيل وضواحيها، فإنها تحتل المرتبة الأولى من حيث الأهمية. أما اللغة الألمانية فلا يتكلمها إلا واحد بالمائة من عدد السكان أو حتى أقل من ذلك. والواقع أن بلجيكا كانت في الأزمنة القديمة جزءاً لا يتجزأ من هولندا، ولكنها انفصلت عنها في القرن السادس عشرة لأسباب مذهبية.
فهولندا اعتنقت المذهب البروتستانتي وخرجت من التبعية لروما والفاتيكان. أما بلجيكا فقد ظلت وفية للبابا وللمذهب الكاثوليكي، وعندئذ أصبح التعايش مستحيلا بين كلا الطرفين. نقول ذلك ونحن نعلم أن المسألة المذهبية كانت خطيرة جدا في تلك العصور. فالحداثة لم تكن قد انتصرت بعد والعلمنة كانت لا تزال في بداياتها.
وبالتالي فالانتماء الطائفي أو المذهبي كان هاما جدا ولا يمكن تجاهله. أما الآن فقد أصبح قضية شخصية لا علاقة للدولة أو المجتمع بها. وبالتالي فلم يعد لها أي تأثير على دول ديمقراطية متقدمة كبلجيكا. أصبحت مسألة التدين أو عدم التدين مسألة خاصة بين الإنسان وربه ولا علاقة للدولة بها.
ثم يردف المؤلفان قائلين: عندما استقلت بلجيكا عام 1831 اختارت الفرنسية كلغة رسمية وحيدة للبلاد. وقد أزعج ذلك سكان المناطق الفلامندية الدين يتحدثون اللغة الهولندية منذ نعومة أظفارهم كلغة أم. ونشبت عن ذلك مشاكل كثيرة وحاولت الأقاليم الفلامندية الانفصال عن بلجيكا أكثر من مرة وتشكيل دولة خاصة بها. وهذا يشبه وضع الأكراد في العراق مثلا.
ولذلك فإن الدولة البلجيكية اضطرت للاعتراف باللغة الهولندية كلغة رسمية ثانية للبلاد بعد الفرنسية. وكان ذلك عام 1898 وبعد أن حصلت حركات تمرد شبه انفصالية في المناطق التي تتكلم هذه اللغة. وهكذا هدأت ثورة السكان بعد أن اعترفت الدولة بلغتهم وهويتهم. وأثبتت بلجيكا بذلك أنها دولة ديمقراطية متطورة تحترم كل الخصوصيات الثقافية واللغوية لمكوناتها السكانية والتاريخية.
ثم رسخت بلجيكا نظامها الفيدرالي عندما أعطت كل منطقة حقها في السلطة: أي في حكم نفسها بنفسها دون أن تنفصل عن بروكسيل. فالمناطق الناطقة بالفرنسية لها برلمانها المحلي، وكذلك المناطق الناطقة بالهولندية. بل وحتى المناطق الصغيرة الناطقة بالألمانية أعطوها الحق في تشكيل برلمان خاص بها دون غيرها. ثم تشكلت حكومة محلية في كل منطقة لإدارة شؤونها بشكل مباشر لأن أهل مكة أدرى بشعابها.
وفي ذات الوقت راحت الدولة البلجيكية تشكل مؤسسات فيدرالية تشكل كل البلاد. فهناك برلمان فيدرالي موجود في بروكسيل وكذلك حكومة فيدرالية، وهذا البرلمان الفيدرالي تشارك فيه كل منطقة بعدد من النواب يتناسب مع حجمها أو عدد سكانها.
وعلى هذا النحو حافظت بلجيكا على وحدتها من خلال الاعتراف بالتعددية والخصوصية وإعطاء المناطق المختلفة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها الداخلية بنفسها، ولم تفرض على أي منطقة حكاما ينتمون إلى منطقة أخرى «معادية» بالضرورة. وهكذا تحاشت بلجيكا التقسيم الذي كان يهددها عندما أعطت لكل ذي حق حقه. كما وتحاشت الحرب الأهلية التي خيمت بشبحها على البلاد أكثر من مرة.
ثم يردف المؤلفان قائلين: أما من الناحية الدينية فإن بلجيكا دولة علمانية تعترف بكل الأديان بما فيها الإسلام الذي أصبح الدين الثاني للبلاد بعد المسيحية في مذهبها الكاثوليكي. وكل ذلك بفضل توافد موجات الهجرة العربية والتركية والإسلامية عموما إليها. والواقع أنه توجد في بلجيكا حاليا جالية مغربية وتونسية وعربية مشرقية لا يستهان بها، هذا بالإضافة إلى المسلمين الأتراك بالطبع. ولكن استطلاع الرأي الذي أجري مؤخرا أثبت أن أغلبية البلجيكيين لم يعودوا مسيحيين ولا مؤمنين بالمعنى التقليدي للكلمة.
* الكتاب: ثقافات العالم ـ بلجيكا
*الناشر: بينشمارك بوكس - نيويورك 2006
* الصفحات :144 صفحة من القطع الكبير
Cultures of the world
Belgium
Robert Pateman et Mark Elliott
Benchmark Books
New York 2006
p.144