مؤلف كتاب: (القديم الحديث) وهو الأستاذ الرئيس (محمد كرد علي) المولود سنة 1876 ميلادية في (دمشق) والمتوفى فيها سنة 1953. أتقن الأستاذ ثلاث لغات، كان يقرأ آدابها وعومها، وهي: العربية والتركية والفرنسية، وقد كان لهذه الثقافة أثر واضح في حياته، وبخاصة حين أصبح صحافياً، يعمل للثقافة الغربية الجديدة، والثقافة العربية القديمة،
وهكذا عاش الأستاذ وفي قلبه شعوران عميقان، أحدهما يدفعه إلى أن يأخذ بحظه الكبير من قراءة الكتب الصفراء المثقلة بالهوامش، والتعليقات، لعله يفهم العقل العربي على أربعة عشر قرناً، فيه التاريخ والآداب، وثانيهما: يدفعه إلى أن يأخذ بحظه الواسع من قراءة الأدب الجديد، من غربه إلى شرقه.
زار الأستاذ الكثير من الدول: (فرنسا- إنجلترا- أسبانيا- المجر- الحجاز- تركيا- إيطاليا) وكان لذلك الأثر الكبير في ثقافته وعلمه وقد أثمرت عن رسالة كان يدعو إليها، وهي رسالة التأليف والتحقيق، ورأى أن تحقيق الكتب لا يكون في المجلات والصحف، وإنما يجب أن تقوم به هيئة علمية أو مجمع علمي (فقد آن أن يعمل العرب للحفاظ على لغتهم، فلم لا يكون لسوريا مجمع عملي سوري، ينقح المفردات، وينشر المؤلفات، ويرسل المحاضرات)
وهكذا أنشئ مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1919، وقام الأعضاء الثمانية بتنصيب (محمد كرد علي) رئيساً لهذا المجمع، وقد اختير مرتين للوزارة. ترك الأستاذ (محمد كرد علي) قرابة سبعة عشر كتاباً منها: البيزرة، تاريخ حكماء الإسلام، كنوز الأجداد، أمراء البيان، الإسلام والحضارة العربية.
أما كتاب الأستاذ (القديم والحديث)، فهو بحق المعبر عن فكر هذا العلامة الذي أراد لنا أن نعيد النظر في تراثنا الثقافي وأن نستفيد من الوقت نفسه من الحضارة الغربية ومنجزاتها، فلا نكون جامدين، فالجمود على القديم هو العقم بنفسه، وقطع الصلة مع المدنية الحديثة، مضرة ومعرة، ولا خير فيمن جهلت أصوله، ولم يتخلق بأخلاق جيله وقبيله.
وهكذا يقدم لنا الأستاذ، وعبر كتابة هذا الذي جاء في قرابة ثلاثمئة وخمسين صفحة من القطع الكبير، مقالات يجمعها ذلك الخيط، ولعل ثقافته الموسوعية، جعلته يقدم لنا آراء مهمة في التربية أيضاً، ومنها قوله: بحثت الأمم المتحضرة منذ الزمن الأطول في الأخلاق، وأكد العلماء أن الأخلاق تصلح بالتعليم والتربية، ولاسيما ما كان منها مستفاداً بالعادة والتدريب، وليس من الغريزة في شيء.
ونلمس دفاعه عن الإصلاح منذ القديم وحتى الآن، وذلك حين يقول: ومن غريب أسرار الله في خلقه أن جميع من قاوموا المخلصين من المصلحين دثروا ودثرت أسماؤهم، وظلت أسماء من عادوهم وآذوهم تشهد بالجهل المركب على أعداد العقل السليم والتعاليم الصحيحة، أين أعداء «السهروردي والغزالي والآمدي وابن تيمية وابن رشد» ؟ ذهبوا كلهم كأمس الدابر، وبقيت الأمة تدور على وجه الدهر.
أسماء هؤلاء المصلحين.. فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ومن المدهش أن يدعو هذا العلامة في زمنه إلى تعليم لغات الغرب ودراسة آثارهم بلغتها فعلى من رام أن يتكلم لغة ويكتب فيها، أن يفكر في تلك اللغة، ويكون شعوره شعور أهلها فيها، لا أن يطبع تراجم وينقل جملاً.
ويقف الأستاذ مطولاً عند الخطابة عند العرب، حيث كانت صناعتها من أجل العوامل في تربية النفوس، لذلك كان على الخطيب أن يلم بكل صنف من المعارف فوجب عليه لبلوغ هذه الأمنية أن يتبحر في العلم ولو كان الخطباء على جانب من فهم أسرار الشريعة، ومعرفة طرق البلاغة، وما يصلح الناس، وما عالجوا من الموضوعات ما يرجع بالناس القهقرى.
ولعله هنا يشير إلى أن شرف الخطابة وتأثيرها في تطهير النفوس، أو جبها الشارع وسنها للمسلمين في مساجدهم ثم يذكر الخطابة عند الإفرنج، مقدماً نصائح لطلاب الخطابة ثم يقف عند تجربة دولة (بني حمدان) تلك الدولة التي تميزت بميزتين الأولى سياسية إسلامية، والثانية علمية أدبية،
وهكذا وعبر هاتين السمتين ظلت تلك الدولة حاضرة في تاريخنا الثقافي والسياسي، ولا يفوت الأستاذ العلامة، أن يقف عند سماع الألحان، وما لها من تأثير وأن الأمم الراقية هي التي ترفع من شأن الفن بكل أنواعه وإحساسه ويورد قول الامام الغزالي: لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى أنها لتؤثر فيها تأثيراً عجيباً. فمن الأصوات ما يفرح، ومنها ما يحزن ومنها ما يطرب.