اختارت مكتبة الاسكندرية عنوانا يدل مباشرة على محتوى الكتاب الذي صدر عنها مؤخرا، وهو كتاب «الأدوار العشرة لسيد درويش.. دراسة تحليلية نقدية» من إعداد الدكتور الراحل محمد هليل، و تحرير علي عثمان. الكتاب لا يتحدث عن سيد درويش أو مسيرته الفنية وإنما يقوم على تحليل دقيق لفحوى التراكيب اللحنية والمقامات الإيقاعية التي كونت جسد الأدوار العشرة، فهو يعد من المراجع العلمية القيمة في مجال البحث العلمي الموسيقي الذي يتناول تراثنا من الموسيقى التقليدية.

ويقع الكتاب في 313 صفحة،تنقسم إلى 10 أجزاء، تضيء لعشاق موسيقى فنان الشعب سيد درويش الدرب لكي يقتربوا منها ويشعروا بها كما استشعرها ويأخذهم ليخوضوا في غمار ألحانه.

ومن النظرة الأولى ستدرك على الفور الجهد المزدوج الذي قام عليه الكتاب، جهد علمي في مجال التحليل الموسيقي وجهد آخر فني حيث قام محمد هليل بتدوين هذه الأدوار العشرة بنفسه ومن مصادرها الأصلية (التسجيلات الصوتية لسيد درويش) والتي أنتجتها شركتي ميشيان وبيضافون.

حيث يستعرض هليل الأدوار العشرة وهي: يا فؤداي ليه بتعشق، أنا هويته وانتهيت، الحبيب للهجر مايل، في شرع مين، عواطفك دي أشهر من نار، ضيعت مستقبل حياتي، يوم تركت الحب، عشقت حسنك، ياللي قوامك يعجبني، أنا عشقت، مقدما النص الملحن الخاص بها ومتناولا التعريف بالمقام الموسيقي والنسب الأساسية في الدور والنسب التفصيلية.

ويبدأ الكتاب بمقدمة لافتة للدكتورة عواطف عبد الكريم، تشير فيها إلى أهمية الكتاب وتعده من أهم الدراسات العلمية التي تناولت الأدوار العشرة بالتحليل العلمي المتعمق وأكثرها قيمة علمية فنية.

استفاد فيها الباحث بالمنهج العلمي للتحليل الموسيقي الغربي راسخ القواعد والمفاهيم وعمل على تطويعه لخدمة ما هدف إليه من تحليل لهذه الأدوار تحليلا علميا موضوعيا.

والكتاب يعد دراسة رائدة في مجال الموسيقى العربية التقليدية، فهي تفتح أمام أجيال الباحثين أبواب التفكير العلمي في مجال تحليل تراثنا الموسيقي العربي، فقد غيرت هذه الدراسة عند صدورها للمرة الأولى عام 1982. أسس ومفاهيم التحليل الموسيقى الشائعة والتي كانت تهتم بالبحث في مفردات العمل الفني مقسمة إياها إلى أجناس موسيقية تحدد نوعيتها ونقاط ارتكازها فقط لا غير، إلى طريقة علمية جديدة تتجاوز هذا الأمر إلى نظرة شاملة أوسع و أعمق إلى تتبع العلاقات العضوية الداخلية بين أجزاء العمل الفني وبعضها البعض وتنتبه إلي الحركة الداخلية لهذه الأجزاء وهي تتكاثر وتنمو وتتجمع لتكون في النهاية الشكل العام للعمل الفني.

مهد هليل لكتابه بعرضه لآراء النقاد في سيد درويش واتهاماتهم له بأنه لا يفرق بين نغم المسرح ونغم التخت فيما ينبغي له الملاءمة بين اللفظ والمعنى. مشيرا إلي أن الموسيقى التي تؤلف لتكون مصاحبة بكلمات فإن المحتوى يكون ظاهرا لدرجة أو لأخرى في النص. وإن كانت الموسيقى نفسها تتطيع الانفصال عن النص أو السيطرة عليه، وهي تكتسب في العادة قوة خاصة إذا كانت مناقضة للنص لا مسايرة له.

وأن نسلم بما يترتب على هذه الحجة من نتيجة منطقية، وهي أن المؤلف الموسيقي أو الملحن يجد نفسه إزاء ثلاثة احتمالات، فإما أن يضفي على عمله مغزى خاصا محتوى من أفكار ومشاعر محددة ويعبر عنها ببلاغة، بحركات لا يمكن استبدالها بغيرها وإما أن يتخلى عن مثل هذا التخطيط ويوجه كل همه للبناء الموسيقي فحسب ولكنه لا يستطيع أن يحقق مدى ابعد وهذا هو الاحتمال الثالث إذا ما اهتم بجانب التأليف أي بالتعبير عن المحتوى، كما يهتم بالبناء الموسيقي.

كما قام المؤلف باستخلاص طبيعة الموقف الأساسي الذي سلكه سيد درويش في تلحينه لأدواره العشرة من خلال تفهمه للظواهر التي شهدها المسرح الغنائي، حيث رأى أن الملحن المصري في المرحلة التي سبقت الازدهار الغنائي بصفة عامة لم يكن معنيا من خلال معالجاته للقوالب التقليدية كالموشحة والطقطوقة والدور،

إلا بالتعبير عن دوافعه الموسيقية في المقام الأول، وأن التزامه بالإفصاح عن المحتوى الشعري كان أقل بكثير من التزامه بالتعبير عن القيم الجمالية، سواء فيما يتعلق بجماليات التصميم اللحني أو بجماليات الأداء الغنائي ذاته، وليس أدل على ذلك من احتفائه بالتكرار وكسر العبارة اللغوية على نحو لا يراعي فيه استقامة المعنى، وكذلك إسرافه البالغ في استخدام الحليات ووسائل الزخرفة والمدات الصوتية التي لم تكن تهدف إلا إلى إظهار براعة المغني.

فضلا عما كان يلجأ إليه في الغالب من إقحام لبعض المفردات الخاصة في تضاعيف النص مثل آه، يا ليل، يا عين، أمان، جانم، مستفيدا بما تحتويه من حروف المد، في عمل صياغات لحنية يتطلبها التصميم الإجمالي للعمل بشكل ملزم.

ولم يكن النص الشعري في أحوال كثيرة على مستوى من الجودة بحيث يفرض على الملحن التزاما يصعب التحلل منه، بالتعبير عن مضمونه الخاص، وبالقدر الذي يؤثر علي طبعة الفورم، بل إن ما اتصفت به نصوص الأغاني في هذه المرحلة، من ضعف باد في صياغتها وهبوط دلالتها ومراميها، كان بمثابة السند الأقوى الذي اعتمد عليه النقد غير الواعي في النيل من سمعة الفنان وإثارة الريب في مقاصده الأخلاقية والإبداعية على حد السواء.

ففي موسيقى الأدوار العشرة لسيد درويش يسهل علينا ملاحظة أن شكل العمل الفني مثل على الدوام مسألة أكبر من أن تكون مجرد وسيلة ملائمة لإبلاغ محتواه الذي لم يزد في أحوال كثيرة عن مجرد النظم المحدود القيمة من الوجه الأدبية، وأن ما اشتملت عليه هذه الموسيقى من أنماط التراكيب اللحنية والإيقاعية كانت في الواقع، بمثابة ضرب من الحلول المقترحة في مواجهة الصعوبات الفنية التي لم تنشأ فحسب عن المحتوى الشعري بل نشأت بصورة أساسية عن رغبة الفنان في التغلب على المشكلات العسيرة للشكل وعما يجتنيه من متعة لقاء تذليله لهذه المشكلات.

خالد عزب

*الكتاب: الأدوار العشرة لسيد درويش

* الناشر: مكتبة الاسكندرية 2007

* الصفحات: 31 صفحة من القطع المتوسط