«الثورات المخملية» التي يقصدها المؤلف هي تلك التي شهدها العديد من بلدان أوروبا الشرقية في حقبة ما بعد الشيوعية. وهذه الثورات «المخملية» يجمع بينها كلها قاسم مشترك واحد هو أن قياداتها أعلنت دون إبطاء أنها تريد كلها الابتعاد عن المركز السابق الذي كانت بلدانها تدور حوله أي موسكو كي تتقارب في إطار نفس الحركة من الغرب عامة ومن واشنطن خاصة. بل إن البلدان المعنية أصبحت «أقرب» الحلفاء للولايات المتحدة الأميركية في سياساتها الخارجية، بما في ذلك الحرب الأخيرة ضد العراق، وذلك على صعيد القارة الأوروبية.
وحددت هذه «الثورات المخملية» هدفها الأول في إحلال الديمقراطية مكان النزعات الشمولية التي سادت في بلدانها خلال الحقبة السوفييتية. وكانت هذه الموجة «الديمقراطية» قد شملت سلوفاكيا وصربيا وجورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان وأوزبكستان... وأخذت الحركات التي قامت بها تسميات تتماشى تماما مع عنوان «الثورات المخملية»، وهكذا نقرأ عن «ثورة الزهور» في جورجيا، و«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، و«ثورة الزنابق» في قرغيزستان...
ويدرس المؤلف أيضا الدور الذي لعبته المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأميركية العديدة ذات التوجهات «الإنسانية» و«التنموية» المعلنة، وإنما ذات الأهداف السياسية الصريحة إلى هذه الدرجة أو تلك. ويتم التأكيد إجمالا إلى أن هذا الدور كان ذا فاعلية كبيرة فيما يتعلق بتغيير الأنظمة القائمة. كما أنه كان للاتحاد الأوروبي دور في الدفع بالاتجاه «الديمقراطي» بينما حاولت موسكو جاهدة كبح «الموجة الديمقراطية» التي كانت تتعالى في الجوار ولدى «تابعي» الأمس القريب.
ولكن المؤلف يؤكد أن موسكو لا تمتلك أدوات السيطرة على مواطني البلدان المعنية الذين قرروا أن «يديروا ظهرهم» لها. وبشكل عام يقوم بدراسة «الثورات المخملية» التي يقصدها في عنوان كتابه من خلال «تجاذب» أو «تنافر» أقطاب ثلاثة تتمثل في روسيا الموجودة في موقع «دفاعي» والولايات المتحدة الأميركية «ذات النفوذ الأكبر في الحقبة الحالية» والاتحاد الأوروبي «الذي يكتفي حاليا بالانتظار».
وبعد أن يقوم المؤلف بعملية توصيف لما عرفته بلدان عديدة في أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لاسيما الدور الذي لعبه المجتمع المدني وقواه المختلفة في التغيير بمختلف الحالات التي تتم دراستها على مدى الفصول الثمانية التي يتألف منها هذا الكتاب، يشير إلى وجود «ميل عام» لدى الباحثين والمراقبين المهتمين بالشأن الأوروبي الشرقي إلى أن يروا خلف كل «الثورات» المعنية أو على الأقل «التقلّصات» الكبيرة في هذه المنطقة من العالم، «يدا واحدة» هي يد واشنطن.
فهذه «اليد» هي التي «حرّكت ودعمت» التوجهات الديمقراطية التي انبثقت من المواقع التي كانت قد «كمنت» فيها طيلة عقود «الظلام الشيوعي» كي «تنقضّ» على فلول الكتلة السوفييتية السابقة.
ومؤلف هذا الكتاب يؤكد بدوره على أن أي إنسان يحتاج إلى درجة متقدمة «من العلماء» كي لا يلحظ الدور الأميركي في الحركات التي أطاحت بسلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا عام 2000 وبإدوارد شفرنادزة في جورجيا عام 2003 وبفكتور ايانوكوفتش في أوكرانيا عام 2004 وباسكار اكاييف في قرغيزستان عام 2005. هؤلاء «القادة» كلهم كانوا يحظون بتعاطف، إن لم يكن بدعم، موسكو التي كانت تريد أن تُبقي بلدانهم في «فلكها».
ويؤكد المؤلف في التحليلات التي يقدمها أن ممثلي المجتمع المدني في مختلف البلدان المعنية قد استفادوا من المساندة السياسية والدعم المالي الذي قدّمته مؤسسات أميركية عديدة، وهذا في سياق «تنافس جيوسياسي» شديد بين الولايات المتحدة الأميركية، القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم، وروسيا، وريثة القوة العظمى الأخرى التي سادت في جزء كبير من العالم بعد الحرب العالمية الثانية. ثم إن مثل هذا «التنافس» يؤدي إلى بروز ملامح «حرب باردة» جديدة قد يكون لها آثار سلبية كبيرة على مستوى القارة الأوروبية كلها.
لكن إذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكد وجود دور أميركي في جميع «الثورات المخملية» التي عرفتها بلدان أوروبا الشرقية، فإنه يرى أنه من «السذاجة» بمكان تحليل كل ما جرى على أنه من «وحي» أو من «صنع» أميركي، وذلك على أساس أن لكل ثورة من هذه الثورات، المنتصرة منها، أو التي لم تبلغ غاياتها كلها مثلما هو في اوزبكستان، خصوصياتها الناتجة عن سياق تاريخي وسياسي واجتماعي وثقافي متميز.
وبالتالي خضعت كل واحدة منها إلى «دينامية محلية»، كما كان لأولئك الذين قاموا بها، وقادوها «أهداف خاصة» بل و«طموحات شخصية» كانوا قد عبّروا عنها ب(طريقتهم). ويحدد المؤلف أحد القواسم المشتركة بينها كلها في كون أن النتائج التي ترتبت عليها تجاوزت «المشاريع الأولية التي حددوها أولئك الذين بادروا بالشروع بها».
ومرّة أخرى إذا كان المؤلف يؤكد على «خصوصيات» كل ثورة من «الثورات المخملية» التي يدرسها، فإنه يحاول بنفس الوقت أن يقدّم قراءة عامة وشاملة لهذه الحركات التي توالت واحدة بعد الأخرى وكان الأمر نوعا من «العدوى الثورية». ومن الواضح بجلاء أن المؤلف يستخدم صفة «الثورية» بمعنى مخالف تماما للمعنى البلشفي ـ الماركسي.
ويسهب مؤلف هذا الكتاب أحيانا في وصف أدق التفاصيل للواقع الاجتماعي في هذا البلد أو ذلك، أو ربما لدراسة تفاصيل السيرة الشخصية لعناصر كان لها دورها الفاعل في التحركات الديمقراطية لبلدانها وغير المعروفة كثيرا وإنما التي يحكم أنها قد لعبت دوراً مهماً رغم «بقائها في الظل» كما في حالة الثورة البرتقالية في أوكرانيا.
ويعود المؤلف كثيرا في تحليلاته إلى دراسة السياق التاريخي والجغرافي للبلدان المعنية، هذا إلى جانب اهتمامه الواضح في دراسة العوامل اللغوية والدينية. هذه العوامل التي جرى إهمالها إلى حد كبير في الدراسة عامة، رغم أنها ذات أهمية «حاسمة» أحيانا، كما يؤكد، في صياغة «الهويات» الوطنية لشعوب المنطقة وفي محافظتها على هذه «الهويات» وعدم «انحلالها» في المحيط السوفييتي، رغم المحاولات العديدة والجدّية لبلوغ ذلك من قبل السلطات السوفييتية المتعاقبة، ومهما اختلفت الأشكال التي جرى بها ذلك.
ويقدّم مؤلف هذا الكتاب «أطروحة» جديدة، ربما لم يسبقه أحد من الباحثين عليه، فيما يتعلق بالمسار الذي عرفته «الثورات المخملية». ويحدد القول ان نقطة الانطلاق أو «المختبر» الذي عرف «التفاعلات» التي ولّدتها موجود في «سلوفاكيا»، وأن ذلك كان خلال الانتخابات التشريعية التي عرفتها هذه البلاد عام 1998.
وكانت تلك الانتخابات قد عرفت قيام تحالف «غير مسبوق» في بلدان أوروبا الشرقية، الشيوعية سابقا، بين قوى المجتمع المدني المختلفة وبين المعارضة السياسية. وقد أثبت مثل ذلك التحالف «فاعليته» حيث توصل إلى إقصاء رئيس الوزراء آنذاك فلاديمير ميسيار.
وفي سلوفاكيا أيضا برزت الفائدة الكبيرة للحملة الرامية إلى تعبئة الشباب ودفع السكان، العازفين «تاريخيا» عن المشاركة في الحياة السياسية على مدى عقود عديدة، للمشاركة في الحياةو الانتخابات. وهذا ما يشرحه المؤلف بإسهاب في الفصل الأول من كتابه الذي يحمل عنوان: «سلوفاكيا: المجتمع المدني بمواجهة نظام ميسيار».
* الكتاب: الثورات المخملية
*الناشر: ارمان كولان - باريس 2006
*الصفحات: 235 صفحة من القطع المتوسط
Les révolutions de velours
Viatcheslav Avioutskii
Armand Colin Paris 2006
p.235