روني برومان طبيب ورئيس سابق في مؤسسة «أطباء بلا حدود»، وهو يعمل الآن مستشارا لها، كما أنه أستاذ في كلية العلوم السياسية بباريس. وينشر العديد من المقالات في مجلة «البدائل الدولية» - الترناتيف انترناشيونال- وهو معروف بتأييده للقضية الفلسطينية. وآلان فنكلكراوت هو فيلسوف شهير ومؤلف العديد من الكتب، ويعمل أستاذا في مدرسة التقنيات المتعددة - البوليتيكنيك - بباريس ويعد برنامجا إذاعيا لدى إذاعة فرنسا الثقافية. وهو معروف بميوله المتطرفة لإسرائيل. أما إليزابيث ليفي فهي صحفية وتساهم مع عدد من المجلات خاصة «لوبوان» و«ماريان».
هذا كتاب «حوارات» أدارتها الصحفية إليزابيث ليفي على مدى عامين من الزمن، وذلك على خلفية قراءة تقول أنه منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في شهر سبتمبر عام 2000 بعد إصرار ارييل شارون، الذي كان آنذاك رئيسا لحزب الليكود اليميني المعارض، على أن يدخل إلى باحة الحرم الأقصى في القدس.
ومنذ ذلك التاريخ برز في فرنسا تياران أحدهما «مؤيد للفلسطينيين» والآخر «مؤيد للإسرائيليين»، أي أن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي غدا مسألة «إيديولوجية» فرنسية. وهذا الكتاب يتعرض بالتحديد لهذه المسألة، وليس من زاوية ما يجري في الأراضي المحتلة فحسب وإنما أيضا من حيث تداخلات ذلك مع تنامي ظاهرة «مشاعر العداء للمسلمين» و«مشاعر العداء لليهود» في فرنسا.
وبشكل إجمالي يمكن القول أن روني برومان، اليساري السابق والذي تربّى على «حليب العداء للأنظمة الشمولية-التوتاليتارية» والذي كان قد شارك في العديد من حملات المساعدة الإنسانية، لا يخفي عداءه الواضح والصريح للسياسة الإسرائيلية بل إنه لا يتردد في إعلان تحفظاته الصريحة والواضحة للمشروع الصهيوني نفسه. وبنفس الوقت يضع آلان فنكلكراوت نفسه في موقع «المحامي» المتحمس، ودون تحفظ لإسرائيل. وهو الذي كان الحضور في حفل عشاء المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا عام 2002 قد رددوا بصوت عال «فنكلكراوت، ملك إسرائيل».
ولا يتردد روني برومان أيضا في القول، وتكرار القول، أن إسرائيل ليست بلدا ديمقراطيا، كما يراد تقديمها في العالم الغربي، فالممارسات التي تصدر عنها ومعاملة التمييز العنصري التي تمارسها على العرب من القاطنين فيها ويحملون «جنسيتها» لا يمكن أن تصدر عن نظام ديمقراطي وإنما بالأحرى هي «ممارسات استعمارية مستمرة».
وهذا ما قابله فنكلكراوت بالقول في أحد أجوبته موجها حديثه لبرومان: «يسود الانطباع عند سماعك، أو عند قراءة ما تكتبه أن هناك شيئا ما لا تستطيع تحمله في الكائن اليهودي»، ومثل هذا القول يقارب الاتهام ب»معاداة السامية» التي يعاقب عليها القانون الفرنسي.
وبالمقابل يقول برومان برسم صورة فنكلكراوت تحت ملامح «اليهودي بالوهم» الذي لا يتردد أن يعيد كل شيء إلى «التناقضات» التي تغذّي تفكير «اليساريين» من «أنصار العالم الثالث» الذين يتهمهم بالابتعاد عن «القيم الجمهورية».
تجدر الإشارة إلى أن «روني برومان» و«آلان فنكلكراوت» يهوديان كليهما، وتعود أصولهما إلى أسرتين يهوديتين هاجرتا سابقا من أوروبا الشرقية إلى فرنسا. وكانا، كليهما أيضا، قد عرفا تجربة «يسارية» متطرفة إلى هذا الحد أو ذلك وقد وضعا حدا لتجربتيهما، بنفس الوقت تقريبا، لكن فنكلكراوت،
وهذا ما تؤكده الآراء التي يقدمها في هذا الكتاب، حصر نفسه في موقف «الإخلاص» لإسرائيل مما أعطاه شعبية كبيرة لدى يهود فرنسا، بينما أن روني برومان اقترب من موقف الدفاع عن حقوق الفلسطينيين المشروعة بأن تكون لهم دولتهم المستقلة «وكلفه هذا أن تنظر له غالبية اليهود الفرنسيين على أنه «خائن».
وفي بداية الحوار تقترح الصحفية إليزابيث ليفي أن يتم نقاش القضية المطروحة من خلال خمسة محاور تغطي إلى حد كبير أوجه النقاش الذي تعرفه فرنسا اليوم حول ما يسمّى بـ «المسألة اليهودية»، وهي المحاور هي: «ما معنى أن يكون المرء يهوديا اليوم؟» و«طبيعة الصهيونية» و«مشاعر بغض اليهود الجديدة في فرنسا» و«تنافس الضحايا» وأخيرا محصّلة الحدثين الأخيرين الكبيرين في الشرق الأوسط، أي «فك الارتباط» في غزّة وحرب لبنان.
وفي فصل تحت عنوان «حصيلة الصهيونية» تنقل إليزابيث ليفي عن «افراهام بورغ»، أحد الرؤساء السابقين للكنيست الإسرائيلي قوله في مقالة له نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية بتاريخ 11 سبتمبر 2003 أن «الصهيونية قد ماتت»؛ وقد شرح ذلك بالقول أنها أقامت أطروحاتها النظرية على مسألتين أساسيتين تخصان «العدالة» و«وجود فريق تحكمه الأخلاق المدنية». هذا الأساسان «زالا اليوم» في الواقع الإسرائيلي حسب قوله.
وهذا ما ردّ عليه آلان فنكلكراوت بالقول أن إسرائيل هي «أحد ثمار اللقاء بين فكر التنوير والرومانسية». لكن روني برومان لم يتردد في الرد قائلا: «إن الصهيونية هي عملية استعمار للأرض بدأت منذ غداة الحرب العالمية الأولى، وفي لحظة كانت قد بدأت فيها عملية الخلاص من الاستعمار في العالم كله».
ثم يشرح أنه في الوقت الذي أعلنت فيه هيئة الأمم المتحدة في قرارها رقم 181 الصادر عام 1947، إقامة الكيان الصهيوني، كانت القارة الآسيوية قد عرفت بداية حركة النضال ضد الاستعمار. هذه الحركة التي غطت جزءا مهما من القرن العشرين، الذي كان قرن «نزع الاستعمار» بامتياز.
ويتطرق المساهمان في هذا الكتاب ضمن هذا السياق إلى محاولة شرح أسباب التقارب «الإستراتيجي» بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي الوقت الذي يؤكد فيه أنه ليست إسرائيل هي التي اختارت مثل هذا التحالف، وإنما أميركا هي التي أرادته وعملت على تدعيمه والذهاب به إلى أبعد. بينما أن أوروبا «يعميها وسواس السلام». فإن روني برومان يعيب عليه - أي على فنكلكراوت ـ دفاعه عن إسرائيل وكأنها تدافع عن القيم التي تشكل «هوية الغرب» وهذا ما يراه تحالفا للواقع والحقيقة.
وفي فصل آخر يحمل عنوان «الخروج من غزة والعودة إلى لبنان»، يؤكد صديق إسرائيل فنكلكراوت أنه «لا يوجد إسرائيلي واحد يتصور إمكانية العودة إلى حدود عام 1967» وأن أقصى ما يمكن أن يقبلوه هو «تعديلات مثل تلك التي نصّت عليها اتفاقيات جنيف». ويعلن «روني برومان» غضبه عن الحديث الذي رددته و«طبّلت وزمّرت» له وسائل الإعلام الغربية بخصوص «لطف وتهذيب الجنود الإسرائيليين عندما أخلوا المستوطنات في غزة من مستوطنيها اليهود».
لكن لم تذكر أية وسيلة إعلام من هذه الوسائل عن أن «هؤلاء الجنود الإسرائيليين هم الذين دمّروا آلاف المنازل وألقوا ألوف العائلات الفلسطينية إلى شارع دون أي تعويض أو تأمين سكن جديد». ويسوق هنا شهادته الشخصية عمّا رآه في رفح حيث دمّرت «البلدوزرات» الإسرائيلية عشرات المساكن وألقت المئات في الشوارع. وهنا يسأل: «من الذي يهتم بهؤلاء؟» ويجيب «حماس».
*الكتاب: الشقاق
فلسطين وإسرائيل واليهود وفرنسا
*الناشر: فايار ـ باريس 2006
*الصفحات: 363 صفحة من القطع المتوسط
La discorde, Israël-Palestine, les juifs la france
Rony Brauman,
Alain Finkielkraut
Fayard-Paris 2006
p.363