هذا الكتاب ثمرة مما كتبه المرحوم نجم الدين عبد الله الحمودي السفير السابق بوزارة الخارجية والذي شغل منصب مدير مكتب شؤون الاتحاد في الديوان الأميري في سنوات التأسيس التي أثمرت قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وهو حصيلة من إنتاجه الفكري ويعرج من خلاله على العديد من الموضوعات القديمة والحديثة والتي استقر الاختيار على رؤى حضارية عنوانا لها.
من الوزارة في زمن العباسيين يقدم لنا المؤلف لمحة عن تلك الفترة مستعرضا تاريخ الوزارة عند الأمم مقدما مراسيم الاستيزار ولباس الوزراء ومن ذلك ما يذكره من انه كان اذا ما رشح شخص للوزارة ارسل اليه الخليفة اثنين من الأمراء يحملان كتاب الخليفة إليه فيسير إلى دار الخلافة ثم يمثل بين يدي الخليفة وبعدها ينصرف إلى حجرة أخرى ليرتدي اللباس الخاص به
ويمثل به أمام الخليفة فيقبل يديه وينصرف فإذا ما بلغ الباب وجد حصانا مزينا في انتظاره فيمتطيه ويذهب به إلى دار الوزارة وقد سبقه كبار الموظفين والقواد ورجال البلاط وحجاب القصر والموالي فإذا وصل ترجل وسط مظاهر الاحتفال ثم يقرأ سجل بتعيينه.
وفي إطار استعراض هذا الجانب يذكر لنا نجم الدين الحمودي بعض مظاهر الوزير خارج الدوام الرسمي وداخله وكذا حقوق الوزارة وواجباتها من الوجهة النظرية والقانونية ويشير إلى أن مركز الوزارة بلغ أوج عظمته في زمن الرشيد الذي اتخذ يحيى بن خالد البرمكي وزيرا له وقال له قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي إليك فاحكم في ذلك ما ترى من الصواب واستعمل من رأيت واعزل من رأيت وامض الأمور على ما ترى. ولذلك صارت امور الحل والربط بيد يحيى في كل شؤون الدولة وخلفه ابنه جعفر بن يحيي بن خالد البرمكي في منصب الوزارة.
اما ابتداء ضعف الوزارة فقد انقضى بنكبة البرامكة في عهد قوة الوزارة التي بلغت أوجها في زمنهم حيث اخذ مركز الوزارة يزداد ضعفا بمرور الزمن ويذكر في ذلك بعض الحوادث. ومما يذكره نجم الدين الحمودي انه كان لكل وزير اتباع ومحاسيب يرتفع ذكرهم وتتحسن أحوالهم بتوليه الوزارة فإذا ما عزل عزلوا معه وشتتوا.
ومن الوزارة العباسية إلى دورة الحضارات يستعرض المؤلف المدارس المختلفة ورؤى المؤرخين الذين استعرضوا قضية نشوء الحضارات ومنهم ابن خلدون والألماني ازوالد شبنجلر صاحب كتاب تدهور الغرب الذي ضمنه نظريته في الحضارات. ثم يقدم المؤلف استعراضا تفصيليا لنظرية المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي.
ويشير الحمودي إلى ان نظرية توينبي عن الحضارات من الممكن ان تنعت بنظرية دياليكتية لانها تتلخص بان الحضارات تنشأ كاستجابة لتحديات طبيعية او بشرية نظرية التحدي والاستجابة، اي ان الطبيعة تعرض بعض المشاكل وحلها يؤدي إلى نشوء الحضارات.
ثم يتطرق المؤلف إلى رؤية توينبي بشأن توقف الحضارات عن النمو وانهيارها فيشير إلى ما يذهب إليه بان التطورات التي تجري على الحضارات بعد ان يتكامل نموها يمكن تلخيصها في فشل الأقلية الفعالة في المجتمع وصيرورتها اقلية حاكمة فقط، وفقدان الوحدة الاجتماعية. وبعد ان تتوقف الحضارات عن النمو يصبح من غير الضروري ان تنتقل إلى دور الانهيار مباشرة
والملاحظ ان الحضارة المصرية وحضارة الشرق الأقصى لم يسرع إليهما الانهيار بعد ان توقفتا عن النمو وتجمدت فيهما قوة الخلق والإبداع.
ثم ينقلنا المؤلف في جولة فكرية على مجال آخر وان كان لا ينفصل عن المجرى العام للكتاب وهو اثر العظماء في التاريخ مشيرا إلى ان ذلك من الموضوعات الطريفة التي حظيت باهتمام المفكرين في العصور كافة. ومن بين من يعضد نظرية تأثير العظماء في سير التاريخ وقدرتهم على تغييره الكاتب البريطاني توماس كارليل في كتابه «الابطال وعبادة البطولة» اذ يتحدث عن النبي صلي الله عليه وسلم واوليفر كرومويل ويجعلهما امثلة للرجال العظماء الذين غيروا مجرى التاريخ.
فيما يجرد كارليل نابليون من صفة العظمة الأمر الذي يشاركه الرأي فيه الكاتب الروسي تولستوي الذي يحلل شخصية نابليون بقوله: انه رجل خلقته الظروف والمصادفات التي تحكمت في انتصاراته أول الأمر ثم عادت فسببت خذلانه واندحاره.
ويقدم نجم الدين الحمودي النظريات المختلفة بشأن العظمة مستعرضا نظرية السير اومان استاذ التاريخ في جامعة اوكسفورد، والكاتب جيكوب برخارت استاذ التاريخ في جامعة بازل بسويسرا في القرن قبل الماضي.
وعودة إلى التاريخ مرة أخرى ولكن من خلال ابن سينا هذه المرة يستعرض لنا الحمودي اثر ابن سينا. ومن الجوانب التي يذكرها عن الشيخ الرئيس انه وهو النابه قرأ كتاب «ما وراء الطبيعة» لارسطو أربعين مرة حتى حفظه عن ظهر قلب ولكنه لم يدرك معناه إلى ان اطلع على التعليقات التي كتبها الفيلسوف الفارابي على ذلك الكتاب. لقد عرف ابن سينا - يقول الحمودي - كيف ينتفع من حياة عصره وثقافته وكان على درجة كبيرة من الاستقلال وقوة الشخصية بحيث كانت طبيعته تأبى عليه ان يطاطئ رأسه لأي أمير.
وكان يستثمر كل دقيقة من حياته استثمارا تاما حتى ان البعض يذكر ان انهماكه في البحث والتأليف في الليل والنهار لم يكفياه بل انه كان يحل المشاكل وهو نائم وذلك عندما كان يحلم. وقد كانت أفكاره تمثل الذروة في فلسفة القرون الوسطى كما كان تأثيره في الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى عظيما حيث جعله دانتي بين ابقراط وجالينوس.
ويتطرق بنا نجم الدين الحمودي إلى فن العمارة عند العرب مشيرا إلى ان اثر العرب في خدمة العمران لم يكن بأقل مما قدموه من خدمات جلي في نواحي الحضارة الإنسانية الأخرى ويقرر ان العامل الأكبر الذي مهد لنشوء هذا الطابع الخاص بالعمارة العربية هو الإسلام وابسط دليل لدعم هذه الحقيقة هي العمارات العربية التي أنشئت إبان ازدهار الحضارة العربية والتي كانت جميعها تقريبا اما مساجد او بنايات ذات علاقة بالدين. ومن اجمل بنايات العرب المسجد الأقصى الذي بناه عبد الملك بن مروان كما ان من ابدع أبنية العرب قاطبة قبة الصخرة في الحرم الشريف.
ثم يأتي الجامع الأموي بعد قبة الصخرة من حيث عظمته البنائية وثروته الفنية وهو يحتوي على قسم كبير من المستحدثات العمرانية التي ابتكرها العرب في فن البناء، فأسباب شهرة هذا المسجد تعود إلى فخامة البناء وزخرفته البديعة، فجدرانه مطبقة بالرخام من الداخل والخارج ومزينة بالبلاط الملون والفسيفساء المطعم بالذهب المصنوع بهيئة هندسية جميلة تمثل نباتات وورودا وفواكه طبيعية.
ويذكر في معرض إشادته بفن العمارة مقولة لشبنجلر يذكر فيها انه من العبث إنكار اثر العرب العظيم في بعث الفن الأوروبي معربا عن اعتقاده بصورة جازمة ان كل عنصر حي في الفنون الرومانية المتأخرة لا بد ان يكون متأثرا بأصول الفن العربي.
ومن فن العمارة عند العرب ينقلنا الكتاب إلى نظرات في الفن يتناول الحمودي من خلالها علاقة الفنان بالطبيعة وكونها علاقة متينة محكمة لأنها مصدر وحيه وإلهامه مشيرا إلى صعوبة نقد الفن في ضوء تعذر ايجاد مقاييس عامة لمعرفة المدى الذي تبلغه الروائع الفنية من الكمال.
ومن الفن إلى السياسة نقرا عن السياسة بين الفيلسوف الروسي بردييف والألماني شبنجلر والذي يبدو المؤلف من المتابعين لأعماله والمتأثرين به، ففيما اتخذ الثاني موقفا ايجابيا من السياسة والسياسيين حيث اكبر من قيمة السياسي المطبوعة وبشر بسياسة الدم والعنصرية، فان الأول كان على الضد من ذلك فهو يتخذ موقفا سلبيا من السياسة والسياسيين ويشجب السياسة وأصحابها ويبشر بالمبادئ الإنسانية التي تمقت الحرب.
وختام الرحلة في الكتاب مع الأحزاب السياسية في العراق وبداياتها حيث يقدم الحمودي عرضا تاريخيا موجزا لتطور الأحزاب السياسية العراقية ابتداء من أواخر العهد العثماني حتى أواسط الأربعينيات.
وهنا يتطرق إلى رفض الملك فيصل منذ مجيئه إلى الحكم فكرة تأليف الأحزاب الأمر الذي لم يصادف قبولا من الوطنيين الذين شددوا على السماح بها وبعد ضغوط مختلفة سمحت الحكومة بتأليف الأحزاب فتشكل نوعان من الأحزاب، الأول هو المعتدل وكان يدعم الحكومة في مفاوضاتها والثاني متطرف وغايته معارضة الحكومة وانتقاد المعاهدات قيد المفاوضة.
ومع دخول العراق عصبة الأمم سنة 1932 ونيله الاستقلال بدأت الأحزاب السياسية تضمحل تدريجيا وهو ما يرجع لسبب أساسي هو وحدة أهداف تلك الأحزاب والمتمثل في إلغاء الانتداب والحصول على الاستقلال، ولهذا لم تكن لها برامج اقتصادية واجتماعية مرتكزة على فلسفة اجتماعية واقتصادية مبعثها حاجات البلاد وظروفها وإمكانياتها وانما كانت محدودة في مناهجها التي لم تتعد الأمور السياسية فعندما تحققت تلك المشاريع لم يعد لها سوى ان تموت موتا طبيعيا.
مصطفى عبد الرازق
* الكتاب: رؤى حضارية
*الناشر: على نفقة المؤلف
*الصفحات: 211 صفحة من القطع الكبير