كيف يمكن للمرء أن يتقبل فكرة أن العرب قبل خمسين سنة كانوا أكثر تحضراً مما هم عليه الآن؟
وكيف يمكن إقناع أحد ما أن فكرة التحضر ليست في القفزة التكنولوجية التي أحدثتها ثورة الاتصالات أو في تبدل مستوى العيش من مجرد الحاجة إلى الطعام إلى نوعية الطعام؟
منتصف القرن العشرين حاولت المنطقة اللحاق بركب الغرب المتقدم، وحاولت تقليده عبر جميع أنظمته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكادت بعض دول المنطقة أن تلامس ذلك التقدم وكانت الحركة الوطنية التي (طردت) الاستعمار تريد أن تذهب بمشروعها (المحلي ـ الوطني) إلى محاكاة الغرب ولكن عبر نموذج (عربي) يراد منه احتلال مساحة بين الأمم تناسب عراقة هذه الأمة.
يومها لم تكن الطروحات الثورية مستهجنة كما هي اليوم، وكانت كلمات وعبارات مثل (الثورة والحرية، والعيش الكريم، الانعتاق من نير المستعمر، التخلص من آثار الجهل، الدول الصديقة، الشعب الحر) لها رنين في أي محفل أو مقهى وظلت تتصادى في الوجدان حتى غزو صدام حسين للكويت، آنذاك تنبه (القومجيون) إلى خطورة القومية على دول صغيرة مسالمة!
في منتصف القرن الماضي كانت دول المنطقة تنال استقلالها، وبعض المستقلة باكراً تنقلب على أنظمتها وغيرها تعقد الاتفاقات مع مستعمريها، وتحسن صورة رجال الوطن عبر الخطب الجماهيرية ووسائل الإعلام البسيطة.
ويومها أيضاً كانت الحركات الوطنية: الإسلامية والقومية لديها مشاريع لتطوير الدول الفتية، وكل منها وضع تصوراً ليصنع الشعب مصيره بنفسه وليحقق ذاته بمعزل عن أي تدخل أجنبي.
ما الذي حدث بعد نصف قرن على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لقد تراجعت التنمية وعمت البطالة جميع أقطار المنطقة، ولم تعد هناك لعبة سياسية سوى ما يمليه الآخر على المغلوبين على أمرهم، حتى وصلت إلى ذلك الطريق المسدود عبر التيه في مشاكل داخلية وحروب أهلية بدأها لبنان وصدرها إلى فلسطين والعراق وصولاً إلى السودان والصومال مروراً بمناوشات حدودية لا تخلو من سقوط جرحى أو قتلى هنا وهناك.
أما كيف تراجع المجتمع بعد نصف قرن من ثورة قادته إلى حياة منفتحة على الآخر تقبلاً وعملاً، فتلك حكاية ليست سهلة على الإطلاق، فقد كانت الطروحات التي نادت بها الأحزاب قبل خمسين سنة لم تتغير في باطنها وان غيرت شكلها، وظلت شعارات وهتافات من نصف قرن تتردد في الألفية الثالثة، وكأن العالم لم يتحرك بوصة واحدة عما كان عليه من قبل.
اليوم في حياتنا الاجتماعية تراجع كبير يصل إلى درجة ان الدجال طارد الجن والأرواح الشريرة من الجسد أهم من الطبيب الذي أفنى عمره خلف مبضعه، وفي حياتنا أي غوغائي منافق أكثر تأثيراً من أي مفكر أو متنور قرأ التاريخ وعايش الحاضر ويستشرف المستقبل.