أجرت أيدا إيديمريام المحررة الثقافية في صحيفة «غارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الكاتبة الصينية ييون لي بمناسبة فوز مجموعتها القصصية «ألف عام من الصلوات المستجابة» بجائزة «غارديان» للكتاب الأول، حيث ألقت الضوء على جوانب مما يثير اهتمامها ويدعوها لكتابة القصص،
مؤكدة أنها تسعى لكتابة قصص جيدة فحسب، وانها حريصة على ألا يكون بمثابة هدف في ذاته أن تكتب عن غرائبيات آسيا أو عجائبيات الصين، وأشارت إلى أنها تؤثر الكتابة باللغة الانجليزية، لأن الكتابة بالصينية تشبه، بالنسبة لها، ممارسة للرقابة الذاتية، وفيما يلي نص المقابلة:
بعد احتجاجات ميدان بوابة السلام السماوي في بكين في عام 1989، حرصت الحكومة الصينية على ألا يكون هناك اتصال بين الطلاب المنشقين والطلاب المنتمين إلى الأجيال التالية لهم، وهكذا فإن شباب تلك الأجيال أمضوا عدة سنوات في الجيش حيث ارغموا على العودة الصارمة إلى ايديولوجية الحزب. وفي عام 1991 كانت ييون لي في الثامنة عشرة من عمرها، وصدمها أن الكثير من الطلاب لا يعرفون شيئاً على الإطلاق عما جرى خلال الاحتجاجات الشهيرة، فحرصت على اطلاعهم على تفاصيلها.
ذات يوم، ضُبطت متلبسة بقراءة إرنست همنغواي في فصل مخصص لدراسة ايديولوجية الحزب، وهكذا اصطدمت بالمدرسة التي كانت تحمل رتبة الملازم، والتي أنهت الموقف بتمزيق رواية همنغواي وإلقائها على الأرض، وأمرت ييون لي بالخروج من الصف. وقتذاك لم يكن بوسع ييون لي أن تعرف أي حياة مختلفة ستعيشها وأنها ستكتب عن هذه الواقعة خلال الدراسة الأكاديمية بلغة كان عليها أن تتعلمها في وقت لاحق، وهي اللغة الانجليزية.
يعد الفوز بجائزة «غارديان» للكتاب الأول تكريما إضافياً لمجموعة «ألف عام من الصلوات المستجابة» الذي حصلت الكاتبة الصينية على مكافأة عن نشره قيمتها 200000 جنيه استرليني، كما فاز بجائزة بوشكارت وجائزة بلمبتون وجائزة فرانك أوكونور التي تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه استرليني.
وتقول القاصة الصينية إنها حتى السنوات التي أمضتها في الجيش كان الكتاب الوحيد الذي قرأته باللغة الانجليزية هو صياغة مبسطة ليوميات آن فرانك، وكانت فصائل الفتيات في الجيش الصيني تتداول فيما بينها نسخاً من أعمال توماس هاردي وهمنغواي وجاك لندن ودي.إتش.لورنس.
وهي تقول: ( كانت المرة الأولى التي قرأت فيها رواية (ذهب مع الريح) في نسخة مصورة ذات طول وعرض غريبين. وكان هناك متجر قرب المدرسة يضم العديد من الكتب الانجليزية، وبه غرفة كتبت عليها لافتة تمنع دخول الأجانب، وهي مليئة بالكتب المقرصنة والنسخ المصورة من مجلة ريدرز دايجست).
بعد السنوات التي أمضتها ييون في الجيش التحقت بجامعة في بكين وتخصصت في علم المناعة، بهدف وحيد هو الالتحاق بالدراسات العليا في الولايات المتحدة، وقد اختارت جامعة في ولاية أيوا التي وصلت إليها في عام 1996، وهي في الثالثة والعشرين من عمرها.
في ذلك العام الأول في الولايات المتحدة، وجدت نفسها محاطة بحقول الذرة وبأناس لا تعرفهم، وحاولت أن تدبر أمورها بانجليزية تعلمتها من الأشرطة المسجلة، وقد افتقدت بشدة عائلتها وأصدقاءها، لكنها تقول: ( كنت بالفعل سعيدة لاعتمادي على نفسي). ولكن لم يكن هناك من تحدثه عن الكتب.
وعندما رأت أعلاناً في صحيفة عن مساق للكتابة يستغرق شهرين بادرت إلى الالتحاق به، ولم تكن قد كتبت شيئاً بالانجليزية قبل ذلك، ولذا أدهشها أن يقرأ المدرس المشرف على المساق جهدها الأول في الكتابة وكان يدور عن جدتها التي لم تعرفها أبداً وأن يسألها عما إذا كانت قد فكرت في نشر كتاباتها.
على امتداد ثلاث سنوات لاحقة، ظلت الكتابة هواية بالنسبة لها، وتخرجت بدرجة في الدراسات العليا، وتزوجت، والتحقت بمختبر متخصص في أنواع الحساسية والربو وسلوك الخلايا، ثم حصلت على فرصة للاشتراك في دورة لورشة كتاب أيوا التي تعادل من حيث أهمية المدرسين المشاركين فيها والمكانة التي يتمتع بها خريجوها مساق الكتابة الإبداعية الذي تقدمه جامعة إيست انجيليا في انجلترا.
غير أن هذا كله لم يضمن لها شيئاً، ومن ثم أقنعت زوجها، وهو فني كمبيوتر، بالاحتمال طوال ثلاث سنوات أمضتها عاكفة على كتابة القصص. تحفل قصص ييون لي بلحظات حب غير متوقع، وهو غالباً حب لا يتم التعبير عنه، وتتسم هذه القصص بصدقها ونطاقها المذهل، وتفهمها للحب في مراحل متقدمة من العمر والألم النابع من حب الآباء لأبنائهم.
في القصة التي منحت عنوانها لمجموعة ييون لي، يمضي رجل عجوز لرؤية ابنته في الولايات المتحدة، وكانت قد خرجت لتوها من محنة الطلاق، وهو يحس بالقلق عليها، ولكن كل ما يقوله يعجل بابتعادها عنه، وبعد عمر من الابتعاد يجد أن من المستحيل أن يشق طريقه إليها، ولذا فإنه يطبخ لها. ولكنها لا تعرف أن طهيه قد أصبح صلاته، وهي تترك هذه الصلوات بلا استجابة لها.
يكتشف الأب أن ابنته تتواصل بسهولة ويسر باللغة الانجليزية، ولكن ليس معه، وهي تقول له أخيراً بصبر نافد: أبي، إذا نشأت في رحاب لغة لا تستخدمها للتعبير عن مشاعرك، فسيكون من الأسهل أن تستخدم لغة أخرى، وأن تتحدث أكثر بهذه اللغة، فهذا يجعلك شخصاً جديداً.
وعلى الرغم من أن لي قرأت الكثير من الشعر الصيني في سنوات نشأتها، إلا أنها وجدت: «إنني ليس بوسعي الكتابة باللغة الصينية على الإطلاق. وأعتقد أن ذلك أقرب إلى الرقابة الذاتية من رقابة الآخرين عليّ. لست أدري. وكل ما هنالك هو أنني أحس بارتياح أكبر حيال الكتابة باللغة الانجليزية. أعتقد أنني بحاجة إلى المسافة مع اللغة لكي أتمكن من الكتابة فحسب».
محطات في مسيرة لي
* نشأت الكاتبة الصينية ييون لي في بكين، وقدمت إلى الولايات المتحدة في عام 1996، حيث حصلت على ماجستير في الأدب من ورشة كتاب أيوا وعلى ماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة أيوا.
* نشرت العديد من القصص والمقالات في مطبوعات شهيرة أبرزها «نيويوركر»، «باريس ريفيو»، «بلو شيرز»، «جيتسبرج ريفيو»، «بروسبكت»، «جليم ترين» وغيرها.
* صدرت مجموعتها الأولى المؤلفة من عشر قصص عن دار راندوم هاوس مؤخراً، في إطار عقد نادر في عالم الكتابة الأدبية حصلت بمقتضاه على عشرين ألف جنيه إسترليني لقاء نشر هذه المجموعة في طبعتها الأولى.
* فازت بعدد من أبرز جوائز القصص القصيرة عن هذه المجموعة، ومنها جائزة صحيفة «غارديان» اللندنية للكتاب الأول، جائزة فرانك أوكونور الدولية للقصة القصيرة، جائزة همنجواي اتحاد الكتاب العالمي، جائزة كتاب كاليفورنيا للعمل الأول. وهي تعمل في تدريس برنامج درجة الماجستير في ميلز كوليج في أوكلاند بولاية كاليفورنيا