قبل خمس سنوات، واجهت الكاتبة الصينية ييون لي مشكلة محددة، وهي كيف تقنع العالم الأدبي بأن يحملها على محمل الجد بينما هي كاتبة صينية المولد في الثامنة والعشرين من العمر تتحدث الصينية، وتحاول الكتابة باللغة الصينية ولم تنشر شيئاً على الإطلاق ويقتصر تدريبها في مجال الكتابة على مساق في الكتابة الإبداعية للكبار. منذ ذلك الحين قطعت الحياة العملية لييون لي شوطا أقل ما يقال فيه إنه أكثر من مذهل بالنسبة لأبناء جيلها من الكتاب.
نشرت ييوت لي قصصها في العديد من المجلات المميزة، أبرزها «نيويوركر» و«باريس ريفيو» و«بروسبكت» و«اسكواير» وغيرها. وحصلت على عقد دفعت لها بمقتضاه راندوم هاوس 200000 جنيه استرليني لقاء نشر مجموعتها «ألف عام من الصلوات المستجابة» وذلك في تطور غير مألوف في عالم الكتابة الأدبية، لكاتبة تنشر كتابها الأول.
هذا الكتاب الأول حصد مجموعة من أهم جوائز القصة القصيرة في العالم، كانت أحدثها جائزة صحيفة «غارديان» اللندنية للكتاب الأول، وقوبل بإشادة نفدية من أبرز الصحف والمجلات والدوائر النقدية العالمية.
ربما كان هذا كله يرجع، في أحد جوانبه، إلى أن هذه المجموعة، التي وصفت بأنها ثرية ومدهشة، توضح الكيفية التي تتقاطع بها الأساطير والسياسة والتاريخ والثقافة مع الشخصية لتفضي إلى قدر الإنسان ومصيره، حيث تنطلق بنا الكاتبة من قلب بكين إلى مطعم للوجبات السريعة في شيكاغو إلى الامتدادات القاحلة في منغوليا لنتابع الأقدار والمصائر، ولنكتشف عالماً بقدر ما يبدو لنا مألوفاً بقدر ما هو غريب عنا، ويقدم هذا كله لنا عبر نثر وحشي يفيض بالصدق الذي يتمزق معه الفؤاد.
في قصة «خلود» التي تضمها هذه المجموعة، والتي فازت بجائزة بلمبتون التي تقدمها مجلة «باريس ريفيو» للكتاب الجدد نجد أنفسنا على موعد مع قصة شاب يشبه إلى حد كبير دكتاتوراً ومن ثم فإنه يجد استدعاء إلى رحاب الخلود عبر هذا الشبه العجيب.
في قصة «أميرة نبراسكا» يلتقي رجل وامرأة كان كل منهما يحب ممثلاً شاباً في الصين، ولكن اللقاء هذه المرة في أميركا، وهما يحاولان تعزية نفسيهما عن حبهما المفقود بحياتهما الجديدة. قصة «بعد حياة» تضيء مفارقات الزواج والأبوة والجنوسة، حيث نتابع قصة زوجين يحجبان ابنتهما عن العالم.
في القصة التي منحت المجموعة عنوانها نجد رجلاً يزور أميركا للمرة الأولى لرؤية ابنته المطلقة حديثاً، لا لشيء إلا ليكتشف أن كل شيء ليس على ما يبدو عليه. والكاتبة تستكشف في جرأة تأثيرات الشيوعية على اللغة والإيمان وعلى شعب بأسره، وتشدد على التحول في معانيه وتجلياته العديدة.
وهذه القصص تتوالى على صفحات المجموعة لتشكل إبداعاً مميزاً من كاتبة سرعان ماسيكتشف القراء أنها لا تنسى. ففي قصة «إضافة» نتابع الصداقة بين امرأة صينية يستبد بها الشعور بالوحدة والعزلة وشاب في مقتبل العمر، ونرى كيف أن الحب يمكنه التغلب على القمع الشخص والسياسي أيضاً.
وتعقب مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة على هذه المجموعة بالقول إن القصص العشر التي تضمها تقدم إطلالة أولى فريدة من نوعها، حيث تستكشف آفاق التأثيرات المدمرة للثورة الثقافية على الصين الحديثة في كل من الصين نفسها والولايات المتحدة.
والمجلة تضرب مثالاً في هذا الصدد بقصة «زيادة» التي تصور محنة الجدة لين، وهي أرملة عجوز تحال على التقاعد من دون معاش تقاعدي، فتضطر إلى العمل خادمة في مدرسة داخلية خارج بكين الأمر الذي يقودها إلى صداقة مدهشة مع كانج، أحد الطلاب الذين يعهد إليها برعايتهم. وتنسج القاصة رسالة سياسية في صميم الصور التي تقدمها في مجموعتها، فالشاب كانج، وهو ابن رجل واسع النفوذ من زوجته الاولى التي لم تعد مرضياً عنها هو بمثابة «زيادة» أي أنه بلا فائدة في المجتمع الجديد، وهو ما أصبحت عليه الجدة لين نفسها.
وفي قصة «الموت ليس نكتة سيئة إذا روي بالطريقة الصحيحة» نجد أن السيد بانج الذي يدينه زملاؤه في العمل باعتباره الابن الوضيع لطبقة الملاك يواصل الدوام في وظيفة لا يتلقى أجراً عنها، وفي بيته يقضي وقته في عد حبات الأرز بعصى الطعام.
في قصة «خلود» نلتقي مع فتى يتيم وجذاب يشبه ماوتسي تونج إلى حد كبير بحيث أنه يختار كبديل له بعد موته، وعندما يجري استبعاده، فإنه يقضي أيامه كطفيلي مخصي بفعل نفسه هذه القصص تتسم بالقوة، وبقدرة مدهشة على أن تستحضر الوجع عبر نثر قوي إلى حد الوحشية، بحيث أنها تقدم لنا في نهاية المطاف حزناً وحنيناً وحشيين.
وكان من الطبيعي أن تثير مجموعة بهذه القوة ردود فعل بارزة من جانب الصحف والمجلات غير المتخصصة كذلك. ها هي صحيفة «واشنطن بوست» تشير إلى أن نثر ييون لي في هذه المجموعة يدور بقوة حول الناس العاديين والحياة اليومية والمباهج اليومية والأحزان اليومية بأسلوب بالغ الاقتصاد لا يهدر الكلمات. وكل قصة أجيد اختيارها واستخدمت بطريقة هادئة وبعيده عن الافتعال، حيث يتم استحضار حياة بكاملها في غمار عشر صفحات أو نحو ذلك للقصة الواحدة.
وتشير صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» إلى أن لي تقوم بما هو أكثر من تقديم وجه إنساني لمجموعة من الاحصائيات، وتعاطفها مع الشخصيات التي تبدعها يقنعنا بأن هذه الشخصيات جديرة بالاهتمام بها.
وتقول صحيفة «لوس انجلوس تايمز» إن هذه المجموعة تعد إحدى المجموعات القصصية النادرة التي يجد القارئ نفسه فيها وهو يقرأ قصة أقرب إلى الجوهرة بعد أخرى سبقتها في حمل هذا التوصيف نفسه. وتشير صحيفة «تايمز» اللندنية إلى أن نثرلي مقتضب، أجيد التحكم به، وهي توضح لقرائها كيف أن الحياة والشخصية تشكلهما التغييرات التاريخية، بطرق حميمة لا تسجل في كتب التاريخ.
مسيرة في الأصل
«تمضي الجدة لين في الشارع في أصيل نوفمبري، حاملة حقيبة طعام من الصلب الذي لا يصدأ في يدها. وداخل الحقيبة هناك شهادة رسمية من وحدة عملها، كتب فيها بحروف ذهبية متألقة: «نؤكد بمقتضى هذه الشهادة أن الرفيقة لين ماي تقاعدت بصورة مشرفة من العمل في مصنع ملابس النجم الأحمر في بكين».
لا تشير الشهادة إلى أن مصنع ملابس النجم الأحمر قد أفلس، أو أن الجدة لين، التي تقاعدت بصورة مشرفة، لن تتلقى معاشها التقاعدي. وبالطبع فإن الشهادة لن تقدم هذه المعلومات، لان مثل هذه الحقائق ببساطة ليست صحيحة. ذلك أن «الإفلاس» هو الكلمة الخاطئة بالنسبة لصناعة مملوكة للدولة. ومعاش الجدة لين التقاعدي يحجب عنها مؤقتاً فحسب، لأن «التنظيم الداخلي» هو المعلومة التي حجبت عن الشهادة، ولكن حتى أي وقت سيحجب المعاش التقاعدي؟ هذا هو ما ليس لدى المصنع المزيد من المعلومات بشأنه.
تقول العمة وانج، جارة الجدة لين، لها لدي علم بوضع الجدة لين: «هناك دائماً طريق لدى الوصول إلى الجبل». هناك سيارة تويوتا حيثما يوجد طريق». يختفي السطر الثاني في إعلان تويوتا التجاري قبل أن تدرك الجدة ذلك. ها أنت ذي، أيتها الجدة لين. إنني أعرف أنك إنسانة متفائلة. فابقي شخصية إيجابية، ولسوف تجدين سيارة تويوتا خاصة بك».
(مقتطف من مجموعة
«ألف عام من الصلوات المستجابة»)
* الكتاب: ألف عام من الصلوات المستجابة
*الناشر: راندوم هاوس - نيويورك 2006
*الصفحات: 240 صفحة من القطع المتوسط
A Thousand Years Of Good Prayers
Yiyun Li
Randam House - N.Y.,2006
p.240