جودت سعد مؤلف هذا الكتاب، باحث، وعضو في لجنة الدراسات في فرع اتحاد الكتاب العرب في دمشق، وناشط فكري، وداعية لا عنف. يختلف المؤلف مع التعريف السائد للسينما الصهيونية والقائل بأنها السينما التي تخدم الأهداف الصهيونية مهما كان مصدر إنتاجها.

ويرى بأنه تعريف يخلط بين الهدف وبين أداة الهدف، ويعرف الأفلام الصهيونية بأنها التي أنتجت في إسرائيل بلغة عبرية مهما قلّ تأثيره أو كثر، ولهذا التعريف عدة اعتبارات مثل تبيان الحجم الحقيقي والصغير للسينما الصهيونية، وتوضيح مشاكل السينما الصهيونية، والإشارة إلى عدم وجود نجوم عالميين في السينما الصهيونية.

ويشير إلى أنه لا يمكن اعتبار نجاحات السينما العالمية الخادمة للصهيونية نجاحات للسينما الصهيونية لأسباب عدة مثل: فقدان الأفلام الصهيونية ـ المنتجة داخل إسرائيل ـ للصدقية التي لا يمكن تزويرها إلى الأبد وعدم قدرة العاملين في السينما على إقناع جمهور المستوطنين بحماية السينما لعدم قناعتهم بها، ولقلة المشاهدين الصهاينة وضعف السوق الصهيوني السينمائي، وقد اعتمد الباحث في مؤلفه على المصادر الإسرائيلية النقدية الفنية لأن المصادر العربية تخلط بين السينما العالمية التي تخدم الصهيونية والسينما الصهيونية.

يمكن تقسيم الأعمال الصهيونية إلى أفلام توراتية تاريخية وأفلام عسكرية تتناول حروب إسرائيل الخمسة ضد العرب، وأفلام اجترارية تعزف على «الآلام اليهودية» و«الهولوكوست» وأفلام عنصرية التي تظهر الصهيوني متفوقاً وخارقاً.

وتعتمد الأفلام الإسرائيلية على «منطق العصمة» الذي يغالط المعايير الفنية والمنطقية، وهو مفهوم يرتكز على مرتكزات أسطورية سوبرمانية لإيهام العالم أنها من صفاتهم التي اختصها بهم «يهوه»، على سبيل المثال فلم «المرأة في الغرفة الثانية» يروي قصة جنديين يمارسان الجنس مع امرأة عارية ويمضيان إلى القضاء على الإرهابيين الفلسطينيين ويعودان إلى المرأة منتصرين!

اما تمويل هذه الأفلام فهو من القيادات السياسية والمالية وليس من شباك التذاكر أو من المؤسسات الثقافية، وقد تحولت الأفلام من اقتباس السرديات التاناخية إلى إسباغ الصفة القومية بعد عام 1948، لكنها لا تزال تعاني من ضعف الإمكانات وحائرة بين كونها مهنة أم فنا؟

وعادة ما تشرط البنوك مساعداتها بعزف نشيد هاتكفا الإسرائيلي في كل فيلم، مما ينقص من مصداقية الفيلم الفنية، ويحولها إلى أفلام تبشير ودعاوى تؤدي بها إلى الفشل، أو توقعها في الفنتازيا أو في الأحلام التي تصطدم بصلابة الواقع مثل فيلم العودة الذي يروي قصة أسرة بولندية هاجرت إلى أرض اللبن والعسل لتجد الأرض تفيض باللبن والعسل والذهب والفضة بالمعنى المباشر.

ويمضي الباحث في تعريف أفلام الكيبوتس أو المزارع الجماعية ذات النظام الاشتراكي التعاوني وهي أفلام كيبوتسية الصناعة، حتى ان المشاهدين هم من الكيبوتسات، وهي أفلام تظهر الكيبوتس كيوتوبيا:

مزروعات وموسيقى رعوية وطرق مشجرة.. فيلم «تذاكر السفر» يظهر أن عضو الكيبوتس يضيع عندما يغادر مزرعته، تتصف هذه الأفلام بعدم إمكانيتها للتصدير والمشاهدة خارج الكيبوتس، كأنها منتجة لترسيخ فكرة المزارع الجماعية المستقلة أو «الجيتو» وإعطاء صورة مشرقة عنها، وغالباً ما تكون هذه الأفلام قصيرة لارتفاع كلفة الأفلام الطويلة، وتقوم هذه الأفلام بنفخ عقدة التعالي والمشاعر العرقية والعنصرية وضرب المعنويات العربية والظهور أمام المشاهد العالمي بمشهد المتحضر.

أما أفلام «التاناخ» فهي الأفلام المقتبسة من التوراة والتي استأثرت بمعظم العمل السينمائي الصهيوني، ويمكن القول إن هذه الأفلام لم توفر شخصية توراتية إلا وجسدتها سينمائيا على أساس «أن الناس عطاش للروحانيات» كما يقول الكاتب مائير شلف ويؤازره الكاتب يارون لندن بالقول «التاناخ بطاقة دخول لإسرائيل ولولاها لما نمت البن غوريونية».

فيلم «موسى الأمير المصري» لستيفن سبيلبيرغ ينسب الحضارة إلى اليهود ويبرر المخرج الوسائل الذكية التي سرق بها الموسويون أمتعة المصريين قبل خروجهم من موسى، وفيلم «حتى طلوع الفجر» الذي يبدو نسخة من أفلام مطاردة «العرب الحمر» الأميركية و«فيلم موسى الرباني» يقدم استير التوراتية بما يوازي مادونا الغربية.

يبين الكاتب التداعي المنطقي والتزوير التاريخي لهذه الأفلام، والقائم على مقولات الأرض الفارغة ووصف الفلسطينيين بالإرهابيين. فيلم «ماركوبولو» لـ «رافي بوكائي» الذي استغرق سبع سنوات وكلف أكثر من 3 ملايين دولار من هذه الأفلام، وفيه يتم تقديم الرحالة ماركو بولو مجيداً لأربع لغات عالمية إحداها العبرية وكأنها كانت وقتها لغة عالمية!

كما يقدمه مقاتلاً ضمن صفوف الصليبيين ضد العرب ويظهر المسلمين متهافتين يتصارعون على زوجة ماركو بولو التي دسها لهم.

كما يقدم فيلم «جلعاد» الضعيف، قاتل رابين ايجال عامير، كيميني متطرف قام بالقتل للاستحواذ على إعجاب الفتيات، أي شبيه بجون هانكل الذي حاول قتل الرئيس الأميركي ريغان، ويفرد الباحث فصلاً لتبني السينما الأميركية للسينما الإسرائيلية، ومحاولاتهم إخراجها من عثراتها ومطباتها ورعاية مهرجاناتها ومنحها الجوائز التي غالباً ما ينال أفضل الأفلام السيئة.

ثمة ترابط دائم بين السياسي والجنسي في الفيلم الصهيوني ويرى الباحث أن غرض هذه الأفلام هو تفتيت المجتمع العربي ودفعه نحو الانحراف وذلك ببث هذه الأفلام دون ترجمة في التلفزيون فيتحول الفيلم إلى مجرد صور مثيرة في حين يستطيع المشاهد العبري التمييز بين الشخصيات ودوافع ممارسة الجنس في الفيلم خاصة بين المحارم.

كما في فيلم «الأسرة» الذي يصور قصة أم وابنتها وابنها المراهقين وعيشهم الانعزالي وغرف أعضاء الأسرة المطلة على بعضها وتجسسهم على بعضهم وشهواتهم المحرمة، وتعتمد هذه الأفلام، للمشاهد الإسرائيلي، على نظريات علمية في علم النفس كعقدة الكترا أو عقدة اوديب، كما تستلهم كافكا وبيكيت والقصص العبثية.

ويروي فيلم «العذاب» الإباحي علاقات جنسية بين جنود في الجيش الإسرائيلي تستغرق فيه مشاهد العري في الحمامات ربع ساعة دون وظيفة فنية سوى الإثارة، وتحاول هذه الأفلام اتهام المجتمع العربي بالتخلف الحضاري والعقد الجنسية ودفع العربي إلى حالة هياج جنسي وتحييده عن بناء مجتمعه وتخريب التقاليد العربية.

لم تستطع أكاديمية «اوسكار إسرائيل» التي أنشئت في القدس 1989 لرعاية مهرجانات سنوية إسرائيلية تتنافس فيها الأفلام الصهيونية، أن تدفع الأفلام الصهيونية إلى الإمام، فهي تجربة لم يكتب لها النجاح بدليل عدم فوز أي من أفلام جوائزها بجائزة عالمية.

منذ أكثر من خمسين سنة والنقاد يصنفون الأعمال السينمائية الصهيونية بالتقعر والسطحية والتفاهة وهي تعرّض ما بقي من أخلاق اليهودية إلى الضياع، «فالسينمائيون الإسرائيليون غير مهتمون بالإنسان وتحكمهم المصالح الخاصة وان غلفت بقشرة من الأخلاق» كما يقول المخرج اليهودي الإيراني محسن مخمل باف.

أحمد عمر

* الكتاب: السينما الصهيونية بين التجنيد والتطوع

*الناشر: وزارة الثقافة

دمشق 2006

*الصفحات: 157 صفحة من القطع المتوسط