قياساً بالشعر لا تجد الرواية العربية نفسها في حقل المنافسة، ليس لأنها فن وافد على الإنتاج الأدبي العربي فقط، بل هناك أسباب عدة تعطي الأفضلية للشعر، حيث إن العقل العربي عقل سماعي يطرب لنغمة الشعر وتداعب أوتاره الوجدانية مطولات التفاخر والبطولات ويستعذب غزل العرب عفيفاً كان أو ماجناً.
الرواية العربية كانت بحاجة إلى بنية اجتماعية مدنية أكثر متانة من علاقات الشعر الفردية القائمة على تجارب شخصية برزت للآخرين بعد ما ضاق بها صدر الشاعر فزفرها قصيدة عصماء.
في مكتباتنا اليوم عشرات الروايات التي تشبه زفرة الشاعر، حيث يحكي الراوي تجربة ذاتية عبر مئتي صفحة «في أحسن الأحوال» عن نشأته وسط بيئة فقيرة أو طبقية ثم عملية التحول التي تطرأ على حياته ذاهباً إلى المدرسة أو الجامعة، ثم منخرطاً في عمل وظيفي يرافقه التعرف إلى فتاة «عاملة» من الوسط يعيش معها قصة حب عبر عشرين صفحة من الرواية ثم يذوبان في الجماهير الهادرة كحل انخراطي في المجتمع والانتماء إلى مشكلاته،
وعادة ما يكون في تلك النوعية من الروايات شخص ثري ينافس على سرقة المحبوبة أو شخص متسلق يصعد على أكتاف الجماهير، يسرق خبز الراوي أسوة بما قدمته السينما المصرية في خمسيناتها وستيناتها، أو ما تفعله بوليوود الهندية حتى يومنا الراهن.
على شاكلة الشاعر الفرد الموجوع عاطفياً كثرت روايات تتحدث عن طبيعة هذا الوجع المترافق مع أحداث معاصرة، فبدلاً من الوقوف على الأطلال يقف الراوي على تخوم المدينة الاسمنتية التي تنفجر طولاً وعرضاً، وبدلاً من وصف الناقة كما كان الشاعر القديم، يصف الراوي سيارة السرفيس أو أتوبيس النقل العام
وكيف يحشر جسده فيه لاهثا مهموما قبل أن يلفظه في محطة قريبة من بيته يخوض فيها أوحلة الحارات الفقيرة وروائح غسيلها ليصل إلى «خيمته» (بيته) ويرمي جسده المهدود على أقرب كرسي طالبا «شربة ماء» بعدها يدلي لقمته السريعة ويشخر على طرف السرير قبل أن يتوجه إلى المقهى ليشاكس في السياسة التي سمع طراطيش عن أخبارها من احد ما.
كان الشاعر يواجه خصمه ويتبارز معه مفاخراً بحسبه ونسبه ولمعان سيفه، لأن ذلك كان من مفردات عصر النوق العصافير، لكنه اليوم «الروائي» لا توجد لديه أدوات مواجهة تفاخرية كالتي كانت ذات يوم لدى سلفه، وعليه لا بد من وجود شخص متورم في صفحات الرواية يمتلك الكثير من الأموال التي جمعها بطرق غير مشروعة
ويحاول ان يصل من خلالها إلى أعلى المراتب الاجتماعية، ولكن الراوي يفاخر بشهادته الجامعية ومبادئه الداعية إلى المساواة وبحبه الكبير لفتاته التي يريد المتورم أن يخطفها منه، وانه يملك من الحرية الداخلية ما يجعله أكثر سعادة من هذا المتسلق الذي يسرق خبز الجماهير... (لاحظوا هذه العبارة كم لها من وقع عذب على مسامع قارئ اشتراكي في عصر الفقر..)
في مكتباتنا روايات ذاتية شديدة التقوقع حول كاتبها وتشبهه سردا وتفصيلا.. ترى أية أهمية لحياة هذا الكاتب التي تستحق أن تتحول إلى فن روائي وقد خلت «الرواية» من قيمتها الزمنية التي يمكن لقارئ الألفية الثالثة أن يتقبلها كما يتقبل قصيدة «مكر، مفر، مقبل، مدبر، معا».
الفرق أن شاعر الأمس كان أصيلاً، موهوباً، مجروحاً، في حين أن الروائي اليوم يحاول أن يقلد سلفه بموهبة أقل وصفحات أكثر..
ولكن هيهات