مؤلف كتاب « المضنون الصغير» هو حجة الإسلام أبو حامد الغزالي زين الدين محمد بن محمد بن محمد الغزالي المولود في « الطبران» من مدن «طوس» في «خراسان» سنة 450 هجرية، في عصر كانت فيه الفتن الدينية والسياسية تعصف بأمن البلاد بشكل عام وبطمأنينة أهلها.
ولم يكن الإمام أبو حامد الغزالي بعيداً عن هذا المعترك، فقد عاصر الخلافات التي نشبت في ذلك الوقت، وبخاصة أنه طاف الكثير من البلاد ،فأقام في كل من « بغداد ـ الشام ـ الحجاز ـ القدس» وبذلك أيضاً اتسعت ثقافته باتساع معارف عصره، وأصبح فيما بعد مبرزاً في مختلف ضروب العلوم والمعرفة.
كان والد الإمام الغزالي رجلاً فقير الحال، يأكل من كسب يده، ليس له مورد آخر، وكان يختلف إلى مجالس الفقهاء، ويقوم على خدمتهم في أوقات فراغه، غير أنه توفي قبل أن يرى ولده الإمام الغزالي ذلك الأصولي الحاذق الماهر، والفقيه الحر، والفيلسوف الذي ناهض الفلسفة، والمربي الصادق، والصوفي الزاهد.
لقد برع الإمام الغزالي في كل علم، فشهد مجالس العلماء، وحضر الكثير من المناقشات والمناظرات والمحاورات، وشارك في بعضها وهنا أحس بالثقة تملأ أقطار حسّه وقلبه، وبالإيمان العميق على أنه قد أصبح قادراً لخوض معارك الفكر، فبرع في: المذهب والخلاف والجدل والمنطق والفلسفة والحكمة، وتصدى بالرد على أصحاب الدعاوى ،ففند وغربل، كما تهكّم ونقد نقداً لاذعاً. وعلى هذا فقد استطاع الإمام الغزالي، أن يبهر الجميع بسعة علمه وسرعة بديهته وقوة حجته وبرهانه.
و بذلك فقد توكل الإمام الغزالي على الله سبحانه وتعالى، وقصد مجلس «نظام الملك» الوزير الذي أسس المدرسة النظامية وهناك استطاع أن يبهر جميع الحاضرين بسعة علمه وقوة حجته وبرهانه، حتى أعجب به «نظام الملك» فعينه عام 484 مدرساً في المدرسة النظامية، وكان له من العمر أربعة وثلاثون عاماً، لكنه في أواخر حياته، عاد إلى منزله في «طوس» واتخذ إلى جوار منزله مدرسة لطلبة العلم، وزاوية للمتصوفين والزهاد، ووزع أوقاته على ختم القرآن الكريم ومجالسة طلاب العلم وأرباب القلوب، إلى أن وافته المنية سنة 505هجرية.
ترك لنا الإمام الغزالي أكثر من سبعين كتاباً، وقد استقصى الأستاذ الجليل عبد الرحمن البدوي أسماء مؤلفات الغزالي كلها في كتاب سماه «مؤلفات الغزالي» لعل من أهمها ـ إحياء علوم الدين ـ تهافت الفلاسفة ـ المنقذ من الضلال ـ منهاج العارفين ـ بداية الهداية.
أما كتابه : «المضنون الصغير» فهو أجوبة الإمام الغزالي في المسائل الأخروية وأولها قوله تعالى :« فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي» حيث يبدأ إجابته بالتسوية : فقد سوى الله آدم من طين، من صلصال من حمأ مسنون، والحمأ : هو الطين الأسود، والمسنون : المصور، فالتسوية عند الإمام : هي فعل في المحل المقابل للروح. . وهو الطين في حق آدم عليه السلام، والنطفة من حق أولاده بالتصفية وتعديل المزاج. .
ثم يتابع النفخ : وهو عبارة عما أشعل نور الروح في فتيلة الفطنة. وللنفخ : صورة ونتيجة. . أما صورته فإخراج الهواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه، حتى يشتعل الحطب القابل للنار، فالنفخ سبب الاشتعال.
ثم يتعرض الروح، لكن الإمام لا يقول في ذلك لأنه لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كشفه لمن ليس أهلاً له. ثم يضيف : إن الروح ليس بجسم يحل البدن حلول الماء في الإناء، ولا هو عرض يحل القلب والدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالم، بل هو جوهر وليس بعرض ـ والعرض : هو الموجود الذي يحتاج في موجوده إلى موضع أي محل يقوم به.
ثم لا ينسى «الإمام الغزالي» أن يتعرض للجوهر نفسه فيقول : لا هو داخل ولا هو خارج، ولا هو منفصل ولا متصل، لا هو عالم ولا هو جاهل ،لأن مصحح العلم والجهل هو الحياة، هو منزه عن الحلول في الحال والاتصال بالأجسام.
و نلاحظ الكلام الفلسفي الذي اعتمده الإمام في تعريفاته ووضعه ويختم كتابه في فصل سماه : في صورة آدم على صورة الرحمن حين يقال للإمام ما معنى قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته وهنا يقدم الإمام كلاماً فلسفياً، كيف أن الله سبحانه وتعالى قد كرّم الإنسان في ذلك وشرفه.
ثم يقدم الإمام في خاتمة كتابه، جملة من الوصايا لصلاح النفس، والإمام العادل، وثماني فوائد من فوائد العلم، ليكون الكتاب روضة للمجال والروعة والمعرفة.