أجرى موقع «بورزوي ريدرز» الثقافي الالكتروني المتخصص في عروض الكتب هذه المقابلة مع كاثرين مين، الروائية الأميركية من أصل كوري بمناسبة إصدار روايتها الأولى بعنوان «عالم مستعمل» وعكوفها على انجاز روايتها الثانية بعنوان «سوناتا الانتحار».
حيث ألقت الضوء إلى الانجذاب على الآخر باعتباره بؤرة اهتمامها والمحور الرئيسي لكتاباتها، وأبرزت تأثير الثقافة الكورية التي ينتمي إليها والداها اللذان هاجرا إلى أميركا على إبداعها، وأشارت إلى العالم الخلفي الذي استلهمت منه روايتها الثانية التي تعكف على انجازها في الوقت الحالي. وفيما يلي نص المقابلة:
* متى أدركت للمرة الأولى أنك ترغبين في أن تصبحي كاتبة؟
ـ أخشى أنني كنت في طفولتي كاذبة لا أمل في علاجها من داء الكذب، حيث لم تكن الحقيقة بالشيء الذي يروق لي. وكانت الأكاذيب التي روجتها مما يستعصى حرفياً على التصديق، من قبيل أنني كنت حقاً سويدية، ولكنني أجريت لي عملية جراحية لإخفاء نفسي. ومن مثل هذه البدايات الحقيرة ليس للمرء خيار إلا أن يصبح كاتباً روائياً أو مجرماً، فيما أظن.
الأخريات يحلمن بيوم زفافهن أو بليلة التخرج من المدرسة كنت أحلم بإصدار كتاب من تأليفي عبر دار نشر كبرى، وأنا دليل حي على أن بعض الأحلام يكتب له التحقق.
* من هم الكتاب الذين كان لهم تأثير كبير عليك؟
ـ هناك كتابان تركا تأثيراً عميقاً في نفسي باعتباري كاتبة شابة، وهما «حدث في بوسطن» لراسل جرينان، و«أشباح» لأورسولا بيرين. وعلى مكتبي تجد:
جاتسبي العظيم، إلى الفنار، مدام بوفاري، لوليتا، أهالي دبلن، والطريق الثوري. ومن المؤلفين المعاصرين الذين يثيرون دهشتي باستمرار مارلين روبنسون، أليس مونرو، جيفري يوجينايدز، جي. إم كويتزي، إليزابيث ستراوت، جيمس سولتر، تشانغ - رأي لي، وجراهام سويفت.
* تعد إيزادورا مايونغ سون، أو إيزا، شخصية مؤثرة، وهي أميركية شابة من أصل كوري نشأت في تشينكتادي بنيويورك، تكافح لإيجاد توازن بين مطالب وتوقعات والديها المهاجرين الكوريين التقليديين من ناحية وضغوط ومؤثرات الحياة في الضواحي الأميركية. كم من هذا يقوم على أساس تجاربك كأميركية من أصل كوري؟ كيف عثرت على صوت هذه الشخصية؟
ـ إن الاطار الخارجي لحياة إيزا - أي النشأة في ضواحي ولاية نيويورك لأبوين كوريين - يشبه الإطار الخارجي لحياتي. ومن المؤكد أنني قد استلهمت تجاربي الشخصية بطرق عامة، تجارب في النزعة العنصرية، الصراع العابر للثقافات، كراهية الذات.. إلخ. لكن إيزا امرأة متفردة، وصوتها ينبعث من موضع أكثر ظلاماً وأشد اضطراباً.
* لعلاقة إيزا بـ «هيرو»، وهو فتى هجين شبه كفيف في مدرستها الثانوية، تأثير عميق عليها. لماذا كانت علاقتهما مهمة للغاية بالنسبة لإيزا؟
ـ من الأمور التي أكتب عنها كثيراً الانجذاب إلى الآخر. وعندما كنت في مقتبل العمر أردت بصورة بائسة أن أكون شقراء. ويرجع ذلك في أحد جوانبه إلى أن الشقراوات كن قاعدة الجمال في أميركا آنذاك.
ولكنه يرجع في الجانب الأكبر، فيما أعتقد، إلى أن الملامح الشقراء كانت مختلفة عما كنت عليه. وبالنسبة لإيزا فإن الشخص الملون في مدرسة غالبية طلابها من البيض، «هيرو» يعد صورة عكسية، هو حرفياً شخص بلا لون. وهو فتى عجيب، وعلى العكس من إيزا فإنه فيما يبدو يشعر بالارتياح مع اختلافه.
وتلفت نظرها ثقته وحسنه المتألق والمنتمي إلى عالم آخر. وبالطبع، فإن إيزا وهيرو متشابهان للغاية، فهما كلاهما مغتربان، وكل منهما يحتمي بأبويه، ومظهره يحدده باعتباره مختلفاً عن الآخرين. وهما يشتركان في موقف معين متمرد، وهما معا يتجاوزان الاختلاف على نحو ملغز من خلال الغرق فيه.
* تهيمن الحرب الكورية على الجيل الذي هاجر إلى الولايات المتحدة في الخمسينات والستينات. كيف يؤثر ذلك على عائلة سون في رواية «عالم مستعمل»؟
ـ كانت الحرب الكورية حدثاً محدداً للملامح بالنسبة لجيل أبوي، وقد قتل فيها ثلث الجيل الذي كان في المدارس الثانوية مع أبي لدى نشوبها، وقد قسمت البلاد وقصمت ظهرها. لنتصور أن الحرب الأهلية الأميركية قد أفضت إلى إنشاء أمتين منفصلتين متعاديتين. ولكل شخص في عمر أبوي تقريباً قريب أخذ إلى كوريا الشمالية أو تصادف أنه كان فيها عندما وقع الانقسام، والكثير منهم لا يعرف حتى اليوم ما إذا كان هؤلاء الأقارب على قيد الحياة أم أنهم قضوا نحبهم. وهذه مأساة هائلة الأبعاد.
وقد أردت أن استكشف الطرق التي يؤثر بها تاريخ آبائنا وأجدادنا علينا، حتى عندما لا يتم تقاسم هذا التاريخ. ومن الصحيح على الدوام أنه أيا كانت التجارب التي مر بها آباؤنا فإنها ستؤثر في حياتنا بطرق لا يمكننا أن نعرفها، ولكنه من الصحيح بصفة خاصة أن هذا ينطبق على أبناء المهاجرين بصورة أقوى.
* تواجه عائلة سون تحدي أبوين مهاجرين لهما أبناء ولدوا في أميركا والصراع بين الاندماج والتمسك بالثقافة الكورية. كيف يؤثر ذلك في حياة العائلة؟
ـ لديَّ قدر هائل من التعاطف مع والدي إيزا. فليس بمقدوري تخيل الانتقال إلى فرنسا، على سبيل المثال، وتربية أطفال على الحديث بالفرنسية والحياة في إطار الثقافة الفرنسية. ويبدو ذلك أمراً لا سبيل إلى التفكير فيه. ولكن هذا هو ما قام به والد إيزا، فقد انتقلا إلى أميركا وأنجبا أبناء لا يتحدثون اللغة الكورية ولا يتصرفون كالكوريين. وهما يحاولان الاندماج في الثقافة التي تبنياها، وهي مسألة مرهقة بصورة مستمرة.
ومن الأمور التي يتخلى عنها الآسيويون بصفة خاصة شبكة العائلة الممتدة التي تدعم جهودهم كأفراد. وقد أمضت أم إيزا وقتاً عصيباً بعد وفاة ستيفن. وكانت تعاني بالفعل من العزلة عن الثقافة بحكم الاختلاف، وهي منعزلة بصورة مضاعفة في غمار الحزن. ومن جانبها فإن إيزا تريد أن تكون فتاة عادية، شأن كل الأميركيين. والمراهقون غالباً ما يحرجهم آباؤهم.
ولكن أبناء المهاجرين يميلون بصفة خاصة إلى الشعور بالخجل من لكنة آبائهم وكونهم أجانب بصورة جلية في نظر الآخرين. وفي بعض الأحيان تكون لدى الآباء المهاجرين توقعات بالنسبة لأبنائهم تنطلق من القيم التقليدية لوطنهم. وهي صلة معقدة تربط إيزا وأبويها بمزيد من الإحكام، وهناك الكثير مما يستعصي على التعبير عبر حواجز الثقافة واللغة.
منى مدكور