ساهم في تأليف هذا الكتاب عدد من الباحثين المتخصصين في مختلف المجالات العلمية، وبوجه خاص: «نيكولا بلانسيل»، المؤرخ والأستاذ في جامعة ستراسبورغ الثانية؛ و«باسكال بلانشار» المؤرخ والباحث المشارك في المركز القومي للدراسات العلمية.
و«أحمد بو بكر» العالم الاجتماعي والأستاذ المحاضر في جامعة ميتز؛ و«آنا بوزو» أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في جامعة روما الثالثة؛ و«آشيل مبيمب» أستاذ التاريخ والعلوم السياسية في جامعة «ويتواترسراند-جوانزبورغ»؛ و«مارك فيرو» مدير الأبحاث في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية.
لإمبراطورية الفرنسية، فإن المجتمع الفرنسي يعيش هاجس ماضيه الاستعماري الذي يلاحقه اليوم. ولهذا فإن مختلف الباحثين يطرحون الأسباب التي خلقت هذا الهاجس والنتائج التي يؤدي إليها والتي تعود بوجه أساسي إلى «الشرخ الاستعماري»؛ ومن هنا موضوع الكتاب.
فإلى جانب «الشرخ الاجتماعي» الذي طرحه الرئيس الفرنسي شيراك منذ أعوام والذي لم تتم تسويته حتى الآن؛ فإن الشرخ الاستعماري يخرج إلى السطح خالقا بذلك توترات حادة في الواقع الفرنسي، لماذا؟ لأن ممارسات صفوف التمييز والعنف والإقصاء التي قامت بها الجمهورية الفرنسية في علاقتها مع سكان مستعمراتها السابقة، إنما تتجدد أيضا في العلاقة التي تقيمها مع المهاجرين المنحدرين من هذه المستعمرات والذين يقيمون في فرنسا اليوم.
إن النقاش ما زال مستمرا حول ماضي الفتوحات والتوسع والاستعمار، بل لقد اكتسح المجال العمومي، مسلطا بذلك الضوء على «الزمن المحجوب» أو «الزمن المكبوت» الذي يتفجر اليوم على يد أبناء الهجرة في أمكنة متعددة في فرنسا، والذي أدى إلى الاضطرابات الساخنة فيها والوصول إلى إعلان حالة الطوارئ في بعضها.
هذا كله يثير التساؤل حول الطريقة التي تمّ فيها تصوير أسطورة الماضي التوسعي الاستعماري المنسوج في المخيلة الفرنسية على أنه ماض زاه وخالص لمصلحة الشعوب المستعمرة. كما أنه يطرح التساؤل حول «العبقرية الفرنسية» التي حُبكت أسطورتها من مبادئ الثورة الفرنسية والقيم الكونية الشمولية للجمهورية الفرنسية في الحرية والمساواة والإخاء.
فالشعور القائم اليوم هو أن هاتين الأسطورتين تتعرضان للزعزعة على ضوء الوقائع المأساوية التي عرفها سكان المستعمرات سابقا والتي يعيشها أبناء الهجرة في قلب المجتمع الفرنسي بالذات.
ومحاولة الدولة الفرنسية في إصدار تشريع قانوني يقول بالمحصلة «الإيجابية إجمالا» للاستعمار الفرنسي وبنسيان التفاوتات التي خلقتها في المستعمرات والجرائم التي ارتكبتها والتمييز «العنصري» فيها بين «الأوروبي» و«غير الأوروبي» لم يفعل أكثر من صب الزيت على النار، وانقسام المجتمع الفرنسي إلى من يدافع عن تلك المحصلة الإيجابية وإلى من ينقدها ويهاجمها.
ويشير الباحثون إلى أن جبهة تشكلت باسم «جبهة الجمهورية» تجمع عددا واسعا من اليمين واليسار الفرنسي ومن أساتذة الجامعات والنخبة الإعلامية الفرنسية للدفاع عن أعمال فرنسا في المستعمرات. فقسم منها يدعم كتابة التاريخ الفرنسي بشكل رسمي و«بما يتطابق مع قيم الجمهورية»، وقسم آخر يركز على الخدمات التي قدمتها فرنسا لسكان المستعمرات، وقسم ثالث يشدد «الهجوم على الإسلام» أو على «رعاع الضواحي» التي يسكنها أبناء الهجرة.
ما الذي يكمن وراء ذلك كله؟ إنها النظرة التي يحملها الجميع حول الأمة الفرنسية ذات الرسالة التحضيرية وحول جمهوريتها ذات المبادئ الكونية، هذه النظرة المتضادة مع التراث التوسعي-الاستعماري القائم على التمييز بين «الأوروبي المتفوق الأبيض» وبين «البلدي المتوحش ذي الألوان».
هذا يعني وضع تراث المرحلة التوسعية الاستعمارية أمام قفص الاتهام، وأن المبادئ الكونية العليا من شأنها أن توضع في خدمة السيطرة والاستغلال والقوة كما حدث بالنسبة لمبادئ أخرى في العالم. هكذا يقول مؤرخ معارض «لجبهة الجمهورية» إنه «لا تتعارض الهجرة والاستعمار والرق مع تاريخ فرنسا بقدر ما تشكل جزءاً لا يتجزأ من هذا التاريخ».
والواقع أن هذه النظرة التجريدية التي تريد وضع التاريخ الاستعماري جانبا للإبقاء على الجانب الجمهوري فيه، إنما تقوم على أيديولوجية التوحيد الذي لا يقبل الاختلاف فيه، وعلى النموذج الذي يرفض كل خصوصية للآخر.
وإذا كانت رسالة الأمة وجمهوريتها تعني تحضير سكان المستعمرات باتجاه التوحيد والتمثل، فإن هذه الرسالة ما زالت قائمة في العلاقة مع المهاجرين يرفض مسألة الاختلاف أو الاعتراف بأية خصوصية لهم.
ومثلا كيف لنا أن ننظر إلى وطأة التمييز ضد المهاجرين المتجددين من الإمبراطورية السابقة الفرنسية دون العودة إلى المرحلة الاستعمارية التي أسسته؟
وكيف لنا أن نفسر التوترات بين الجماعات السكانية في فرنسا وبروز الهويات الجامعة لهم وانكماش الضواحي على نفسها إلا نتيجة لاستمرار السياسات الاستعمارية مع «الآخر» المختلف الذي يجب تمثّله؟ وأخيرا كيف لنا أن نرى استمرار معاندة قسم واسع من النخب الثقافية والسياسية والإعلامية في «رؤيتها الجمهورية» إلا برفض التحولات التي تجري في عالم اليوم؟
إن موقف فرنسا من ماضيها الاستعماري فريد من نوعه. فكل العواصم الغربية الاستعمارية قد واجهت هذا الماضي في حين «أن فرنسا، هي البلد الأوروبي الوحيد» الذي يعيش «الحنين إلى الماضي الاستعماري» عبر استبدال ما هو استعماري اضطهادي بما هو جمهوري تحضيري.
هذا الانتقام يعمق الشعور لدى جزء من سكانها (أي المهاجرين المنحدرين من المستعمرات الفرنسية السابقة) على أنهم بلا تاريخ عاش آباؤهم وأجدادهم ويعيشونه اليوم تمييزا وإقصاء لهم. كما أنه يساهم في حجب الحقيقة عن تطبيق السياسات التي تقوم بها الدولة الفرنسية اليوم في علاقاتها مع إفريقيا أو بعض البلدان العربية والتي يصفها عديد من الباحثين على أنها «نمط استعماري جديد».
هذا كله يدعو «بيير جوكس» الذي تقلد عدة مناصب وزارية في مرحلة الرئيس السابق «فرانسوا ميتران»؛ إلى «ثقافة تاريخية» قائلا: «نحن نحمل عادة النظر إلى الآخرين كرعايا، وأن نتعايش معهم كأفراد ذوي وضعية قانونية دونية، وأن نشغّلهم لحسابنا دون أن يتمتعوا بحقوق الإنسان وأقل من ذلك بحقوق المواطن. ما ينقص فرنسا بشكل ما هو وعي الجرائم التي تمت باسمها طوال الحقبة الاستعمارية.يجب التوجه نحو ثقافة تاريخية موجودة لدى قسم من اليسار والطبقة المثقفة، ولكنها غائبة في النقاش العام، كما تمت التغطية عليها في حين أنها ضرورية من أجل إدراك العديد من الصعوبات التي نعانيها اليوم».
وتتحدث المؤرخة «آنا بوزو» عن علاقة الجمهورية بالإسلام وذلك كتاريخ طويل من الشك والحذر بدأ منذ احتلال الجزائر ويستمر حتى اليوم مع أبناء الهجرة في المجتمع الفرنسي. ذلك أنه بالرغم من أن «الأحكام القانونية» لدولة الحق لا تمنع من إبداء مظاهر الانتماء الديني، فإن أغلبية المجتمع الفرنسي تنظر إلى هذه المظاهر كعملية «تمييز» بين المواطنين، وعلى أنها تعبير عن «أصولية دينية» أو نزعة باتجاه «الانكفاء على الذات».
والنتيجة وجود علاقة توتر تعود أساسا إلى العلاقة التي أقامتها الجمهورية الفرنسية مع الإسلام في الجزائر حيث وُجدت أقلية من المستوطنين الأوروبيين تتمتع بكافة الحقوق المدنية والسياسية، وأكثرية من «أبناء البلد» المسلمين المحرومين عموما من هذه الحقوق.
وباعتبار أن الإسلام كان العقيدة الدينية المسيطرة في الجزائر، فلقد كان على المستعمر أن يضع يده عليه أسوة بما قامت به حسب «ابن خلدون» الدول الإسلامية المتعاقبة وذلك لنزع فتيل الاحتجاج الذي يحمله الإسلام نفسه ضد أي حاكم ظالم ولا يحترم التعاليم الإسلامية العليا، كيف؟
إن ذلك يتم بإلحاق الشؤون الدينية بالدولة وكسب العلماء إلى جانب الحاكم وممارسة القمع إن لزم الأمر. هذا ما فعلته فرنسا في الجزائر بوضع «الحبوس» بيدها وتأطير ما أمكن من رجال الدين حولها، أي خلق «إسلام رسمي» مطوّع.
هذا ما يفسر عدم تطبيق القانون 1905 بفصل الدين عن الدولة في الجزائر بالرغم من مطالبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بذلك طوال أعوام 1930، 1940، 1950. والدولة الاستقلالية الجزائرية لم تفعل هي أكثر من جعل «الإسلام» لأسباب أيديولوجية «إسلام دولة رسمي».
وفرنسا تعود اليوم إلى نفس السياسة التي أقامتها في الجزائر بإقامة «جمعية للمسلمين» تستطيع من خلالها تأطير الإسلام وإبقائه تحت رقابة الجمهورية بما يعكس «الحذر التاريخي» في علاقتها به. ولكن إذا كان الأمر قد تم في الجزائر إزاء أكثرية مسلمة: فإنه يتم اليوم داخل المجتمع الفرنسي إزاء «أقلية مسلمة» أي أننا في أوضاع مختلفة ولكننا أمام نفس السياسة وتبريرها عبر الخلط بين «الإسلام» و«الإرهاب».
والسؤال الذي يبقى قائما باستمرار هو التالي: إذا كانت الجمهورية الفرنسية قد ارتبطت بتاريخ استعماري ثقيل أفلا تمتلك بنفس الوقت ما يمكنها اليوم من الاعتراف بالآخر والقبول بالاختلاف والتوجه نحو ديمقراطية تنفتح على الجميع وتبني المستقبل مع الجميع؟
* الكتاب: الشرخ الاستعماري
*الناشر: لاديكوفرت ـ باريس 2006
*الصفحات: 315 صفحة من القطع المتوسط
La fracture coloniale
Ouvrage collectif
La découverte- Paris 2006
P.41