تعد مأساة «ديك الجن الحمصي » واحدة من أغرب المآسي وأشدّها فجيعة في تاريخ شعراء العربية، بل هي فريدة في بابها، لم تضارعها أية مأساة معروفة ولذلك تواترت روايتها في كتب التراث من عصر إلى عصر، وامتدت ذيولها حتى عصرنا الراهن، وكانت ومازالت ملهمة لكثير من الشعراء.

وقد رواها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والقصة أن « ديك الجن» قد أحب جارية نصرانية وتعلّق بها، لكن أهله وجماعته كانوا ضد زواجه فدبروا مكيدة له بأن يشك فيها، وهكذا كان فقتلها بسيفه وشرب من دمها لكنه ندم فيما بعد وظل نادماً يبكيها إلى أن توفي ومن أجمل ما قال في ذلك:

يا طلعة طلع الحمام عليها

و جنى ثمر الردى بيديها

روّيت من دمها الثرى ولطالما

روّى الهوى شفتيّ من شفتيها

أما اسم «ديك الجن الحمصي» فهو عبد السلام بن رغبان وقد غلب عليه لقب «ديك الجن» حتى كاد يطمس اسمه، فأصبحت معظم كتب الأدب تستغني بذكر اللقب عن ذكر اسمه، وقد ذكرت كتيب التراث أسباباً عدة لغلبة هذا اللقب عليه، السبب الأول : إدمانه الخروج إلى البساتين في ظاهر حمص، وقد ربط هذا التعليل بين «عبد السلام» وبين دويبة صغيرة اسمها «ديك الجن» وهي دويبة توجد في البساتين.

السبب الثاني: وقد ربط هذا التعليل بين ألوان الديك المتنوعة وبين عيني «عبد السلام» الملونتين، فشبه بالديك لتلون عينيه .السبب الثالث : ذكره الديك في شعره، فقد ورد في كتاب «سرور النفس» عبد السلام بن رغبان ديك الجن يرثي ديكاً.

و باعتقاد معظم الدارسين أن ما أُثر عن الشاعر من ولع في الخروج إلى البساتين وهو أرجح هذه الأسباب، وليس رد ذلك إلى الدويبة، إنما لأن عبد السلام كان يرفع عقيرته بالغناء أو إنشاد الشعر في أخريات الليل وهو عائد مع أصحابه من سهراته الطويلة ومجالس الأنس والخمر في غياض العاصي، فيخرج سكون الطبيعة والمدينة الهاجعة، ومن المعروف أن الديكة تصدح في أوقات متفرقة من الليل .

ولد الشاعر «عبد السلام بن رغبان» سنة 161 هجرية في مدينة «حمص» في وسط سورية، وفيها توفي سنة 236 هجرية، في خلافة المتوكل، لم تذكر كتب التراث إلا القليل عن أسرته، ومن هذا القليل نتعرف إلى «أبي الطيب» ابن عم ديك الجن، هذا الرجل المتدين المتزمت، الذي كان غير راض عن سيرة الشاعر، واستمر في مطاردته ووعظه حتى تسبب في مأساته الشهيرة مع زوجته «ورد» .

و نعرف من سيرة الشاعر أن حياته في مرحلة الشباب قد سارت على صورة واحدة وكانت اللذة المادية في شتى أشكالها وألوانها هي المكوّن الأساسي لهذه الصورة، أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة « ورد» لكن هذه المرحلة لم تنقض بسلام، بل مرت في حياته مرور العاصفة العنيفة، التي انقشعت بعد حين مخلّفة وراءها خراباً لا يعمّر، وكسراً لم تجبره يد الزمن .

لقد أحدثت شرخاً عميقاً في قلب «ديك الجن» واستمر هذا الشرخ المتفجع ينزف مرارة وفجيعة، صابغاً أيامه بلون الدم المراق .

عاش «ديك الجن» في عصر قمة الثقافة والازدهار الحضاري في العصر العباسي، وكان على الشاعر أن يكون مثقفاً، ملماً بفنون عصره وعلومه ليتمكن من السير في زحمة حركات الإبداع والتجديد، وقد استطاع «ديك الجن» أن يكون واحداً من شعراء عصره المثقفين المبدعين والمجددين، فكان واحداً من عشاق الغناء والموسيقى، فالشعر والموسيقى فنان متواشجان.

ولا يخفى ما كان للغناء والموسيقى من أثر في تطور الشعر وبخاصة موسيقاه وكان للغلق الذي غلّق حياته بحكم إحساسه بأن عاصر ومطارد أثر في شعره فكان يخاف من السلطة العباسية لأنه كان يقف في صفوف المعارضة الشيعية المناصرة لآل البيت وحقهم في الخلافة.

إضافة لخوفه من المرأة، هذا الخوف الذي ولّد عنده عقدة الشك بوفاء المرأة، وأوصله ذلك إلى ما أوصله ،إضافة إلى أنه كان حاد الطبع، ناري المزاج، شديد النزق، عنيفاً حتى حدود التهور القاتل الذي لا يتبصر بالعواقب .