مؤلفة هذا الكتاب هي باتريشيا ليفي أستاذة علم النفس في العديد من الجامعات الأميركية. وبما أنها تحب ايرلندا فقد كرست لها كتابا كاملا للتحدث عن تاريخها، وثقافتها، وجغرافيتها، وطبيعتها الخلابة. وبالطبع فهي تتحدث عن مشاكلها السياسية أيضا، وهي عائدة في قسم كبير منها كما هو معروف إلى الصراع الدائر على مدار القرون بين المذهبين الأساسيين في المسيحية: المذهب الكاثوليكي، والمذهب البروتستانتي. تقول المؤلفة بما معناه:
في الواقع أن ايرلندا كانت كلها كاثوليكية، ولكن بما أن انجلترا استعمرتها فإنها أصبحت مختلطة وتحتوي على أقلية بروتستانتية، وذلك لأن الاستعمار الانجليزي كان استعمارا استيطانيا ويهدف في نهاية المطاف إلى ضم ايرلندا إلى التاج البريطاني. ولذلك فإن ملك انجلترا صادر أراضي الإقطاعيين الكاثوليكيين وأعطاها للمستوطنين الانجليز البروتستانتيين، وهذا ما أدى إلى حصول اضطرابات مذهبية عام 1641 ضد المستعمرين الانجليز وأعوانهم البروتستانتيين. وقد نشبت هذه الاضطرابات أولا في مدينة أوليستر ونواحيها، وأدت إلى حصول مجازر كبيرة في أوساط الأقلية البروتستانتية على يد الكاثوليك الثائرين. وكرد على هذا العدوان ذهب كروميل إلى ايرلندا على رأس جيش عرمرم يضم ما لا يقل عن عشرين ألف جندي مدجج بالسلاح.واجتاح كل المدن والأرياف الايرلندية ذات الأغلبية الكاثوليكية.
وأعمل فيهم المجازر حتى استأصل منهم ثلث السكان! واشتهر كرومويل بأنه أكبر سفاح في تاريخ ايرلندا . وكان يقول لأتباعه البروتستانتيين: اقتلوهم، اقتلوهم عن بكرة أبيهم، فإن الله يعرف عباده الصالحين! بمعنى أنه لا يجب التفريق بين كبير وصغير، أو غني وفقير، أو عجوز وطفل، الخ. فإذا كان فيهم شخص صالح فإن الله يعرفه ويدخله جنته. أما نحن فليس لدينا الوقت الكافي للتمييز بينهم، وإنما ينبغي علينا قتلهم كلهم.
ثم تردف المؤلفة قائلة:وبعدئذ صعد على سدة العرش الملك جاك الثاني وكان من أتباع المذهب الكاثوليكي. ولذلك فقد سنّ قانونا يقضي بطرد المستوطنين البروتستانتيين الانجليز من الأراضي الايرلندية.ولكن ملك الانجليز رد عليه بالصاع صاعين فورا. فقد أرسل له جيشا ضخما وهزمه في معركة مشهورة عام 1690. وأمر ملك الانجليز باستئصال الأفكار البابوية الكاثوليكية «السيئة» من ايرلندا .وبعدئذ أصبح الكاثوليك عبارة عن أغلبية مضطهدة في بلدها وعقر دارها.
ولم تعد تملك إلا 15 بالمئة من أراضيها. وفرضت عليها قوانين مجحفة تمنعها من ممارسة الكثير من الحقوق. وأصبحوا عبارة عن مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة. وبدءًا من ذلك التاريخ وحتى اليوم - أو قل حتى أمد قريب- ما انفكت الصراعات المذهبية تشغل التاريخ الايرلندي. ومعلوم حجم التفجيرات والمجازر التي ارتكبتها المنظمة السرية للجيش الجمهوري الايرلندي ضد البروتستانتيين سواء داخل ايرلندا أم داخل انجلترا ذاتها.
ولكن يبدو أن هذا الصراع التاريخي في طريقه إلى الحل بعد تدخل الولايات المتحدة. وهكذا يكون قد استمر ثلاثة قرون وأصبح بالتالي أطول صراع طائفي أو مذهبي في تاريخ القارة الأوروبية.ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعدئذ شهدت ايرلندا أكبر مجاعة في تاريخها. وكان ذلك عام 1845، أي في منتصف القرن التاسع عشر.
وقد أدت إلى وفاة مئات الألوف من المزارعين وبخاصة الكاثوليك. وفي الوقت الذي كانوا يموتون كانت محاصيلهم ودوابهم وحيواناتهم الداجنة ترسل إلى انجلترا لإطعام الانجليز!ولكن كان هناك سبب آخر للمجاعة هو سوء محاصيل البطاطا. ومعلوم أن الشعب الفقير كان يعيش على أكل البطاطا، ولكن في ذلك العام ضربت المحاصيل بسبب الأحوال الجوية وعندئذ لم يعد عند الشعب شيء لكي يأكله.
ويقال بأن عدد الفلاحين الايرلنديين الذين ماتوا من المجاعة يتجاوز المليون نسمة! وهو رقم كبير بالنسبة لبلد لا يتجاوز عدد سكانه الثمانية ملايين. وفي تلك الظروف المأساوية بالذات هاجر أكثر من مليون شخص إلى الولايات المتحدة بحثا عن الخلاص، عن حياة أفضل من هذا الجحيم.
ومن بين المهاجرين كان جد جون كندي الرئيس المقبل للولايات المتحدة الأميركية، فهو الرئيس الكاثوليكي الوحيد لأميركا. ومعلوم أن والده جوزيف كندي كان يكره الانجليز كالطاعون لسبب بسيط: هو أنه إيرلندي كاثوليكي ولم ينس الاضطهاد الذي تعرضت له طائفته على يد الانجليز البروتستانتيين. بل ووصل الأمر بوالد جون كندي إلى حد أنه تمنى انتصار هتلر على انجلترا أثناء الحرب العالمية الثانية!
والأنكى من ذلك هو أنه كان سفيرا لأميركا في لندن. وعندما عرف الرئيس روزفيلت بحقيقة عواطفه عزله من منصبه ووبخه توبيخا شديدا. والواقع أنه غير رأيه بعد دخول الولايات المتحدة ذاتها الحرب ضد هتلر. فولاؤه لبلاده أميركا كان يمنعه من أن يتمنى هزيمتها.
مهما يكن من أمر فإن أي بلد في العالم لم يدفع ثمن الحزازات المذهبية أو الصراعات الطائفية مثلما دفعت ايرلندا. ولا يشتبهها في ذلك إلا لبنان أو العراق حاليا. ولكنها تجاوزت أزمتها مؤخرا بسبب نيل الكاثوليك لحقوقهم كاملة وعلى قدم المساواة مع البروتستانتيين، ثم بسبب ارتفاع مستوى المعيشة وانتشار الأفكار التنويرية وتراجع أفكار التعصب المذهبي هناك. وهذا أكبر دليل على أن الوحدة الوطنية في أي بلد لا يمكن أن تتحقق ما دامت الأصوليات الطائفية مزدهرة وقوية وتسيطر على عقول قطاعات واسعة من السكان.
ثم تردف المؤلفة قائلة: أما عاصمة ايرلندا فهي دبلن التي أنجبت بعضا من كبار الأدباء والشعراء في العصور الحديثة من أمثال: جوناثان سويفت، وأوسكار وايلد، وتوماس مور، وويليام بتلر ييتس، وجيمس جويس، وصموئيل بيكيت، وعشرات غيرهم. وتتميز ايرلندا بطبيعة ساحرة وريف رائع وشواطئ هادئة. ولذلك فإنها تجذب إليها ملايين السياح سنويا. وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، وقد استعادت عافيتها وازدهارها الاقتصادي والاجتماعي بعد أن سيطرت على أزمتها السياسية والدينية والطائفية.
وبالتالي فهي الآن بلد حضاري آمن خال من الاضطرابات والتفجيرات والاغتيالات. حقا لقد ولّى الزمن الماضي، زمن الانقسامات والجراحات والعداوات بين أبناء الوطن الواحد.وقد أصبح الجميع مواطنين من الدرجة الأولى، لا فرق بين كبير وصغير، أو بين كاثوليكي وبروتستانتي. كلهم مواطنون ايرلنديون بنفس الدرجة وعلى نفس المستوى.
ويمكن القول بأن تطور الحضارة الغربية الأوروبية والأميركية ساهم في التأثير على الايرلنديين وإخراجهم من عقليتهم المتعصبة والضيقة. فلم يعد بالإمكان أن تظل ايرلندا متخلفة عقليا ومتعصبا طائفيا وهي محاطة بقارة أوروبية مستنيرة ومزدهرة. وبالتالي فإن دخول ايرلندا في الاتحاد الأوروبي ساهم كثيرا في إخراجها من عزلتها وحل مشاكلها الداخلية التي تفاقمت كثيرا على مدار العصور.
يضاف إلى ذلك أنها رزقت مؤخرا بطبقة سياسية جديدة ذات عقلية منفتحة وقادرة على تجاوز محنة البلاد العصيبة.ولذلك أصبحت البلاد من أكثر بلدان العالم تطورا من الناحية الصناعية والعلمية والزراعية والثقافية. وهذا دليل على أن من يخرج من محنته العصيبة يصبح أقوى مما كان عليه سابقا. فالأزمات تصنع البلدان مثلما تصنع الرجال.
*الكتاب: ايرلندا
*الناشر: مارشال كافنديش
نيويورك ، لندن 2006
*الصفحات:272 صفحة من القطع الكبير
Ireland
Patricia Levy
Marshall Cavendish NewYork, London 2006
p.272