مؤلف هذا الكتاب هو جميل هلال، سوسيولوجي وكاتب فلسطيني، له العديد من المؤلفات، منها: «استراتيجية إسرائيل الاقتصادية للشرق الأوسط»، و«النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو»، و«تكوين النخبة الفلسطينية». وله مساهمات في مجلات ودوريات عربية وأجنبية، وحرّر مع «إيلان بابه» كتاباً عن الرواية التاريخية من وجهتي النظر الفلسطينية والإسرائيلية، نُشر باللغة الإيطالية عام 2004. وهو محرر مشارك في مجلة «الدراسات الفلسطينية».
ويهتم المؤلف في كتابه الجديد «الطبقة الوسطى الفلسطينية»، بموضوع الطبقة الوسطى الحديثة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبشكل أساسي بعد قيام سلطة وطنية على أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967، ويبحث عن علاقتها بالطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى.
ويعرض لأهم الإشكاليات المنهجية التي يفرضها البحث حيال الحالة الفلسطينية الخاصة، ثم يستعرض محددات الطبقة الوسطى الفلسطينية وآليات إنتاجها وتأثير قيام سلطة فلسطينية عليها، ويطرح أسئلة عن ظروف نموها وعلاقتها الاجتماعية والسياسية، مستنداً إلى منهجية متعددة الأدوات جمعت بين عدة مناهج بحثية، وأولت أهمية خاصة للحوار واللقاء مع طيف واسع مع شخصيات تمثل الطبقة الاجتماعية وعلى صلة ومعرفة بها. كما يناقش المؤلف التعبيرات السياسية والفكرية للطبقة الوسطى الفلسطينية، راصداً رؤيتها لنفسها وتأملها لدورها وكيف تقدم نفسها.
والواقع أنه من النادر أن نعثر على دراسات عن الطبقة الوسطى لا في فلسطين فحسب، بل في البلدان العربية أيضاً، لأسباب عديدة، من بينها النقص في المعطيات الإحصائية والمسحية، والميل السائد منذ الثمانينات الى التركيز على القضايا المتعلقة بالهوية، لا على الانقسامات والصراعات الاجتماعية.
وينطلق المؤلف من مراجعة مفهوم الطبقة الوسطى، ثم ينتقل إلى تفحص بنية وآليات إنتاج الطبقة الوسطى في الضفة وقطاع غزة مستفيداً من الحوارات التي أجراها مع شخوص موضوعه، وهم يعيشون يوميات مجتمع فلسطيني في صراعه من أجل تحرره وانعتاقه وتحقيق إنسانيته وبناء مستقبله بحرية.
وتكمن وراء ذلك رغبته في العودة إلى التراث الكلاسيكي في العلوم الاجتماعية، وهو التراث الذي استند، في جوانب مهمة منه، إلى التحليل الطبقي كمدخل لفهم المجتمعات وحراكها، انطلاقا من أن الطبقية تشكل مولداً رئيسياً للمساواة في المجتمع، وبالتالي للتغيير الاجتماعي.
باعتبار أن الموقع الطبقي لا يقل أهمية في تحديد فرص الحياة، بدءاً من متوسط فرص الحياة عند الولادة، إلى فرص العمل وطبيعتها، إلى فرص التعليم والتخصص العالي، إلى نوع المسكن ومكانه، إلى طبيعة الاهتمامات، وكيفية تمضية وقت الفراغ ومكان تمضيته، ومدارس الأبناء، والنشاطات التي لا يمارسونها..إلخ، عن محددات المساواة ذات العلاقة بالنوع الاجتماعي والانتماء الأنثى أو القومي أو الديني أو الطائفي أو العرقي.
وقد بدأت الطبقة الوسطى بالتنامي في البلدان العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وكانت مدينية الطابع، تنتمي إليها فئات متعلمة وتجارية ومصرفية وعقارية. وتطلعت بحكم صلتها وتواصلها مع الغرب إلى تعميم القيم الرأسمالية ومُثلها، وأنشأت في ما بينها تحالفات سياسية تقوم على المصالح المشتركة، وتبوأت مناصب قيادية في الأحزاب والأنظمة السياسية التي حكمت بلدانها، وتمرست بعض فئاتها بمختلف فنون اللعبة السياسية، الأمر الذي هيأ لهذه الفئات أن تصل في ما بعد إلى مقاليد الحكم والسلطة.
وكانت السمة البرجوازية هي الغالبة على الطبقة الوسطى، سواء من جهة النهج أم من جهة التفكير والسلوك، وتمكنت بفضل تجاربها السياسية ووعيها لمصالحها ومستقبلها واعتمادها على ذكائها وحنكتها ومرونتها وانتهازيتها أن تحيط بجملة من الظروف الموضوعية والذاتية من حولها، فأنجزت استحقاقات في معارك الاستقلال والدفاع عن القضايا الوطنية والقومية، وكذلك القيام بعدد من الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والادارية بالقدر الذي كانت تتحمله طبيعة تلك الانظمة. وخرج من رحمها مختلف الحركات الفكرية والتيارات السياسية التي شهدتها البلدان العربية في القرن العشرين، من قومية وليبرالية واسلامية واشتراكية ويسارية.
وكان الاختفاء المتسارع للفلاح الفلسطيني من أبرز التحولات التي أخذت تشهدها التجمعات الفلسطينية الرئيسية التي بقيت ـ حتى يونيو 1967 ـ قائمة في فلسطين، سواء تحت سيطرة إسرائيل أم تحت سيطرة النظام الأردني أو النظام المصري، لتقع بعد ذلك تحت الاحتلال الإسرائيلي، أو تشكلت في الأردن أو في دول الخليج، أو نمت في مخيمات، وخارج مخيمات، لبنان وسوريا، أو في أماكن أخرى. وكان من أبرزها كذلك تراجع الحركة العملية الفلسطينية المنظمة، التي شهدت نمواً ملموساً في الأربعينات من القرن العشرين مع التوسع العمراني في فلسطين، و تحديداً في مدن الساحل.
وفَقَدَ الفلسطينيون، مع النكبة، مدنهم الساحلية، وقسمت عاصمتهم الدينية والثقافية والتاريخية، وبقيت المدن الداخلية في معظمها تراوح مكانها من حيث سمة صغر الحجم، وسيطرة التشكيلات العائلية على بنيتها، والتكوين الحرفي والسلعي الصغير والتجاري لاقتصادها، وهيمنة النزعة المحلية على ثقافتها؛ أي أنها مدن غير قادرة، بإمكاناتها الذاتية، على إنتاج طبقة عمالية صناعية ذات حضور، ولا طبقة وسطى حديثة ذات وزن.
فقد باتت هذه الطبقة تنتج في المهاجر، وفي التجمعات التي تولدت خارج فلسطين في الأساس؛ أي طبقة وسطى عاملة لحساب طبقات وسطى ورأسمالية أخرى، عربية في معظمها، أو موظفة لدى شركات متعددة الجنسيات تعمل في المنطقة وخارجها.
وساهم احتلال إسرائيل للفة الغربية وقطاع غزة في سنة 1967 في تسارع اختفاء الفلاح الفلسطيني بعد أن فتحت الدولة الاستعمارية أسواقها للعمل الفلسطيني، وكنتيجة للقيود التي وضعها الاحتلال على الإنتاج الزراعي الفلسطيني، بسبب الدعم الذي وفرته لمنتوجاتها الزراعية التي باتت تنافس بسهولة المنتوجات الزراعية الفلسطينية، بعد أن حولت إسرائيل سوق الضفة و القطاع إلى أسيرة لبضاعتها، وإلى مخزن للأيدي العاملة الرخيصة مقارنة بتكلفة الأيدي العاملة الإسرائيلية.
هذا بالإضافة إلى تأثير سيطرة إسرائيل على المعابر والموارد الطبيعية، وتحديد المياه، إذ حرصت على تقنين المياه على السكان الفلسطينيين، بمافي ذلك في مجال الاستخدام الزراعي. وليس خافياً أثر بناء المستعمرات، على الأراضي الفلسطينية المصادرة، والتوسع المستمر فيها، في الزراعة الفلسطينية.
غير أن تهميش الفلاحة لم يتم لمصلحة نمو طبقة عاملة في مجال الصناعات المحلية، وبالتالي لمصلحة ظهور طبقة عاملة فلسطينية مترابطة من حيث العلاقات بين فروعها الإنتاجية، وإنما نتجت منه عمالة غير ماهرة، تتنقل يومياً بين مناطق سكنها في الضفة والقطاع وبين إسرائيل ومستعمراتها. إضافة إلى ذلك كانت العمالة الأكثر مهارة وتعليماً تهاجر إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل أو للدراسة.
ويسجل المؤلف أن أهم ما يميز الطبقة الوسطى الفلسطينية هو تشكلها خارج دولتها الوطنية، وتشكل معظمها خارج المدن الفلسطينية، بعد أن تعرّض المجتمع الفلسطيني للتشظي والتشريد والسيطرة الخارجية. وحدث التغيير في هذا الوضع في تسعينات القرن العشرين، وتحديداً بعد قيام سلطة فلسطينية وطنية محدودة الصلاحيات، ولم يتشكل مركز مديني فلسطيني بعد سنة 1948، وبعد قيام السلطة الفلسطينية تقطعت أوصال المناطق الفلسطينية المحتلة سنة 1967، وبات الاتصال الاعتيادي بين القدس وباقي الضفة الغربية وقطاع غزة معدوماً أو شبه معدوم.
ولا شك في أن التفتيت الجغرافي وصغر المدن وتعددها في الضفة وقطاع غزة، وتفتت الطبقة العاملة، والضعف التكويني للطبقة الرأسمالية، ووهن الاقتصاد الإنتاجي، كل هذا ترك تأثيره في تكوين الطبقة الوسطى الفلسطينية وخصائصها، بل وفي تكوين مختلف فئات الشعب الفلسطيني.
وعليه تقدم الطبقة الوسطى الفلسطينية نفسها كطبقة ذات جذور متباينة، وذات تجارب مختلفة، ويشيع لدى فئات واسعة منها ثقافة «أمكنة» الهوية، وصوغها بلغة لاجئ ومقيم، وخارج وداخل، وغزة وضفة، وقرية ومدينة ومخيم، وميل إلى تخليد الهوية المحلية. كما توزع نفسها على عدة اتجاهات سياسية وايديولوجية: إسلامية وطنية وقومية وشعبوية وليبرالية ومحافظة ويسارية.
والملاحظ أن المؤلف استند، في الجانب التطبيقي، من كتابه إلى ملاحق تضمنت احصاءات مهمة عن تركيبة المدن الفلسطينية والتوزع الاجتماعي فيها، وإلى حوارات عديدة، واعتمد في الجانب النظري على تنوع أساليب البحث، حيث تناول بالمراجعة أبرز الأدبيات الأكاديمية التي درست سمات الطبقة الوسطى الحديثة وموقعها في الحياة السياسية العامة.
كما تناول مراجعة ما كتب عن الطبقة الوسطى الفلسطينية والعربية، بما في ذلك ما توفره المعطيات الإحصائية الفلسطينية الحديثة بشأن هذه الطبقة. واستند في دراسته على عدد واسع من الحوارات مع شخصيات تمثل الطبقة الوسطى أو هي على دراية بواقع مختلف فئات الطبقة الوسطى:
مجلس تشريعي، ومواقع تنفيذية عليا في السلطة، ومواقع قيادية أو كادرية في أحزاب سياسية واتحادات ونقابات، ومنظمات غير حكومية، ومهن حرة، وأساتذة جامعات، ورجال أعمال في القطاع الاقتصادي الحديث، ومديرون، ومعلمون، وسواهم. إلى جانب معرفة المؤلف الشخصية بسير ذاتية لعشرات الشخصيات من مختلف شرائح هذه الطبقة وفي مواقعها المتعددة، الأمر الذي أغنى الدراسة، وقدم كتاباً غنياً إلى المكتبة العربية عن الطبقة الوسطى الفلسطينية.
عمر كوش
*الكتاب: الطبقة الوسطى الفلسطينية بحث في فوضى الهوية والمرجعية والثقافة
*الناشر:مؤسسة الدراسات ـ بيروت. والمؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية ـ رام الله 2006
*الصفحات: 363 صفحة من القطع الكبير