إذا كانت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط وفي القلب منه منطقة الخليج تشغل بال الكثيرين من المتابعين لهذه السياسة، فإن هذا الكتاب يأتي كمحاولة للإجابة على العديد من الأسئلة التي تتعلق بالسياسة الأميركية ومنها كيف كانت سياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه منطقة الخليج العربي في الفترة ما بين 1971 ـ 1990؟ وما إذا كان لهذه السياسة تجاه تلك المنطقة مجموعة من الثوابت أم لا؟انطلاقا من هذه الأسئلة يحاول الباحث محمد محمود الطناحي تقديم رؤية شاملة لتطورات هذه السياسة على مدار عقدين من الزمان شهدا الكثير من الأحداث التي ألقت بتأثيراتها الممتدة على مسار المنطقة وما زالت بعض تأثيراتها تتفاعل حتى الآن.
يقدم المؤلف في سياق تمهيدي لكتابه استعراضا للوضع الجيواستراتيجي للخليج العربي، ثم يستعرض ما يمكن اعتباره رؤية عامة للأهداف الأميركية في المنطقة ثم يعرض موجزا مختصرا لسياسة الرؤساء الأميركيين في الفترة التي سبقت انسحاب بريطانيا من المنطقة عام 1971، والتي لم تختلف حسبه عن سياسة الرؤساء التالين لهم. ويشير المؤلف في سياق استعراضه للسياسة الأميركية خلال فترة تولي كارتر الحكم إلى تطبيق مبدئه المتضمن إنشاء الولايات المتحدة قوات التدخل السريع الأمر الذي حاول تعزيزه من خلال الحصول على أكبر قدر من القواعد العسكرية والتسهيلات على أراضي دول الخليج العربي، الأمر الذي تبعه فيه الرئيس رونالد ريغان حيث حاولا أن يربطا دول المنطقة بأكبر كم من الاتفاقات العسكرية والاقتصادية المشتركة وما تبعها من عقود لتسليح دول المنطقة وتدريب أفرادها وربطها أكثر وأكثر بالولايات المتحدة.
ويوضح المؤلف أن فترة ريغان اتسمت بمحاولته الدؤوبة إقحام الولايات المتحدة في شؤون المنطقة مستغلا نشوب الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988) والمخاوف الشديدة التي عانت منها دول المنطقة حديثة العهد بالحروب، وهى الحرب التي لم تسفر في النهاية حسب رؤية المؤلف عن انتصار أي من طرفيها وإنما كانت الولايات المتحدة هي الفائز الأكبر، حيث حاولت واشنطن حسبما يذكر المؤلف تقديم الدعم العسكري لطرفي الحرب، وكذا المشاركة في الحرب تحت ستار حماية الناقلات وشعار حماية حرية الملاحة في الخليج.
ومن خلال استعراض مفصل على النحو الذي أشرنا إليه يشير المؤلف إلى أن السنوات العشرين التي تناولها بالبحث مثلت نموذجا واقعيا ومثالا حقيقيا لماهية السياسة الخارجية الأميركية تجاه دول العالم الثالث عامة وتجاه المناطق التي تحوي مصالحا حيوية للولايات المتحدة خاصة ومن ضمنها منطقة الخليج العربي. ويوضح الكاتب أن هذه السنوات أثبتت أن هذه السياسة ثابتة لا تتغير وأن المصالح الأميركية تزيد ولا تنقص مهما حدث ولكن الذي يتغير فقط هو طريقة التطبيق وطبيعة التنفيذ.
أما المبادئ والتصريحات والعبارات البراقة والمسميات الباهرة فحدث عن تغييرها ولا حرج. ويذكر الكاتب أننا لدى تحليل هذه السياسة نجد أنفسنا أمام إدارات أميركية ذات قدرات هائلة تمتلك في يدها الكثير من الأوراق المهمة في هذه اللعبة السياسية والاقتصادية مع دول العالم الثالث التي قبلت طواعية أو كرها أن تتعاون وتقدم لها الكثير من المنفعة دون أن تحصد الكثير.
وقد حكم الولايات المتحدة خلال هذه الفترة مجموعة من الأهداف على رأسها استقطاب دول المنطقة تجاهها، وردع الاتحاد السوفييتي وتضييق الخناق عليه وحصر نفوذه خارج منطقة الخليج العربي ودعم الأنظمة الموالية لها ومد يد العون إليها بهدف توثيق علاقتها بها ومن ثم استخدامها كأداة لصد الاتحاد السوفييتي، والتصدي للدول ذات التوجهات المعادية لها في المنطقة.
هذا إلى جانب ضمان أمن إسرائيل بكل الطرق، والحصول على بترول هذه المنطقة بأرخص الأسعار وبكميات وفيرة وبطريقة آمنة ومستقرة.وقد سعت إلى تحقيق ذلك من خلال مجموعة من السياسات يأتي على رأسها العسكرية، والتي كان من ملامحها إغراء دول المنطقة بالحصول على أنظمة دفاعية متقدمة، وعرض أحدث أنواع الأسلحة على المسؤولين الخليجيين ولكن بعد وضع قيود على قدراتها الأدائية خاصة الهجومية.
وقد ألقت هذه السياسة العسكرية بتأثيرات سلبية على دول الخليج، خاصة لجهة استنزاف مواردها النفطية.ثم يتطرق المؤلف الى موقف الولايات المتحدة من الثورة الإسلامية في إيران، مشيرا إلى أن علاقاتها الوثيقة وتغلغلها في إيران خلال حكم الشاه لم يمكنها من الإلمام بطبيعة التطورات هناك ففوجئت بالتحول الذي مثلته الثورة.
وقد صادفت السياسة الأميركية بعد ذلك فشلا آخر تمثل في عدم نجاحها في شحن وتعبئة الرأي العام الدولي تجاه إيران كي يتخذ موقفا حاسما ضدها ـ على شاكلة ما هو حاصل الآن بشأن الحديث عن سعي طهران لامتلاك سلاح نووي.
وفي سياق استعراضه التقييمي لتطورات السياسة الأميركية خلال هذه الحقبة يتطرق إلى الغزو السوفييتيي لأفغانستان مشيراً إلى أنه شكل تهديدا حقيقيا للمصالح الأميركية في الخليج العربي، لذا فإن الرد الأميركي جاء عنيفا جدا وصريحا للغاية، تمثل في الإعلان عن مبدأ كارتر الذي دعا صراحة إلى التدخل العسكري في منطقة الخليج.
ثم يتطرق إلى الحرب العراقية الإيرانية فيشير إلى أنها تعتبر من أكثر الحروب دموية في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد امتدت لثماني سنوات وقتلت وأصابت أكثر من مليون نسمة. وهنا فإن المؤلف يفسر السكوت الأميركي على استمرار هذه الحرب، وكذلك الاتحاد السوفييتي، في حين تحركت الأولى سريعا إثر الغزو العراقي للكويت إلى أن واشنطن وموسكو كانت لهما مصلحة من جراء استمرار الحرب حيث ستمكنهما من دعم وتثبيت الوجود العسكري لهما خاصة، وهو الهدف الذي يمكن أن نلمسه بشكل أكبر على الصعيد الأميركي.
وقد كانت الحرب بالفعل مبررا للوجود العسكري الأجنبي في المنطقة. وفي رؤية ختامية يعرض المؤلف للسياسة الأميركية تجاه منطقة الخليج العربي بعد عام 1988. حيث يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تنه وجودها العسكري في المنطقة أو حتى قللت من حجمه بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية وإنما أكدت من خلال موقفها هذا أنها لا يمكن ان تترك المنطقة بعد أن استقرت فيها عسكريا مهما تعددت الأسباب. ومع وصول جورج بوش إلى السلطة أوائل عام 1989 انتهج سياسة ريغان خاصة فيما يتعلق بالناحية العسكرية المتمثلة في الوجود العسكري القوي والاستعداد الدائم للتدخل المباشر الفوري.
وأما بالنسبة للسياسة الأميركية تجاه العراق وإيران فقد تم استبدال سياسة التوازن بينهما بسياسة إنهاء القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة خلال عهد بوش الأب ولعل هذا ما يؤكد الآراء التي تقول إن أميركا هي التي دفعت العراق إلى غزو الكويت من خلال أسباب واهية بعد أن لمست تفوقا ملحوظا لصالح العراقيين بعد الحرب العراقية الإيرانية فكان الإجهاز على القوة العراقية خلال حرب تحرير الكويت.
وبعد وصول كلينتون إلى الحكم غيرت سياسة واشنطن تجاه البلدين إلى الاحتواء المزدوج وقد استمرت هذه السياسة طيلة الفترة المتبقية من القرن العشرين ومع بزوغ القرن الحادي والعشرين استبدلت الولايات المتحدة سياستها تجاه العراق وإيران بسياسة عدوانية جدا بإدخالهما ضمن قائمة دول محور الشر والإعلان عن مبدأ الضربات الوقائية في عهد الرئيس بوش الابن التي شهدت فترة توليه الحكم التي نعيش جانبا من فصولها في الوقت الراهن تطورات عديدة مثلت تحولات على صعيد النظام الدولي لجهة إحكام قبضة الولايات المتحدة على العالم دون منافس وهو ما يخرج عن نطاق الفترة الزمنية التي حددها الكاتب لدراسته.
مصطفى عبد الرازق
* الكتاب: الولايات المتحدة الأميركية والخليج العربي
* الناشر:المؤسسة السعودية - القاهرة 2005
* الصفحات: 347 صفحة من القطع الكبير