ساهم في تأليف هذا الكتاب العديد من الباحثين وأشرف عليه البروفيسور ريتشيتي أحد كبار المختصين بالأدب الإنجليزي. ومعلوم أن هذا الأدب من أكبر الآداب العالمية لأنه أنجب شخصيات ضخمة ليس أقلها شكسبير، وجون ميلتون، وويليام بليك، وويليام وردزورث، وتشارلز ديكنز، وجيمس جويس، وعشرات غيرهم. ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: يمكن تقسيم الأدب الإنجليزي إلى عدة مراحل:
مرحلة القرون الوسطى، فمرحلة عصر النهضة التي هيمن عليها شكسبير، فمرحلة العصر الكلاسيكي والتنويري، أي القرنين السابع عشر والثامن عشر، فمرحلة العصور الحديثة المتمثلة بالقرنين التاسع عشر والعشرين.
وعلى الرغم من أن الكتاب يركز على المرحلة الكلاسيكية إلا أنه يتوقف قليلا عند المراحل السابقة أو اللاحقة لها. وذلك لأنك لا يمكن أن تفهم أي عصر بمفرد عن العصور التي سبقته أو لحقته.
من المعلوم أن توماس مور (1477 ـ 1535) كان أحد كبار مفكري عصر النهضة في انجلترا. وقد ألف كتاب المدينة الفاضلة (أو المدينة الطوباوية) عام 1516. وكان رجل دولة بقدر ما كان رجل علم وأدب وفكر. وقد لعب دورا كبيرا في السياسة كمستشار لدى الملك هنري الثامن.وقد ساهم في دعم المفكرين النهضويين والإنسانيين الإنجليز.
كما والتقى بأمير عصر النهضة الأوروبية إيراسموس وأصبح صديقا حميما له عندما زار هذا الأخير انجلترا. وقد لعب إيراسموس دورا كبيرا في نشر فكر صديقه توماس مور على القارة الأوروبية. وبالطبع فإن كتاب «المدينة الطوباوية» هو الذي أشهره في كل أنحاء أوروبا.ثم يردف المؤلف قائلاً:
وكان توماس مور يحظى بثقة الملك هنري الثامن المطلقة لسنوات طويلة. ولكن للأسف فإن السعادة أو الهناءة لا تدوم. فقد غضب الملك عليه لأنه انتقد قراراته بالطلاق من زوجته ولأنه (أي توماس مور) استقال من منصبه عندما أعلن الملك استقلاله عن الفاتيكان ونصّب نفسه زعيما لكنيسة انجلترا.
ولهذا السبب فإن الملك هنري الثامن أمر بسجنه في إحدى القلاع أولا وذلك قبل أن يأمر بقطع رأسه بالسيف! وعلى هذا النحو انتهت تلك العلاقة الرائعة بين المثقف والسلطة بنكبة حقيقية.
ثم ينتقل المؤلف بعدئذ للتحدث عن أهم مفكري القرن السابع عشر وأدبائه ويقول: إن أهم الأدباء في ذلك العصر هم جون دون الذي نشر كتاب «تشريح العالم» عام 1610، ثم كتاب «تقدم الروح البشرية» عام 1611. وبعدئذ نشر أعماله الشعرية وبخاصة «مراثيه» عام 1644، ثم الأناشيد المقدسة عام 1644.
وينبغي أن نذكر أيضا أديبا آخر لا يقل عنه شهرة إن لم يزد هو: جون ميلتون. فقد نشر رائعته «الفردوس المفقود» عام 1667. وأما فيما يخص الفلاسفة فقد كان هذا القرن عامرا بهم. فهو الذي يقدم لانجلترا والبشرية بعضا من كبار المفكرين كفرانسيس بيكون، وجون لوك، وتوماس هوبز، وآخرين عديدين.
وقد ابتدأ التنوير الإنجليزي في ذلك العصر وسبق التنوير الفرنسي بمئة سنة على الأقل. ولا ينبغي أن ننسى الدور الكبير الذي لعبه إسحاق نيوتن في ذلك العصر والعصور التي تلته.
فقد اكتشف قوانين الجاذبية التي تمسك الكون ودرس السماء والأرض دراسة علمية ورياضية وفيزيائية دقيقة. ولم يعد الناس يحلفون إلا به بعد أن كشف لهم عن سر الأسرار. وكان تأثيره على جميع الفلاسفة عظيما من لوك، إلى فولتير، إلى كانط، الخ.
ومن أجمل القصائد التي كتبت في تلك الفترة هذه الأغنية التي نظمها جون دون والتي تقول:
«يا حبي العزيز سوف أرحل
ليس كرها بك ولا تعبا منك
ولا أملا في العثور على بديل عنك
في هذه الحياة العابرة.
وإني سوف أرحل لأن الحياة
الهاربة سوف تؤخذ مني في
نهاية المطاف.
لذا فإني أفضل التعود على الموت
الخيالي منذ الآن
لكيلا أفجع بك أكثر».
هذه القصيدة المؤثرة تدل على مدى هشاشة الحياة في ذلك العصر المليء بالمخاوف والاضطرابات. فانجلترا كانت تعيش حروبا أهلية آنذاك، ولا أحد كان واثقا من شيء في هذا العالم الهائج المائج. ولذلك فإن الشاعر جون دون يفضل أن يترك حبيبته بطوع إرادته لكيلا يضطر إلى تركها غصبا عنه بسبب الظروف المتقلبة والأحداث المرعبة.
وهذه النزعة التشاؤمية أو حتى السوداوية التي تخيم على القصيدة كانت إحدى سمات أدب تلك الفترة وشعرها. فالفترات المضطربة لا تنتج أدبا مبتسما متفائلا بالحياة.
ولكن البعض يعتقد أن الأدب لا يزدهر إلا في الفترات المضطربة، المظلمة، المتطرفة. فشكسبير أعطى أدبه أيضا في فترة كالحة وحرجة من فترات انجلترا. ودوستويفسكي كتب أعظم رواياته في فترة صعبة جدا من حياة روسيا، فترة مليئة بالصراعات والهيجانات.
ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن الناقد الشهير صموئيل جونسون (1709 ـ 1784) دعا جون دون والشعراء المتحلقين حوله بالشعراء الميتافيزيقيين: أي المهمومين بمسائل الوجود الكبرى، من حياة، وموت، ومآل أو مصير، وعدم، وفناء، أو بقاء وخلود أبدي في الدار الآخرة.
ولذلك فإن شعرهم ينضح بالتساؤلات الحارقة والحنين، إلى شيء مجهول غامض، والأمل بالفوز في حياة ما بعد الموت. والشيء الذي يميز شعر تلك الفترة هو العودة المستمرة على الذات والاستبطان: أي التأمل الداخلي العميق. وهذا التأمل يؤدي إلى استكشاف الحياة العاطفية والحياة الروحية في آن معا. وهنا يربط الشاعر بين الحب الإلهي والحب البشري.
فإذا كان الحب البشري فانيا أو مهددا بالقطيعة والفراق والفناء الأبدي فإن الحب الإلهي خالد لا يحول ولا يزول. بل ويمكنه أن ينقذ الحب البشري للشاعر عن طريق اندماجه فيه كما يندمج الجدول أو يصب النهر في البحر المحيط.كان جون دون قد ولد في عائلة كاثوليكية داخل انجلترا الإنجليكانية أي البروتستانتية.
ولذلك فإنه اعتنق مذهب الأغلبية وأصبح كاهنا وعمره أربعة وأربعون عاما بعد أن كان قد عاش حياة الترف والبطر والجنس والشرب والمجون في شبابه الأول.
ولذلك جاء إيمانه قويا عميقا بقدر ما كان كفره ساحقا ماحقا. لقد انتقل من النقيض إلى النقيض وعاش كل التجارب والمحن. من هنا عظمة شعره وقوته. يضاف إلى ذلك أنه كان مثقفا جدا ومتبحرا في العلم.
وقد أشاد به ت. س. إيليوت في كتاب يحمل العنوان التالي: الشعراء الميتافيزيقيون. وقال بما معناه: كان الفكر بالنسبة لجون دون تجربة عميقة تؤدي إلى تغييره من الداخل أو تغيير حساسيته. فالإنسان العادي يقع في الحب أو يقرأ سبينوزا. ولكن هاتين التجربتين مختلفتان ومتمايزتان تماما كما أن ضجة الآلة الكاتبة تختلف عن روائح الطبخ... وهذه التجارب المختلفة أو المتغايرة كليا تنعكس على روح الشاعر وتؤدي إلى توليد قصائد جديدة.
ويبدو أن تأثير جون دون على شعراء عصره كان كبيرا طيلة النصف الأول من القرن السابع عشر. ومن بين الذين أثر عليهم جورج هيربرت وهنري كنغ.
أما الشاعر الكبير الثاني في ذلك العصر فكان جون ميلتون بالطبع. وقد نال من الشهرة أكثر من جون دون بفضل رائعته: الفردوس المفقود. وعلى الرغم من أنه كان أعمى إلا أنه استطاع أن يخلق عالما غنيا جدا كما فعل المعري أو طه حسين مثلا.
وقد أثنى عليه ت. س. إيليوت ثناء جما عندما قال بأنه استطاع، وهو الأعمى، أن يقدم لما صورا شعرية خارقة: صور الفضاءات اللانهائية، والأعماق السحيقة، والتناقضات الهائلة بين الظلام والنور.
*الكتاب:تاريخ كامبردج للأدب الإنجليزي بين عامي (1660 ـ 1780)
*
*الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2006
*الصفحات :945 صفحة من القطع الكبير
THE Cambridge History of English Literature
(1660-1780) John Richetti
Cambridge University Press2006
p. 945