مؤلف كتاب «التذكرة الهروية» هو علي بن أبي بكر بن علي الهروي ويكنى أبا الحسن أصله من «هراة» من مدن أفغانستان وتقع في الشمال الغربي منها ولهذا نسب لهذه المدينة.
ولد في «الموصل» وتوفي بحلب في سوريا سنة (611) هجرية وقال على نفسه: سلكت القفار، وطفت الديار، وركبت البحار، ورأيت الآثار وسافرت البلاد، وعاشرت العباد.
وقد تقدم عند الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين الأيوبي، صاحب حلب وأقام عنده وكان كثير الرعاية له، وبنى له مدرسة بظاهر حلب، وفي ناحية منها قبة وهو مدفون فيها، وفي تلك المدرسة بيوت كتب على باب كل بيت منها ما يليق به. وله مصنفات منها: «كتاب الإرشادات في معرفة الزيارات» وكتاب «الخطب الهروية» وغير ذلك.
عاش «الهروي» في غمرة الحروب الصليبية التي كانت تلف بري الشام ومصر، وقد عمر قرابة سبعين عاماً، وهذا يعني أن «الهروي» قد عاش في حقبة تزخر بأحداث تلك الحروب التي استعرت لمجابهة الغزاة الصليبيين ، ولصد أمواجهم المتدفقة عبر أوروبا.
عاش «الهروي» في عهد كان يسود الناس فيه القلق على حاضرهم ومستقبلهم، ويتحفزون للخلاص من وصمة الاحتلال، ويتوقعون لاسترجاع الكرامة المهدورة لقد أوضحت الكتب التي ألفت في هذا العصر عن الفنون الحربية الشأن الرفيع الذي بلغته تلك الفنون لدى العرب، فقد الفت الكتب في تعبئة الجيوش وتكوينها وقيادتها وتحركاتها، وفي أنواع السلاح والأدوات والحيل الحربية، وفي سوق الجيوش بعد تجهيزها وفق أساليب منظمة ومخطط لها، وفي تطوير الأسلحة وتحسينها وفق الحاجات والظروف.
ويستدل من هذه الكتب على أن العرب فاجأوا الصليبيين بأنواع من الأسلحة ما كانوا يعرفونها، وأن العرب أخذوا وأعطوا، فاستقى عدوهم منهم الشيء الكثير، واقتبسوا هم من عدوهم الأسلحة وطوروها وقد جاء هذا الكتاب «التذكرة الهروية» بمثابة الهادي والمرشد لولاة الأمور آنذاك، فأوضحت لهم الصفات التي يجب أن يتحلوا بها، والأسلوب الذي ينبغي أن يعاملوا به الرعية، والمزايا التي يتعين توفرها بأعوانهم، من وزراء ومقدمين، وقضاة ورسل وكي يستقيم الأمر لهم في الداخل، ويتسنى لهم الالتفات إلى عدوهم باطمئنان.
يقول في بداية التذكير: وبعد فإنه لما سألني الأخ الصالح، والخل الناصح، أن أصنف له كتاباً، واذكر فيه ما يجب على ولاة البلاد وهداة العباد كالخلفاء الراشدين، والملوك والسلاطين من أمر سياسة الرعية، وإصلاح أمور البرية، وما يعتمدونه في الحروب ويعتدون لكشف الكروب.
وما يدخرونه لرفع المشكلات، ودفع المعضلات، وما يرجى به دوام دولتهم وبقاء مملكتهم وحسن سيرتهم أثبت له في هذا الكتاب ما يستظهر به على من عاداه، ويستنصر به على من ناوأه ووسمته بالتذكرة الهروية في الحيل الحربية وهو أربعة وعشرون باباً.
وهكذا يبدأ الكتاب بالحديث فيما يجب على السلطان استعماله، ومنها قوله: أول ما يجب على الملك أن يعرف قدر ما أنعم الله عز وجل به عليه، ووصل من إحسانه إليه، وليعلم أن أعظم النعم وأعلاها وأكرمها وأغلاها، نعمة تشمل على مصالح الإسلام والمسلمين، وعمارة ثغور الموحدين، والنظر في أمور الرعية، وانتظام قوانين البرية، وذلك منوط بعبد يختاره الله عز وجل من عباده، ويمكنه في بلاده ليدفع المظالم ويقمع الظالم، ويعين الملهوف ويصطنع المعروف.
وهكذا يسرد لنا الكتاب المزايا التي يتعين توفرها بأولى الأمر والأسلوب الذي ينبغي أن يعاملوا به الرعية، كي يستقيم الأمر لهم في الداخل.
وهكذا جاءت الأبواب الثاني في صفة الوزراء، والثالث في صفة الحجاب.
والرابع في أمر الولاة، والخامس في أمر القضاة والسادس في أمر العمال وأرباب الديوان، والسابع في مجالس السلطان، والثامن في كشف بواطن أرباب الدولة..... إلى أن يصل إلى الباب الرابع والعشرين في العمل بالحزم إذا عدم النصرة وضاقت حيلة. وهكذا يمكن تصنيف «التذكرة الهروية» بكتاب من كتب السياسة والحرب ضمنه مؤلفه ما يحتاج إليه الملوك من سياسة الرعية، وما يعتمدون عليه في الحروب.