أجرت جولي ويلرايت الناقدة والمحررة بصحيفة «الإندبندنت» اللندنية هذه المقابلة مع الكاتبة والروائية السيراليونية أميناتا فورنا، بمناسبة صدور روايتها الأولى «أحجار الأسلاف» والتي تشكل تغيراً نوعياً في كتاباتها السابقة التي شملت كتابي «الشيطان الذي رقص على الماء» الذي ظفر بالعديد من الجوائز الأدبية و«أم الأساطير» الذي يتناول قضايا الأمومة في العصر الحديث.
وقد ألقت الضوء في الحوار على روايتها الجديدة وآفاق روايتها التي تعكف على كتابتها حالياً وصعوبة الابداع الروائي مقارنة بأشكال الكتابة الأخرى وهيمنة روح أسلافها من محاربي سيراليون التقليديين على كل ما تكتبه. وفيما يلي نص المقابلة :
يمتلئ مكتب أميناتا فورنا في بيتها الأنيق في جنوبي لندن بصور قرية عائلتها في سيراليون. وتطلعني الكاتبة الفائزة بالعديد من الجوائز عن كتابها «الشيطان الذي رقص على الماء» وهو كتاب عن ذكريات طفولتها على صور أعمامها وعماتها وأبناء عمومتها ومدرسة القرية التي ساعدت في بنائها.
وتمرر يدها على هذه الصور قائلة: هؤلاء هم كل آل فورنا الذين يعيشون هناك. وتشير إلى صف وراء آخر من الأقارب الذين يقفون صابرين تحت وهج شمس افريقيا.وهي تقول إنها كتبت مذكراتها عن سيراليون: «انني أردت أن اكتشف من الذين قتلوا أبي». وقد كان أبوها محمد صوري فورنا فتى من إحدى قرى الأقاليم درس بناء على منحة دراسية، وقطع الشوط كاملاً وصولاً إلى دراسة الطب في اسكتلندا، وأصبح في وقت لاحق وزيراً لمالية بلاده في حكومة سياكا ستيفن.
وقد انتزع من داره واقتيد تحت حراسة مسلحة في إحدى الليالي في فريتاون عندما كانت أميناتا في العاشرة من عمرها، ولم تره بعد ذلك أبداً.وقد اتهم أبوها بالخيانة لانشائه حزباً معارضاً، واعدم شنقاً بعد عام. وتقول فورنا: «كانت اليوميات كتاباً عن رجل واحد». وقد أصدرت دار بلومزبري، أخيراً، رواية فورنا الأولى بعنوان «أحجار الأسلاف» التي تبرز حياة أربع نسوة قرويات في سيراليون.
النواة الأولى لهذه الرواية جاءت من اشارة عابرة في مذكرات فورنا إلى بياس، وهي أم جدتها، التي تعرضت وهي في الثانية عشرة من عمرها للأسر على يد محارب عندما سقطت مملكة أبيها في أيدي العدو خلال حروب جبانكا في أواخر القرن التاسع عشر. وكان المحارب الذي أسرها هو با مورلاي والد جد فورنا.
وتقول فورنا: «لقد مضى بها بعيداً، ثم تزوجها بناء على اقتراح أمه. وبعد سنوات مضت بياس إلى السوق وتعرفت على شعار عائلتها الذي وجدته على سلة أحد الباعة، فبعثت برسالة إلى أخيها الذي جاء ليفتديها». تتحمس فورنا وهي تسرد هذه التفاصيل، ويستقر صوتها عند إيقاع الحكي، وهي تقول إنه عندما انطلق با مورلاي عبر تلال سيراليون حاملاً معه الهدايا لاستعادة زوجته، التي لم تعد من الرقيق من أخيها، وافقت على الزواج منه مجدداً.
وتضيف فورنا ضاحكة: «ثم عند انتهاء الاحتفالات بالزواج، يقول با مورلاي إننا سنمضي الآن إلى الدار، وتقول بياس لا». وهي تستمتع بموقف بياس لأنه في جوهره يعني رفضاً لشكل آخر من أشكال العبودية.تقول أميناتا فورنا التي عملت في السابق محررة في هيئة الإذاعة البريطانية وأمضت سنوات عدة في تغطية الأحداث والوقائع الافريقية إنها قد وجدت الابداع الروائي شيئاً بالغ الصعوبة خلافاً لما يتصوره الكثير من القراء.
وهي تضيف إنه على الرغم من أنها كتبت الفقرة الأولى في الرواية حوالي 14 مرة إلا انها ما إن تجعل الشخصيات تنطلق في مسيرتها حتى تصبح رحلة هذه الشخصيات واضحة للعيان.
وتشير إلى أن من الشخصيات التي يتوقف القراء عندها طويلاً في حشد الشخصيات النسائية التي تعج بها الرواية شخصية سيرا التي كانت أمها صافي الزوجة العاشرة لبطل الرواية، وقد حاولت تسديد قيمة دوامة الزواج واكتساب حريتها.
وتنتهي صافي إلى وضعية أفضل قليلاً من وضعية الخادمة في دار زوجها الحافلة بالزوجات، ولكن ابنتها سيرا تفلح في القدوم إلى انجلترا وتتزوج من شخص خلاسي مراوغ وتصبح في نهاية المطاف سيدة أعمال ناجحة.توضح أميناتا فورنا أن نساء غرب افريقيا هن شخصيات مسيطرة للغاية، وعلى الرغم من نظام تعدد الزوجات إلا أن النساءهن اللواتي يسيطرن على العائلات التي تشبه ممالك صغيرة.
وتقول: «النسوة هن اللواتي يقمن بتسيير كل شيء تحت السطح وهن اللواتي يلزمن الرجال أماكنهم والنساء أماكنهن».
وربما تعمل قلة من النساء في الوظائف الحكومية ولكن هناك الألوف من الشخصيات مثل سيرا اللواتي يظهرن شجاعة بالغة، وقد كانت فورنا هي التي اختارت أن تعود إلى بلادها كمراقبة في انتخابات 1996 في سيراليون، وبادرت إلى ربط نفسها إلى صناديق الاقتراع لمنع رجال الجيش من اتلاف هذه الصناديق. توضح فورنا أنها على مدار تأليفها لكتابيها حول سيرارليون شهدت علاقتها بهذا البلد تحولاً كبيراً، وتقول: «لقد أمضيت طفولة مرعبة، كان الوضع مجيداً وفظيعاً هناك في آن. وكنت في الحادية عشرة من عمري فحسب عندما مات أبي».
وبحلول ذلك الوقت كان أبوها قد طلق أمها الاسكتلندية مورين كامبل وايت، وتزوج من امرأة من سيراليون، تدعى يابومي كانو، وقد أمضت فورنا سنوات مراهقتها في الانتقال بين المدارس الداخلية في ساري بانجلترا ودار زوجة أبيها في فريتاون. تقول: «انتهت طفولتي بهذه الطريقة الفظيعة. وعشت في بلد لم أكن أثق بأحد فيه. لقد حدث شيء فظيع، ولم يتحدث أحد عنه. وكان الناس يبتسمون ويقولون: كان أبوك صديقاً عظيماً لنا. لقد مات موصوماً بأنه خائن، لكن الناس كانوا يتحدثون عنه باعتباره بطلاً».
وقد اكتشف فورنا أن جميع الشهود في محاكمة أبيها تمت رشوتهم للشهادة ضده. وتقول: «انطلقت في تأليف كتابي (الشيطان الذي رقص على الماء) وقلبي في فمي، وكنت أعرف من الذي فعل ماذا ومن الذي كان مسؤولاً، وأنهيت الكتاب شاعرة بالغضب الشديد».ولكن إذا كانت فورنا قد صممت على تحديد هوية قتلة أبيها فإن دوافعها الأخرى للكتابة تمثلت في تبديد الضباب عن ذكرياتها الغائمة الأولى في مطلع العمر.وإذا كانت أميناتا فورنا قد أكملت انتقالها من الكتابة الصحافية وغير الروائية إلى الكتابة الروائية، فإنها تظل على تصميمها على الاستمرار في كتابة الرواية.
وهي تعكف في الوقت الراهن على انجاز روايتها الثانية، التي تدور أحداثها في سيراليون، ولكن راويها هو أدريان وهو أبيض يعمل في حقل الاغاثة كاختصاصي في معالجة مواقف ما بعد الصدمات والذي يصل إلى فريتاون عقب الحرب الأهلية ولا يفهم حقيقة الموقف الممتد أمام ناظريه.ويلفت النظر أن فورنا لا تشعر بالتمزق بين بريطانيا وسيراليون، فهي تنتقل بينهما في سعادة مرات عدة كل عام، وهي تعيش مع زوجها سيمون ويسكوت في دارهما بجنوبي لندن، وفي سيراليون تعيد زراعة مزرعة البن الخاصة بعائلتها وتساعد في إدارة مدرسة القرية.
محطات في حياة فورنا
* ولدت الكاتبة أميناتا فورنا في اسكتلندا في 1964 لأم اسكتلندية وأب سيراليوني، ونشأت متنقلة بين اسكتلندا حيث دار أمها وسيراليون حيث دار أبيها الذي أعدم في 1975 بعد اتهامه بالخيانة لانشائه حزباً معارضاً لحكم الدكتاتور سياكا ستيفن.
* عملت فورنا محررة بهيئة الاذاعة البريطانية وأصدرت كتابها «أم الأساطير» عام 1998 والذي يدور حول الأمومة في العالم الحديث.
* استقطبت مذكراتها بعنوان «الشيطان الذي رقص على الماء» اهتمام النقاد والقراء على السواء ورشحت للفوز بجائزة صمويل جونسون في عام 2003.
* قدمت العديد من البرامج الاذاعية وفي مقدمتها برنامج «بعيون افريقية».
* أصدرت فورنا، أخيراً، روايتها «أحجار الأسلاف»، وتعكف على انجاز روايتها الثانية التي تدور أحداثها في سيراليون أيضاً.