مؤلف هذا الكتاب هو د. محمود السمرة، الناقد والباحث الأردني، الفلسطيني الأصل، والذي تنقل بين العديد من المهمات والوظائف، حيث أصدر مع د. أحمد زكي مجلة «العربي» الكويتية، وشغل منصب نائب رئيس تحرير المجلة في الفترة (1958 ـ 1964)، ثم استقال من عمله في المجلة بعد أن عين أستاذاً مساعداً للأدب العربي في الجامعة الأردنية، ثم أصبح أستاذ النقد والبلاغة فيها، ثم عميداً لكلية الآداب في الجامعة الأردنية، ثم وزيرا للثقافة في حكومتين متعاقبتين، ورئيسا لجامعة البتراء.
إضافة إلى أنه قد شغل عدة مناصب فخرية وإدارية، فكان رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين التي كان أحد مؤسسيها، وعضواً في مجامع اللغة العربية في القاهرة ودمشق وعمان وبغداد وغيرها.
ونشر العديد من المؤلفات منها: «مقالات في النقد الأدبي»، و«القصة السيكولوجية»، و«النقد الأدبي والإبداع في الشعر»، و«القاضي الجرجاني» و«سارق النار: طه حسين»، و«غربيون في بلادنا»، و«أدباء الجيل الغاضب»، و«المسرح». وترجم وحقق العديد من الكتب، منها: «منهج التاريخ الأدبي» و«أدباء معاصرون من الغرب»، و«هنري جيمس»، و«أرنست همنغواي»، و«روائع التراجيديا»، و«فن المسرحية».
ويواصل محمود السمرة، في كتابه الجديد عن الناقد المصري «محمد مندور»، مشروعه البحثي الذي يتناول فيه بعض أعلام النقد والفكر العربي، والذي كان قد بدأه بكتابين عن «طه حسين» و«العقاد».
وتظهر قراءة الكتاب الفرق بين الكتابة النظرية النقدية والنقد التطبيقي، إذ لا يتوقف الناقد التطبيقي عند أطروحات النظريات المختلفة، ولكنه يثير دوماً مشكلات في نص معيّن، حين يقف عندها محللاً، ومفسراً ما انتهى اليه ذوقه الفني النقدي، ويبقى على الدوام شيء ما في النص لا يمكن تفسيره بالكلمات.
وفي هذا السياق يتبع كتاب «محمد مندور» سيرة مندور الشخصية، ويناقش آراءه وأفكاره وما طرحه في كتبه وأبحاثه، حيث يروي سيرة مندور بأسلوب أقرب ما يكون إلى الأسلوب القصصي، مستخدماً لغة مؤثرة، تنقل للقارئ الأجواء التي عاش فيها مندور، كي يكون شاهداً على حياة هذا الرجل وزمانه.
ولد محمد مندور في الخامس من شهر تموز 1907 في قرية كفر مندور، بالقرب من مينا القمح بالشرقية. وعندما قامت ثورة عام 1919 كان محمد مندور طالبا في مدرسة الألفي الابتدائية بمينا القمح. وفي سنة 1921 نجح في امتحان الشهادة الابتدائية، والتحق بمدرسة طنطا الثانوية، وحصل على الليسانس في الآداب سنة 1929، كما حصل كذلك على ليسانس الحقوق سنة 1930، وفضل السفر في بعثة دراسية إلى باريس على التعيين وكيلاً للنيابة.
وهناك التحق محمد مندور بمعهد الأصوات الشهير بباريس، حيث درس أصوات اللغة دراسة ملية. وقدم بحثاً مهماً عن موسيقى الشعر العربي وأوزانه. وعاد إلى مصر في تموز 1939، وكان أحمد أمين عميداً لكلية الآداب، ورفض طه حسين تعيينه في قسم اللغة العربية، فطلب منه أحمد أمين أن يدرِّس الترجمة.
وفي سنة 1942 تقرر إنشاء جامعة الإسكندرية، فاتخذ مديرها طه حسين قراراً بتعيينه فيها، وكان قد تزوج سنة 1941 مَلَك عبد العزيز الطالبة في السنة الثالثة بقسم اللغة العربية .
ويبدو أن شخصية مندور قد تشكلت جلياً أثناء دراسته الجامعية، مع أنه عاد من باريس دون أن يحصل على شهادة الدكتوراه، إلا أنه في عام 1943 قدم بحثه لنيل شهادة الدكتوراه من كلية الآداب ـ جامعة فؤاد الأول. وكانت بإشراف الأستاذ أحمد أمين، وعنوانها «النقد المنهجي عند العرب»، ونشرها في كتاب عام 1948.
وقد تأثر محمد مندور بعدد من النقاد العرب والأجانب، حيث يقول: «من العرب القدماء أُعجبت بابن سلام الجمحي، والآمدي صاحب الموازنة بين الطائيين، وعلي بن عبدالعزيز الجرجاني في «الوساطة بين المتنبي وخصومه». وهؤلاء النقاد الثلاثة اعتبرهم أعمدة النقد الجمالي السليم في تراثنا النقدي كله.
كما تأثرت بعبد القادر الجرجاني في اهتمامه البالغ بنقد أساليب التعبير اللغوي وتراكيبه. وفي رأيي أنه اهتدى إلى علْمَي التراكيب والأساليب بمفهومهما الأوروبي الحديث. ومن المحدثين أخذتُ عن طه حسين تذوق النصوص الشعرية. وتأثرتُ بالعقاد في اهتمامه بالنواحي الفكرية..
وتأثرت بميخائيل نعيمة في كتابه «الغربال». وإن كان تأثري الأكبر في الحقيقة هو بأساتذة السوربون، وبالنقاد الغربيين، وبخاصة الفرنسيين منهم».
ويرى الدكتور محمود السمرة أن مندور خاض في حياته ثلاث معارك أدبية هامة: الأولى في عام 1942، وهي معركة لغوية مع الأب أنستاس الكرملي، والمعركة الثانية مع عباس محمود العقاد، والمعركة الثالثة حول الشعر الجديد. وفي عام 1965 غادر مندور دنيانا بعد أن ترك لنا إنتاجاً ثرّاً، جعله شيخ النقاد في أدبنا المعاصر.
ويعتبر السمرة أن نظرية مندور في طبيعة ذوق الناقد الأدبي، ودوره في العملية النقدية مستقان من لانسون، وبخاصة من كتابه «منهج التاريخ الأدبي» الذي ترجمه إلى العربية، والذي يقتبس منه كثيراً دون أن يشير إليه.
وحسب هذه النظرية، فإنه ليس من الممكن، ولا من المرغوب فيه، أن نهمل استجابتنا التلقائية للأعمال الأدبية، ذلك لأن من طبيعة الأدب أن يثير فينا الاستجابة.
ولهذا فإن علينا أن ندرس هذه الاستجابة (التأثرية) عند تناولنا للأدب. وسيكون موقفنا مخالفاً للعلم إذا أهملنا ردة الفعل التأثرية هذه. لكن مندور يرى أن للذوق الشخصي الدور الرئيسي في عملية النقد الأدبي، ولكنه الذوق المدرب والمثقف، الذي هو نتاج التعليم والتجربة، إضافة إلى الموهبة الذاتية، وهذا يعني عند مندور أن الناقد لا يكون ناقداً موضوعياً خالصاً.
ولا ناقداً ذاتياً خالصاً، وإنما يكون نقده دائماً مزيجاً منهما، ولكنه نقد مبرّر ومفسّر. غير أن محمود السمرة يشكو من أنه لا نكاد نعثر لمندور على دراسات متخصصة في الرواية أو القصة القصيرة مع أن إنتاجه النقدي في مجال المسرح غزير. وأفكاره النظرية في المسرح متناثرة في أعماله التطبيقية كمسرحيات شوقي وعزيز أباظة أو المسرح النثري، ومسرح توفيق الحكيم.
و قد بلور هذه الآراء النظرية المتناثرة في كتيب صغير باسم «المسرح». وفي هذا الكتاب، يؤكد أننا تلقينا الفن المسرحي عن الغرب عند نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وطبّق مندور آراءه هذه على شوقي وعزيز أباظة وتوفيق الحكيم وغيرهم، وتحول ما كتبه عن هذه الشخصيات إلى كتب مستقلة .
ويؤكد مندور أن الأدب، والشعر خاصة، معنيان بالسعي إلى تحقيق الجمال. فالأدب لا يهدف إلى أن يعلّم، أو إلى أن يهذّب الأخلاق، ولكن هذا لا يعني أنه ليس للأدب رسالة اجتماعية، وإنما يعني أن التعليم وتهذيب الأخلاق ليسا الغاية العليا للأدب. وبخصوص آرائه في الأسلوب الأدبي، يرى محمود السمرة أن مندور يميز بين نوعين من الأسلوب: الأسلوب العقلي، الذي يستعمله العلماء والمؤرّخون والفلاسفة، وهو أسلوب هدفه الأوحد نقل الأفكار.
والأسلوب الفني، الذي يعبّر عن الأدب، حيث الكلمات لها دورها، وتكون مركز عملية الإبداع الفني، فلا مكان في نظرية مندور الأدبية لأن يكون هناك تناقض بين اللفظ والمعنى، أي بين الشكل والمضمون، وفي هذا الأمر يلتقي مع بنديتو كروتشه ونظامه الأحادي الذي لا يفرّق بين الشكل والمضمون.
والخلفية النظرية التي يرتكز إليها هي أنه يعتبر النقد الأدبي فناً، وليس علماً، وعليه يسعى وراء القيم التي يهملها العلم، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الناقد يضيف ويقارن ويحلل، إلا أن ذوقه الشخصي يبقى هو الحكم في النهاية.
* الكتاب:محمد مندور (1907 - 1965) شيخ النقاد في الأدب الحديث
* الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 2006
* الصفحات: 149 صفحة من القطع المتوسط
عمر كوش