يحاول هذا الكتاب لمؤلفه الكاتب والمترجم هاشم صالح تناول أحد المفاهيم التي يسود جدل كبير بشأنها سواء في الأوساط العربية الإسلامية أم في الغرب ألا وهو مفهوم الأصولية. وإزاء الطابع الإشكالي للمفهوم يسلط صالح من خلال مادة الكتاب الضوء على مواقف عدد من المفكرين العرب والأجانب من هذه الظاهرة لكي تستبين لنا من كل جوانبها إن أمكن،
وهي مواقف عرض لها بالتفصيل في تناوله لكتب هذه المجموعة من المفكرين ومن بينهم محمد أركون، مكسيم رودنسون جيل كيبيل، أوليفييه روا، مالك شبل، وغيرهم، وإن كانت الملحوظة الأساسية التي ترد على المجموعة التي يتناولها صالح أنها تعكس تياراً واحداً في النظر إلى الظاهرة يغيب عنه التنوع.
وحسبما يشير صالح في شرحه لفكرة الكتاب فإنه حاول من خلال تحليل ما جاء به كل هؤلاء وغيرهم ومناقشة أهم أطروحاتهم وآرائهم في المسألة والإضافة الشخصية إليها أن يتوصل إلى فهم جذور الظاهرة الضخمة التي بلغت بصماتها المتفجرة ومفاعيلها المدمرة، وفق رؤيته، زوايا العالم الأربع.
من التعريف يبدأ صالح مشيراً إلى أن الأصولية في أحد معانيها تعني، من وجهة نظره، التمسك الحرفي بالنصوص الدينية مضيفاً إلى ذلك أنها تعبر عن الفهم الخاطئ لهذه النصوص واحتقار الحاضر والمستقبل معاً. استمراراً لهذه النظرة التي تعبر عن موقف خاص ذي طابع رافض للظاهرة يقول صالح إن الأصولية ليست حكراً على الدين الإسلامي وحده بل إن جميع الأديان الكبرى بلا استثناء أفرزت أصوليتها في لحظة من لحظات تاريخها،
موضحاً ما يريد بالإشارة إلى أن مقصده التزمت الديني أو التطرف والغلو في المعتقد، وهو تطرف قد يدفع صاحبه إلى حد قتل الآخر لأنه لا ينتمي إلى دينه أو يدين بمذهبه. غير أن السباحة في الكتاب تشير إلى أن تناول المؤلف لا يقتصر على ظاهرة الأصولية فقط وإنما يتناول ما يمكن اعتباره حركات الإسلام السياسي وكل ما يتفرع عنها من قضايا تتعلق بموقع الدين في عالمنا المعاصر، وهي قضايا يقدم فيها آراء تعكس في جانب منها مواقف مجموعة المفكرين الذين يعرض لفكرهم من خلال كتاباتهم ورؤاه الشخصية، وهي بشكل عام مجموعة آراء تثير قدراً كبيراً من الجدل يتجاوز النقاش من خلال هذا الحيز الضيق.
ويكشف التعمق في الكتاب الذي يمثل مجموعة لمراجعات كتب تتناول قضية واحدة وهي ما يطلق عليه بشكل عام موقف الإسلام من قضايا العصر عن الرؤية الإجمالية الحاكمة لفكر صاحبه وهي التأكيد على ضرورة الالتزام بالنهج العلماني في نظام الدولة بما يستتبعه ذلك من إقرار بمفهوم أن الدين إنما يمثل علاقة بين الفرد وربه، مع الدعوة في ذات الوقت إلى الاقتداء بما وقع في الغرب على صعيد تطورات القرون الماضية بالقطع مع الماضي إذا ما أردنا أن نتعايش بسلام مع الآخرين.
ويصل المؤلف في موقفه في هذا الجانب إلى حد توجيه انتقادات شديدة إلى موقف المستشرق الأميركي برنارد لويس وذلك خلال استعراضه لكتاب لمحمد شريف فرجاني حول «الدين والسياسة في الساحة الإسلامية» حيث يعتبر أن لويس في نفيه لوجود العلمانية في الإسلام يتخذ موقفاً مماثلاً لمواقف المتشددين الإسلاميين وذلك رغم العداء المعروف الذي يكنه لويس للإسلام والمسلمين.
من موقع العلمانية في الفكر الإسلامي إلى نزعة الأنسنة وهي القضية التي يتبناها أركون مشيراً إلى أنها ازدهرت في الفترة بين القرنين الثاني والخامس الهجري وإن اندثرت بعد ذلك وكان آخر أعلامها ابن خلدون.
وفي موقع آخر وفي سياق استعراضه لـ «معركة الأفكار في العالم العربي» يشير إلى ما ذهب إليه الجزائري مالك شبل في كتاب له بهذا العنوان من أن المعتزلة كانوا أول المفكرين الأحرار في الإسلام، مضيفاً أنه من الصحيح أنهم ليسوا من المعيار الثقيل فلسفياً كابن رشد أو ابن سينا ولكن لا يمكن لأحد أن يقلل من أهميتهم. والنقطة التي يؤكد عليها المؤلف ـ شبل وليس صالح ـ في هذا السياق هي الإشادة بالدور الكبير الذي لعبه المعتزلة في رفع راية العقل في عصرهم وهي الراية التي يرى أنه تم تنكيسها بعدئذ من قبل أعدائهم عندما قضوا عليهم ولاحقوهم في الأمصار.
وملتزماً موقفاً أصولياً ولكن مغايراً للأصولية الدينية التي ينتقدها يتوقف هاشم صالح كثيراً عند موقف لمكسيم رودنسون يرى فيه أن الشروط المادية والاقتصادية هي المؤثرة بالدرجة الأولى في تخلف العالم العربي والإسلامي.. «أما العقليات فليست إلا نتيجة لهذه الشروط لكيلا نقول انعكاساً لها».
يعلق صالح على هذا الموقف قائلاً إنه يخيل إليه أن رودنسون يظل ماركسياً أكثر من اللزوم على الرغم من إدعائه أنه ماركسي مستقل وغير دوغمائي. ويصل صالح في موقفه إلى حد تعبيره عن شعوره بـ «الانزعاج» من إجابة رودنسون على السؤال الموجه له بهذا الخصوص.
من موقفه الناقد لرودنسون إلى الكاتب اليوناني كورنيلوس كاستورياديس الفرنسي الجنسية مستعرضاً أفكاره من خلال كتابه «صعود التفاهات». ويحتفي صالح بالكاتب كثيراً، مشيراً إلى أن حكمه على وضع العرب والمسلمين ليس أقل قساوة من حكمه في وضع الغرب، على العكس فالغرب على الرغم من كل تفاهاته يظل مركز الحركة الإبداعية والنقدية في العالم. ومن خلال مناقشة أفكار الكاتب اليوناني يعرض صالح محور رؤاه التي تتكرر في أغلب كتاباته وتمثل جوهر ما يراه وهو أن الغرب وحده هو الذي استطاع أن يكسر قيوده ويخرج من الانغلاق التراثي ويؤسس الديمقراطية والفلسفة ويعتبر المناقشة العقلانية قيمة القيم،
ولكن الآخرين لا يزالون حتى الآن يتخبطون في متاهات تراثاتهم المقدسة ولا يعرفون كيف يتخلصون من إسارها ومن بين هؤلاء الآخرين اليابان، فهي لم تأخذ من المشروع الغربي إلا قوته الاقتصادية والتكنولوجية. ثم ينتقل هاشم صالح إلى استعراض كتاب مسألة التعصّب الديني من خلال كتاب لمجموعة من كبار المفكرين الأوروبيين ومشاركة عربية إسلامية ممثلة في المفكر التونسي محمد الطالبي والجزائري محمد أركون.
ففي تعريفه للتعصب يشير بول ريكور إلى أنه يمثل ميلاً طبيعياً موجوداً لدى جميع الكائنات البشرية، وأنه يعني أولاً تسفيه عقائد الآخرين وقناعاتهم أو احتقارها وهو يعني ثانياً منع الآخرين بالقوة من التعبير عنها. ويفرق ريكور بين فترتين أساسيتين من تاريخ الفكر الأولى، فترة ما قبل الحداثة وفترة ما بعد الحداثة.
في الفترة الأولى كان التعصب يعتبر شيئاً طبيعياً وعادياً ولا يثير أي استغرب بل كان الشيء المدهش هو التسامح مع عقائد الآخرين. ومع حلول الأنوار الفرنسية، يقول بول ريكور، راحت فكرة التعددية تفرض نفسها لأول مرة في تاريخ الفكر، وقد ترجمت سياسياً من خلال الدولة العلمانية الحديثة التي تسمح لكل الأديان والمذاهب بأداء طقوسها وشعائرها بشرط ألا يفرض أحد معتقداته الخاصة على الآخرين بالقوة.
ومن هذا يخلص ريكور إلى النتيجة الأساسية المتمثلة في أن المجتمعات الديمقراطية والليبرالية والدستورية في أوروبا الغربية هي وحدها التي استطاعت أن تنتصر على مفهوم التعصب وأن تفرض الحرية الدينية. أما عن الرؤية التي تعبر عن الجانب العربي الإسلامي فيقدمها محمد الطالبي وفيها يذهب إلى أن هناك تيارين في الإسلام القديم والمعاصر..
تيار علماء الدين وفقهاء السلطة سابقاً وتيار الأصوليين المتشددين حالياً وكلاهما، حسبما يقول طالبي، معاد لحرية الفكر ومتعصب بالتالي. والمتشددون هم الذين انتصروا تاريخياً على أرض الإسلام، ولذلك شاعت في الغرب تلك الفكرة القائلة بأن الإسلامي متعصب في جوهره، وهذا غير صحيح لأنه يوجد تيار آخر منفتح ومتسامح وجد في التراث الإسلامي وإن كان أقلية.
والخلاصة التي يذهب إليها الطالبي أن التيار المتزمت المنتشر حالياً في أرض الإسلام يدعو للعودة إلى تلك الأصولية الراديكالية القديمة التي أسست من وجهة نظره التعصب والعنف في تاريخنا، ولكن التيار التحديثي والليبرالي في الإسلام المعاصر يدعو إلى العودة إلى القرآن الذي أسس التسامح والتعايش السلمي بين مختلف الأديان والأقوام والشعوب كما واعترف بالتعددية العقائدية والدينية، وبالتالي فالغلبة ستكون لهذا التيار الأخير.
ينتقل هاشم صالح بعد ذلك إلى استعراض قضية الجهاد باعتبارها القضية التي ينسب إليها العنف المنسوب إلى الحركات الإسلامية من خلال كتاب للمستشرق الفرنسي الفريد مواربيا فقد أخذ موضوع الجهاد يطرح نفسه بكل إلحاح على الباحثين العلميين بشأن علاقة الحركات الجهادية بالجهاد الأولي الذي شهده الإسلام في مرحلة القرون التأسيسية من تاريخه وهل يتعلق الأمر بالجهاد نفسه أم أن الأمر يختلف باختلاف الظروف والحيثيات والمعطيات؟
وهل يحق للحركات الحالية أن تسبغ على نفسها ذات المشروعية التي كانت سائدة في زمن النبي أو في زمن خلفائه الراشدين؟ إن مورابيا يقدم لنا رؤية موسوعية بشأن الجهاد وتطوره، وهو التناول الذي يخلص منه صالح إلى نتيجة يعيد فيها ما يؤكد عليه استاذه أركون ويكرس له مشروعه الحياتي ألا وهو أن القرآن بحاجة إلى تأويل تاريخي حديث لم يحصل حتى الآن كما حصل للتوراه والإنجيل في المسيحية الأوروبية وعندما يحصل هذا التأويل التاريخي الذي يصفه صالح بأنه مسؤول فإن كل المشاكل والعقد سوف تنحل من تلقاء ذاتها.
ونختم بما قدمه صالح من تناول لكتاب جيل كيبيل حول الجهاد: صعود الحركات الأصولية وانحدارها وهو الكتاب الذي يقرر أنه لا يعرف كتاباً في اللغة الفرنسية أو في أي لغة أخرى يعادله فيما يخص الأصولية ودراستها وتحليلها بصفتها ظاهرة ضخمة. إن كيبيل يلقي من خلال الكتاب نظرة بانورامية على معظم الحركات الأصولية المنتشرة في مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي ولا يكاد يفلت منه شيء فهو يتحدث عن حركات التكفير والهجرة والجهاد والجماعات الإسلامية وغيرها.
المهم أن الأطروحة المركزية لجيل كيبيل من خلال كتابه تتمثل في أن الحركات الأصولية التي سيطرت على المجتمعات العربية والإسلامية طيلة ربع القرن الأخير وحققت نجاحات جماهيرية واسعة هي الآن في طور الأفول والانحدار؟ وفي إجابة عن التساؤل بشأن ما يحمله على ذلك يشير هاشم صالح إلى أنه انفصام التحالف الذي كان قائما بين الفئات الاجتماعية المتمثلة في البرجوازية المتدينة في المدن مع الشبيبة المسحوقة بالفقر والبؤس وكذلك الطبقات الشعبية التي تملأ بيوت الصفيح في ضواحي المدن الكبرى كالقاهرة والجزائر والدار البيضاء.
ويجول بنا صالح في أعماق كتب أخرى مختلفة تقدم لنا ثمرة الفكر الغربي اختلفنا أو اتفقنا معها، إلا أنه لا يمكن إنكار أننا ينبغي أن نكون على اطلاع عليها والتفاعل معها بما يجعلنا مواكبين لما يحدث حولنا في ضوء أن العالم بالفعل أصبح قرية كونية صغيرة.
مصطفى عبدالرازق
* الكتاب: معضلة الأصولية الإسلامية
* الناشر: دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت 2006
* الصفحات:215 صفحة من القطع الكبير