عمل ستيفن كوش، مؤلف هذا الكتاب، مديراً في أحد الأقسام الأدبية بجامعة كولومبيا، وهو روائي ومؤرخ. قدّم العديد من الكتب من بينها ( زوجة العازبين ) و( عيون الليل ) و( نهايةالبراءة) هذا الكتاب الأخير نال شهرة كبيرة، ويعالج فيه المؤلف موضوع المثقفين في الغرب وانجذابهم نحو الستالينية فيما يسميه ( ثلاثون سنة من الحرب السرية ).

اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 وتواجهت فيها قوى اليسار والجمهوريون ضد دكتاتورية الجنرال فرانكو. وكانت حربا تعاطف معها جميع المثقفين في العالم بل وشارك بعضهم فعليا بها مثل الأديب والمفكر الفرنسي الكبير أندريه مالرو، الذي خدم معسكره كطيار ثم أخرج فيلما سينمائيا عن تلك الحرب الإسبانية.

وستيفن كوش، يقدم لقارئه في هذا العمل، قراءة لتلك الفترة الساحرة التي جعلت أنظار العالم كله تلتفت صوب إسبانيا لما مثّلته حربها الأهلية في النصف الثاني من عقد الثلاثينات الماضي من قيمة رمزية للمواجهة بين الحرية والدكتاتورية التي مثّلها الجنرال فرانكو، أحد عتاة المنظومة الدكتاتورية التي شهدتها أوروبا في القرن الماضي إلى جانب ستالين وموسوليني وهتلر...

ويُروى عن فرانكو أنه عندما كان على فراش الموت سمع جلبة في الخارج فسأل زوجته عن مصدر تلك الضجة، فأجابته أن الشعب الإسباني جاء يودعه فسألها على الفور: إلى أين سيسافر الشعب الإسباني؟ ويؤرخ المؤلف لتلك الحقبة من خلال (علاقة الصداقة ) التي قامت في أجواء الحرب الأهلية الإسبانية بين اثنين من أعلام الأدب الأميركي هما ارنست همنغواي وجون دوس باسوس، لصداقتهما وتباين وجهات نظرهما حول تلك الحرب،

وخاصة موقفهما من توجيه الاتهام لأحد الأصدقاء الحميمين لدوس باسوس بالخيانة العظمى وإعدامه وهو صديقه خوسيه روبلا بازوس، الأستاذ الجامعي الذي عمل كـ ضابط اتصال لحساب السلطات السوفييتية، وحيث كانت (الجبهة الشعبية) ممثلة (الجمهوريين) الإسبان تتلقى مساعدات مالية من البلدان الشيوعية. وعند إعدامه أعلن دوس باسوس غضبه الكبير من أجل شجب الظلم الذي وقع على صديقه وعبّأ المحيطين به في المعركة.

كان دوس باسوس قد التقى بصديقه خوسيه روبلز للمرّة الأولى عام 1916 أثناء الحرب العالمية الأولى عندما التقيا صدفة في القطار بين طليطلة ومدريد. كانا شابين، أي في العمر الذي يستطيع الإنسان فيه أن يربط الصداقات بسهولة. استمرت صداقتهما بعد ذلك 20 سنة إذ جمع بينهما حب الفن واللغات. كما كانا قريبين من اليسار سياسيا مع أن أصولهما بورجوازية. وكانا يحبّان أن يرددا معا شعرا لـ جورج مازيك جاء فيه: حياتنا مثل نهر ينساب نحو ذلك البحر الذي يدعى الموت.

كان جون دوس باسوس شاهدا على المعارك في فيردان أثناء الحرب العالمية الأولى وعلى استخدام الغازات السامة ضد القوات في بلجيكا؛ ثم وعندما كانت تلك الحرب قد قاربت على النهاية تعرّف في إيطاليا على سائق سيارة إسعاف أميركي شاب اسمه ارنست همنغواي. أثبت المؤرخون بعد ذلك أن ذلك اللقاء الأول كان في شهر مايو 1918 وكان اللقاء الثاني في باريس بعد نهاية الحرب.

كان ذلك الجيل من الأدباء الأميركيين قد تعوّد زيارة أوروبا التي كانت تحظى آنذاك بموقع متميّز على صعيد الأدب والفن. ففي عام 1922 كانت أكاليل الشهرة تزين رأس بيكاسو وفي نفس السنة نشر جيمس جويس عمله الشهير «أوليس» وحيث كان ينبغي على كل أديب أميركي شاب أن يحجّ إلى أوروبا ويغرف من أدبها وأدبائها. وكان دوس باسوس قد بدأ هو نفسه أيضا صعود سلم الشهرة بعد روايته التي نشرها بعد إعلان الهدنة مباشرة وحملت عنوان ( ثلاثة جنود ).

أما ارنست همنغواي فلم يكن آنذاك سوى مجرد صحافي وأديب متدرّب يبحث عمّا أسماه فيما بعد التوصل إلى كتابة جملة صحيحة على الأقل.وفي العشاء الأول الذي جمعهما في باريس في مقهى ليب الشهير كملتقى رجال الأدب والسياسة، كان همنغواي مأخوذا بدوس باسوس، وكانت ابتسامات هيدلي زوجة همنغواي منذ فترة وجيزة، قد أضفت عذوبة على اللقاء وشجعت الجميع على الحديث أكثر.

ويومها تكلم همنغواي بشكل رائع عن ندوة دولية كان قد حضرها. وكان تآلفه مع اللغة في أوساط الملاكمة ومراكز الشرطة في كنساس وتورنتو قد منحه قاموسا حديثا مباشرا يضفي لهجة طبيعية على القصص التي يرويها، كما يصفه المؤلف. وكان ذلك اللقاء الحميم خطوة أولى في مشوار صداقة طويل. كان عمر دوس باسوس آنذاك 28 سنة وعمر همنغواي 25 سنة.

وعن آراء كل أديب منهما بالآخر، يقول مؤلف هذا الكتاب ان همنغواي كان يعتبر دوس باسوس إنسانا حريصا على قول الحقيقة وقد كان معجبا بكرم كتابة صديقه وعمقها. أما دوس باسوس فقد صرّح منذ فترة مبكّرة أن همنغواي سوف يصبح صاحب أجمل أسلوب بين الأدباء الأميركيين. وكان أكثر ما يثير إعجابه في أسلوبه النقاء المدهش للنور الذي يلقيه على الأشياء. ونقرأ مما كتبه باسوس: يمتلك همنغواي نظرة ثاقبة. وقد بدا لي في تلك الفترة أنه يرى الأشياء والبشر دون تلوينات المشاعر والنظريات.

كان يرى كل شيء عبر لون بارد، أبيض. أما مؤلف هذا الكتاب نفسه فيقول عن باسوس: كان باسوس يمتلك ملكة الإصغاء. كان يسمع كل شيء ويقول كل شيء. وقد كان أول كاتب في القرن العشرين يقدّم العالم والولايات المتحدة بنظرة واقعية موضوعية.

لقد وضعت الحرب أوزارها وخلّفت وراءها عشرة ملايين من القتلى. هكذا أصبح القرن العشرون هو قرن الباقين على قيد الحياة وكل على طريقته. وبالتالي أصبح كل من همنغواي وباسوس ناطقين باسم هؤلاء الأحياء. لكن همنغواي لم يكن كاتبا يساريا ولم يكن يولي أهمية كبيرة للسياسة لأنها كانت تزعجه. أمّا باسوس فقد كان واعيا على أن العالم القديم ـ أوروبا القديمة وأميركا القديمةـ يترنّح. لقد كان مسكونا بفكرة التغيير الراديكالي وبإقامة مجتمع عادل.

انتقل همنغواي بسرعة من تعلّم مهنة الكاتب إلى الشهرة، وخاصة بعد روايته التي حملت عنوان: ( وداعا للسلاح ) والتي كتبها بعد تعرّفه في باريس على بولين بليفر، الفتاة الأميركية الغنية، بل وكتبها من أجلها وعاش معها بعد أن انفصل عن زوجته هيدلي، وأنجب منها طفلهما الأول باتريك.

لقد أصبح همنغواي وباسوس أكثر كاتبين شابين واعدين في الولايات المتحدة وربطت بينهما عرى صداقة قويّة استمرت سنوات عديدة. لكن بدأت ملامح القطيعة تلوح في أفق تلك العلاقة، وعندما وصلا إليها لم يكن ذلك لأسباب التنافس في المهنة ولا لأسباب سياسية أو عاطفية، وإنما بسبب القليل من هذه العناصر مختلطة، كما يقول المؤلف.

وأصبحت القطيعة واقعا في مطلع ربيع عام 1937. وفي ذلك الربيع حضرت مجموعة مسلّحة غير محددة الهوية واقتادت خوسيه روبك صديق باسوس من منزله في فالانسيا إلى مكان مجهول، وهناك دون تحقيق ودون محاكمة ودون أية إجراءات قضائية قتلوه.

هكذا انتهى الزمن الجميل، وكان همنغواي قد بدأ يعرف موجات من الانهيارات العصبية وكره الذات إذ كانت التصدعات في داخله أكثر مما كان يُظنّ من الخارج. وكان بطله في روايته المعروفة ثلوج كلمنجارو، ممزقا إلى درجة الاحتضار. لقد كان يمشي نحو موته بعد أن أصابته الغرغرينا وهو في رحلة إفريقية، هذا إذا لم ينقذه أحد. وكانت بطلة الرواية نفسها على شاكلة بولين زوجته التي فقدت من بريقها. يقول المؤلف: إن كل كلمة في ثلوج كلمنجارو تتنفس من كره الذات ،مع نزعة التدمير الذاتي والمرض والانهيار المعنوي.

تواجد دوس باسوس وارنست همنغواي في إسبانيا أثناء الحرب الأهلية. كانت مواقف الأول أكثر راديكالية وجذرية بينما بدا همنغواي أكثر تصالحا. وقد جلب موقف باسوس المتعاطف بوضوح وقوة مع صديقه الذي اغتيل خوسيه روبلز؛ غضب السلطات الإسبانية. نقرأ: لقد أهين علنا جون دوس باسوس، أشهر كاتب أميركي ملتزم مع معسكر اليسار؛ وأشير بإصبع الاتهام إليه، وهو الذي شارك في فيلم أرض إسبانيا، كصديق لجاسوس فاشي. دوس، دوس النبيل، حامي الخيانة.

وفي عام 1939 وضع همنغواي حدا نهائيا لزواجه مع بولين كي يتزوج من مارثا غيلورن. وفي نفس السنة بدأ كتابة روايته المعروفة (لمن تقرع الأجراس؟) ونشرها بعد عامين، أثناء الحرب العالمية الثانية. ومع نهايتها انتهت أيضا قصة زواج همنغواي مع مارثا. أما دوس باسوس فقد تابع كتابة الروايات والمقالات الصحافية، والخصومات العلنية مع همنغواي بعد فشل عدة محاولات للمصالحة.

لقد توفي دوس باسوس عام 1970، أي بعد 9 سنوات من وفاة همنغواي منتحرا ببندقية صيده، بعد أن كان قد تزوج بامرأة رابعة هي ماري ويلش التي كان دورها أقرب إلى الممرضة بسبب نوبات الانهيار العصبي التي عانى منها خلال السنوات الأخيرة من حياته. وكان قد أصبح أشهر كاتب أميركي حي.

وقد وجدوا بعد وفاة همنغواي بعض الرسائل بحوزته ومن بينها رسالة حارة، كانت صوتا قادما من الأزمنة القديمة الجميلة... كانت من جون دوس باسوس.

* الكتاب: وداعاً للصداقة

همنغواي ودوس باسوس والحرب الإسبانية

* الناشر: كونتربوينت برس - نيويورك 2006

* الصفحات: 308 صفحات من القطع المتوسط

The breaking point

Hemingway, Dos Passos

and the murder of Jose Robles

Stephen Koch

Contrepoint Press- New York 2006

p.308