(النزوات) هي مجموعة من الرسوم الانتقادية الساخرة التي نفّذها الفنان الاسباني غويا بواسطة تقنية الحفر أواخر القرن الثامن عشر، وحظيت باهتمام محلي وعالمي كبيرين، لما تكتنزه من قيم إنسانية وفنية عالية، فتحت آفاقا واسعة أمام الحركة التشكيلية في العالم،
وقد اتخذ الفنان د. عبد الكريم فرج من هذه الرسوم موضوعا لكتابه الجديد (غويا في النزوات) الذي صدر حديثا عن دار نينوى بدمشق، والكتاب يبدأ بالتعريف بسيرة غويا الذاتية والفنية، ثم ينتقل للحديث عن ابتكاراته وأسلوبه والأعمال التي أنجزها في مجال الحفر، ومن ثمة يفّرد فصوله الاخيرة لتناول الرسوم من حيث الشكل والموضوع وطرائق البناء مع إدراج ملحق مصوّر عن أهم (النزوات).
يبدأ الكتاب بمقدمة جاءت بقلم الفنان فائق دحدوح، وأكدت على الأثر العميق الذي تركته تجارب غويا في الساحة الفنية حيث نقرأ: انه فتح الآفاق واسعة أمام الرومانسية والواقعية والانطباعية والتعبيرية والسوريالية والرمزية، وأنه أثّر في كبار الأدباء والفنانين على حد سواء من أمثال: فيكتور هوغو، بلزاك، زولا، دولاكروا، ومانيه، دالي وبيكاسو.
كما تشير صفحات الكتاب فقد عاش غويا حياة غريبة الأطوار، بدأت من الكنائس والقصور وتصوير الجداريات الدينية والشخصيات الارستقراطية إبان حكم الملوك الإيطاليين لإسبانيا، وانتهت بالملاحقة والنفي واللوحة الملتزمة بهموم البشر مع المقاومة الشعبية للاحتلال الفرنسي وتباشير الاستقلال.
حيث ذكر المؤلف أن غويا كان قد وُلد في سرقسطة عام 1746 من أسرة متوسطة الحال. وحين بلغ الرابعة عشرة من عمره بدأ تمارينه في التصوير مع خوسيه لوزان. وبعد إخفاقه في امتحان القبول في أكاديمية سان فرناندو للفنون الجميلة بمدريد، وتكرار هذا الإخفاق لمرات عدة سافر إلى إيطاليا.
وهناك تفتّقت مواهبه وحصل على تقدير من أكاديمية بارما عام 1771. وتم تكليفه في العام نفسه بتصوير الجداريات في كنيسة نوسترا سنيورا ديل بيلار في سرقسطة، وأنهى عمله في الكنيسة بعد عام من استلامه، وفيه اقتدى بالأسلوب الباروكي وظهر تأثره بالفنان كورجيو، بعدها انتقل إلى كنيسة دير كارثوزيان حيث صوّر مشاهد من حياة العذراء وطفولة المسيح، وهنا كانت رسومه كلاسيكية.
وفي عام 1774 كُلّف بتصميم الرسوم في مصنع الأقمشة الملكي، فكانت لوحته الشهيرة (المسيح على الصليب) . وفي عام 1776 التحق غويا بالقصر، وأصبح رساما في خدمة البلاط في عهد الملك تشارلز الثالث، ثم صار مصوّر الحجرة لدى شارل الرابع، وما لبث أن غدا أحد مصوري الارستقراطية الإسبانية المقربين، وانهالت عليه الطلبات لتصوير الشخصيات.
حيث رسم ما يزيد على مئتين وخمسين بورتريه، لكنه في عام 1790 اعتلّ صحيا وأصيب بتراجع السمع، ثم عاش بقية حياته وهو أصمّ، وهي الفترة الأكثر حرجا ونضجا في سيرته الشخصية والفنية.
ففي مطلع القرن التاسع عشر احتل نابليون اسبانيا، وفي عام 1808 اندلعت حرب الاستقلال، وحين انتهت واستلم فرناند السابع الحكم بدأ بالتضييق على غويا الذي كان قد صنع لوحته (إعدامات الثالث من أيار) ومجموعة (النزوات)، فابتاع لنفسه بيتا خارج مدريد والقصر الملكي عام 1819 وأسماه (بيت الصمم) وملأ جدرانه برسوم أطلق عليها اسم (الصور السوداء)، بعدها رحل إلى منفاه في بوردو عام 1824، وصوّر لوحته (بائعة الحليب) التي حملت تباشير الانطباعية، وتوفي في عام 1828، وأعيد رفاته إلى وطنه عام 1919.
أدرك غويا أهمية الحفر كقيمة فنية وكآلية عمل ووسيلة من وسائل النشر القادرة على أن تفصح عما لا تستطيع أن تفصح عنه أعمال التكليف الرسمي، ومع الممارسة الدؤوبة أتقن غويا فن الحفر ووظف خبراته في ابتكار تقنيات حفرية جديدة عندما زاوج بين تقنية صبغة الماء والحفر بالماء القوي على صورة سلبية واحدة، وأبدع من خلال ذلك أربع مجموعات شهيرة من الرسوم الانتقادية الساخرة.
كان أولها (النزوات) التي نُشرت عام 1799 وفضح فيها عيوب المجتمع الإسباني.
ثم مجموعة (الأمثال) التي عملت على استنباط حكمة الأمثال الشعبية ودلالاتها وعبرها، ومجموعة (ويلات الحروب) التي نُشرت عام 1810 وفيها تصوير لفظائع المستعمرين الفرنسيين وبطولات الشعب المقاوم. أخيرا مجموعة (صراع الثيران)، وفي هذه المجموعات الأربع اعتمد غويا البساطة في رسم شخوصه وأشكاله، وباختزالات جوهرية توصل إلى صوغ معبّر.
وكان تنوع السطوح من أهم عناصره التكوينية في الصورة المحفورة، وكان يقول في هذه التجارب المبتكرة: تتلمذت على ثلاث: الطبيعة وفلاسكيز ورامبرنت. بلغ عدد مجموعة النزوات ثمانين صورة حفرية، جاءت مصحوبة بالشروح والتعليقات وبأبعاد صغيرة لم تتجاوز الثلاثين (سنتيمتراً)، وعلى حد تعبير الفنان غويا فهي: تتعلق بموضوعات نزوية ناقدة، تدعو إلى إيقاف زمن الاعتداء على الأخلاق، ومنع طرق التحايل والانتحال بقصد السطو والخداع، والتخلص من الرياء والنفاق عند البشر .
وتتوزع النزوات في إطار ثلاثة محاور أساسية، الست والثلاثون لوحة الاولى منها تطرقت إلى مسائل الشذوذ الجنسي وعمليات الاتجار بالجسد الأنثوي والطفولة، ومن اللوحة 37 إلى اللوحة 42 عالجت موضوع الضرائب بكافة أشكالها بما فيها ضريبة المواقف الفكرية، والمجموعة الأخيرة تناولت قضايا السحر والشعوذة ونفاق رجال الدين.
صيغت النزوات على نحو تعبيري وبلغة فنية مفعمة بالحيوية، وامتازت بجرأة البناء والتشكيل واحترامها للخط القوي المتماسك، فقد كان هاجس غويا إبراز جدل الأبيض والأسود.
وكانت لغته التعبيرية تقوم على توليف مساحة العراك بين هاتين القيمتين، وعلى حركة إبرة الحفر وتخلّل الحموض في التهشيرات على السطح النحاسي، مما ولّد أشكالا وملامس لا تتكرر مهما تعددت وتجاورت واستدقت. وبهذا أنهت مجموعة النزوات بأسلوبها الإبداعي نمط الكلاسيكية وبرودة أدائها في اللوحة المحفورة، ووضعت فناني القرن التاسع عشر أمام ثورة فنية جديدة.
تهامة الجندي
* الكتاب: غويا في النزوات
* الناشر: دار نينوى ـ دمشق 2006
* الصفحات: 229 صفحة من القطع المتوسط