«كرس نفسك لهتافك الداخلي، ولكن اقرأ بسعة وانظر إلى العالم» تلك هي النصيحة التي تلقاها الكاتب البريطاني الأصل ويلبور سميث الذي ولد في 9 يناير 1933 في شمال روديسيا التي تدعى اليوم زامبيا وعاش فيها مرحلة طفولته وشبابه، والتي يرددها في معظم مقابلاته، كما يؤكد بأنها سر نجاحه المتواصل منذ كتابته لأول رواية له «عندما يأكل الأسد» عام 1964،

وحتى يومنا هذا لا تزال جميع أعماله الروائية تحقق نجاحا واسعا ويبلغ عددها ما يقارب من ثلاثين عمل. وإذا كان دافع الكاتب المال أو الشهرة فقد حظي سميث بكليهما منذ البداية، وفي حال كان طموح الكتاب أن يصل عدد مبيعات كتبه مليون، فإن عدد مبيعات كتب سميث قد تجاوزت السبعين مليونا ناهيك عن بيعها في معظم بلدان العالم مثل روسيا واليابان، وفي إيطاليا يصل عدد الكتب المباعة لأي عمل جديد له ما يقارب من 000,400 نسخة من الغلاف المجلد فقط.

وهكذا فإن الرد على تلك التساؤلات يتمثل في النصيحة التي ذكرناها في المقدمة والتي قدمها له ناشره في أول لقاء لهما في بريطانيا وتتضمن أيضا، «اكتب أيضا عن الأشياء التي تعرفها جيدا فقط. لا تكتب للناشرين أو للقراء في مخيلتك. اكتب لنفسك فقط».

ومعظم كتاباته تتناول قارة أفريقيا، ويتناول تاريخها والحياة فيها عبر القرون ابتداء من الزمن الذي كانت القبائل تحكم فيه ومن ثم الصيادون وانتهاء بزمن خضوعها لحكم المستعمرين. وهو من أهم من كتب عن واقع الحياة الإنسانية فيها سواء فيما يتعلق بالمستعمرين أو السكان الأصليين ومعاناتهم من التمييز العنصري، وقد التقط ببراعة تحولات الحياة المفاجئة وانعطافاتها ودور القدر والعدالة.

ويتناول سميث في معظم رواياته أفريقيا، وحياة عدد من العائلات ومشاكلها. ويبدو اهتمامه فيما يحدث لها خلال فترة طويلة من الزمن، إلى جانب تركيزه على خلافاتها والمشاعر القوية المتضاربة بين أفراد عائلة واحدة. ويمكن تصنيف أعماله إلى أربع مجموعات،

وتضم المجموعة الأولى الأحداث التي تمر بها عائلة كورتني البريطانية الأصل ابتداء من القرن السابع عشر وعلى امتداد الزمن ويبلغ عددها عشر روايات، أما المجموعة الثانية فتتناول حياة عائلة أخرى تدعى بالانتاين وتضم ثلاثة كتب، أما المجموعة الثالثة فتدعى مجموعة تايتا وتضم ثلاث روايات تدور أحداثها على أرض مصر منذ زمن الفراعنة قبل 3800 عام وحتى الزمن الحاضر.

ويؤكد سميث الذي يعيش حاليا في بريطانيا مع زوجته الثالثة الآسيوية التي تصغره بتسعة وثلاثين عاما بشأن الكتابة على ما يلي، «لا تتحدث عن كتبك مع أي كان، حتى مع أقرب الناس إليك، حتى تنتهي من كتابتها.

وسنتناول في عرضنا هذا روايته الشهيرة «الغضب» التي تبدأ أحداثها في عام 1952 ومع عائلة كورتني،

وهو الكتاب السادس من المجموعة. والشخصية الرئيسية في هذا الكتاب شاسا كورتني، وهو ابن سانتين كورتني مالكوميس. وشاسا رجل سياسي يجيد دوره، وهو متزوج من تارا ولديهم أربعة أبناء. ومنذ البداية يتضح للقاريء زواجهما الفاشل. فشاسا لا يستطيع مقاومة أية امرأة جميلة وتارا تدرك بأن جنوب أفريقيا لا تعتني بجميع سكانها.

وبينما يملك البيض سلطة مطلقة على كل شيء إلا أن البلد تعيش حالة اضطراب. فالسود يعاملون كدرجة أدنى، ولا يملكون أية حقوق بشأن كيفية حكم بلدهم، لديهم مدينتهم الخاصة للعيش فيها، والقانون يمنع اختلاط السود والبيض في العلن.

وعلى السود أن يحملوا معهم تصاريح خاصة، ولا يحق لهم الخروج في مظاهرة احتجاج. وإذا تم ذلك يوجه لهم أمر يحظر عليهم الاجتماع أو التحدث مع أكثر من شخصين في ذات الوقت، كما يجب عليهم زيارة مركز الشرطة بصورة يومية لتقديم بيان بتحركاتهم القادمة.

وهناك مجموعة من الأشخاص ممن هم على استعداد لفعل أي شيء للحصول على حقوق السود في جنوب أفريقيا، ومنهم نيلسون مانديلا والشخصية ذات النفوذ القوي موسز غاما. وهم على دراية بضرورة الوقوف في وجه الحاكم الأبيض مهما كلف الأمر.

وتارا كورتني التي عاشت حياة مرفهة، ووالدها قائد حزب المعارضة وزوجها من أثرى أثرياء المنطقة ويملك مناجم ذهب وثروة سمكية ، على استعداد للتخلي عن كل ذلك مقابل القيام بالفعل الصحيح ومساعدة السكان الأصليين. ويتغير مجرى حياتها حينما تقع في غرام موسز غاما.

ولا يمكن لأحد تخيل الحد الذي تذهب إليه تارا لمساعدة موسز في تحقيق حلمه المتمثل في جنوب أفريقيا السوداء. وهكذا تعيش حياة مزدوجة بين أسرتها وبين قناعاتها وإن كان ولاؤها الكامل لغاما. ومعا ينسجان مؤامرة يمكن أن تغير جنوب أفريقيا إلى الأبد.

وموسز غاما على الرغم من نبل أفكاره إلا أنه لا يتوانى في استغلال الآخرين وتسخيرهم لمصالحه والتضحية بهم بما في ذلك الأطفال لتحقيق أهدافه، وهو على عكس مانديلا يميل إلى العنف والبطش وسفك الدماء للوصول إلى غايته.

وفي تلك الأثناء يكون شاسا مستغرقا في بناء مستقبله السياسي وتجارته وتنمية ثروته والاهتمام بمستقبل أبنائه، ولا يتردد في الانتقال إلى الحزب المعارض وهو الحزب القومي للحصول على منصب وزير حسب العرض الذي قدمه له رئيس الشرطة مانفريد دي لا ري، وهو نصف شقيق له من والدته وإن كان شاسا يجهل تلك الحقيقة.

ويستحوذ الكاتب مع الثلث الأخير من عمله على اهتمام القارئ الكامل الذي يجد صعوبة بالغة في التوقف عن متابعة الأحداث سيما حينما تبلغ المؤامرة ذروتها وتبدأ خيوط الأحداث بالتقاطع.