عندما تبادر ميشيل زوجة سائق التاكسي ديف رودمان إلى الهروب منه من أجل رجل آخر، حاملة معها ابنهما الصغير، فإن ديف يجد نفسه وقد استسلم إلى موجات من الشك والسخط. ولما كان يخشى من أن ابنه الصغير لن يقدر له أن يعرفه في يوم من الأيام بعد أن حرمتهما الأم من أن يلتقيا،

فإنه يبادر إلى كتابة نص حافل، هو في جانب منه يوميات سائق سيارة أجرة وفي جانب آخر أطروحة فلسفية بالغة الغرابة، وفي جانب ثالث ركام من المعرفة يقدر لكل سائق سيارة أجرة في لندن أن يضع يده عليه بحكم مهنته ومتاعبها. هذا الكتاب الذي قصد به أن يقع في يد الصبي عندما يكبر يضم كل عناصر القلق والإحباط التي تحفل بها حياة المدن الحديثة.

لكنه بعد خمسمئة عام سيكتشفه أبناء ما يعرف بجزيرة هام من جزر الأرخبيل الذي تحولت إليه بريطانيا بعد أن غمرها فيضان هائل، وسرعان ما يصبح هذا النص المكتشف كتابا مقدسا ويحظى مؤلفه بتقدير لم يكن يحلم به في يوم من الأيام وهو يسطره.

هكذا يبدو جلياً أن رواية ويل سيلف الجديدة «كتاب ديف» تجرى أحداثها في فترتين زمنيتين مختلفتين، تراوح بينهما فصول الكتاب. في الفترة الزمنية الأولى نتابع سائق سيارة الأجرة الساخط في الفترة من عام 2001 إلى عام 2003، وهو العام الذي يلقى فيه ديف حتفه.

أما الفترة الزمنية الثانية للكتاب فإن أحداثها تقع في المستقبل البعيد، بعد وقوع كارثة بيئية هائلة، هي ارتفاع كبير في مستوى سطح البحر يغرق لندن الكبرى بكاملها، وعلى جزيرة تدعى هام، نفهم ضمنا أنها منطقة هامبستيد هيث اللندنية العتيدة يكتشف الكتاب الذي يتحول إلى كتاب مقدس بين أناس في غاية الغرابة يتحدثون بأسلوب يحاكي أسلوب رسائل الهاتف المحمول.

من حق القارئ أن يستمتع بالنكات والطرائف التي يطرحها ويل سيلف في كتابه حول تحول الجوانب التافهة من حياة المدينة المعاصرة إلى حقائق مكرسة بعد خمسمئة عام من الآن.

ولكن على القارئ أولا أن يخوض غمار الاستعارات المفرطة في غرابتها التي تغرق فيها لغة ويل سيلف، فأنت أمام السخرية بالمعنى الذي وظفها به جوناثان سويفت في أعماله، ولكن خلف السخرية هناك قلق عميق لا موضع للشك فيه، قلق جامح، عاصف ومخيف، ينتظر الفرصة ليطل حتى من قلب الضحكات الهستيرية.

في هذا العالم الذي ينقلنا إليه ويل سيلف لنعيش أجواء المستقبل البعيد من غير أن نعجز عن تبين أصداء عالم جوناثان سويفت الغرائبي.

سنجد أن سكان جزيرة هام يتحدثون لغة تعرف بالموكني، التي لا تبتعد كثيراً عن «الكوكني»، العامية اللندنية العتيدة، لكننا سنقابل كائنات تعرف بالموتو وسنلاحظ أن الصغار يعيشون مع الأمهات نصف الأسبوع ومع الآباء النصف الثاني من الأسبوع.

ولا يتردد الناقد أوسكار تيرنر في عرضه للرواية على صفحات «الأوبزرفر» في الإشارة إلى أن الجزء المعاصر من الرواية أقل وقوعاً تحت طائلة اللغة التي ينحتها سيلف نحتاً، ولكن هذا الجزء مع ذلك يعاني من التسطيح في رسم الشخصيات، وهذه القاعدة تنطبق حتى على ديف الذي يظل في نهاية المطاف غريباً بالنسبة للقارئ.

حيث يبدو مجرد سلسلة متتابعة من الانفعالات وردود الأفعال، ولكنه لا يقترب بصورة حقيقية أبداً من أن يكون شخصاً حقيقياً.

أما روبرت ماكفرلين فإنه في عرضه ل«حكاية ديف» في «الصنداي تايمز» لا يتردد في انتقاد غرق سيلف في لعبة اللغة، ولذا لن نجده يحجم عن مهاجمة ولع الروائي البريطاني بالاستعارات المعقدة، بل يذهب إلى القول إن لغة مارتن إيميس ستبدو بالغة البساطة وأبعد ما تكون عن التعقيد والمراوغة إذا قورنت بلغة سيلف.

ويضرب ماكفرلين مثالاً على ما يقصده بالإشارة إلى أن سيلف يعجز عن مقاومة الدافع إلى أن يضفي الطابع البلاستيكي على العالم محولاً إياه إلى دفق من الأشكال والتحولات الغريبة والمحيرة.

وهو يقول إن قراءة أعمال القص كما يقدمها لنا المؤلف تقتضي جهداً كبيراً لأنه ما من شيء فيها هو ذاته، وإنما يراد به شيء آخر، أو هو يقلب إلى شيء آخر على يد المؤلف.

ويكمل الناقد جون هاريسون في مقال مطول في صحيفة «الغارديان» دائرة النقد الذي تتعرض له رواية ويل سيلف الجديدة، بالإشارة إلى أن ويل سيلف كان له على الدوام حضور قوي في كتبه إلى حد أن يصبح في بعض الأحيان من الصعب تحديد ما كتبه على وجه الدقة مقارنة بما قامت به الشخصيات في إطار تطورها الطبيعي والمنطقي والفني أيضاً الذي لا غنى عنه في أي عمل إبداعي له قيمته.

وهاريسون يدلل على صحة ما يقوله من خلال تحليل مطول لشخصية البطل، ديف نفسه، فنحن لا نفهم بداية لماذا لم ينطلق ديف إلى الجامعة للدراسة كما فعل كل أصدقائه، وإنما آثر البقاء في لندن والعمل سائق سيارة أجرة.

والمبرر الذي يقدمه لنا سيلف لسلوك ديف هو حبه للندن، التي يقول عنها إنها «تشبه الهوية» ولكن ذلك يحدث في 1987 في زمن الثاتشرية الذي جعل أفضل تعبير عن حب لندن هو المبادرة بمغادرتها.

وشخصية ميشيل، التي تبدو لنا مرشحة لأول وهلة لان تكون شخصية شديدة الثراء سرعان ما يتبين لنا أنها شخصية مسطحة في رسمها تستمد تصرفاتها من مقولات قياسية تجعلها تفتقر إلى الذاتية المميزة لها كإنسانة في المقام الأول.

وإذا كان الجانب الأول من الرواية يحظى بكل هذا القدر من الانتقاد سواء لرسم الشخصيات أو للغة التي تتحدثها، فإن الجزء الثاني سيظفر بنصيبه أيضاً من الانتقادات القاسية.

ويلفت نظرنا في هذا الصدد أن الناقد والروائي جون هاريسون لن يتردد استناداً إلى الجزء الثاني من الرواية في وصفها بأنها: «رواية كبيرة، مجنونة تشبه أعمال القص الانثروبولوجي عند أورسولا كي. لوجين كما تشبه رواية راسل هويان (رايدلي ووكر) التي كانت بمثابة مبشر بها».

أياً كان الأمر، فإن رواية ويل سيلف لا يمكن إلا أن تجعلنا نتذكر مقولة شهيرة لجوناثان سويفت، وهي: «لدينا ما يكفينا من التأملات لجعلنا نكره، ولكننا ليس لدينا منها ما يجعلنا يحب أحدنا الآخر». يرجع ذلك في المقام الأول إلى أن «كتاب ديف» هو عمل يستكشف آفاق القسوة والأنانية عند البشر.

وهو يلقي الضوء بصورة مركزة ومكثفة عليهما بحيث نظن أن هذا هو كل ما تضمه هذه القارورة الغامضة، الملتبسة، الصعبة والمعقدة، التي تسمى بالنفس البشرية.

وراء المخفر

«انطلق ديف بسيارته على امتداد النفق الطويل، المليء بالأبخرة، وتمهل وهو يدور حول الميدان وصولاً إلى الطريق الخارجي، حيث كانت هناك فنادق هائلة للغاية بحيث أن فنادق أخرى كان يمكن أن توضع داخلها. وانعطف إلى الحارة المغلقة عند نهايتها، التي تمتد وراء مخفر الشرطة وصولاً إلى مواقف مطاعم سائقي سيارات الأجرة. وأوقف سيارته عند المطعم الأول،

وكان به من يشغلون ربع طاقته، وهو ما لا يعد حضوراً حاشداً بالنسبة لصدر المساء في شهر ديسمبر، كان مطعم ومقهى السائقين المسمى «دوج شيريز» يبدو بهيجاً بما فيه الكفاية. كانت النوافذ والطنف مكسوة بالخيوط اللماعة، وعندما أغلق باب سيارة الأجرة، ودلف على مهل إلى المدخل كانت هناك شجرة عيد ميلاد تدعمها القوائم التي علقت عليها المطبوعات الدعائية الخاصة بسيارات الأجرة.

وعلى الجدار الطوبي العادي كان هناك ملصق يضم صورة فنجان مما يؤثر سائقو سيارات الأجرة احتساء مشروباتهم منه. وكان التعقيب المكتوب تحت الصورة هو: (233 جريمة اعتداء جنسي و45 حادث اغتصاب. فما الذي يدعو للمرح والضحك؟)».

مقتطف من رواية «كتاب ديف»

* الكتاب: كتاب ديف

* الناشر: فايكنج ـ لندن 2006

* الصفحات: 416 صفحة من القطع المتوسط

The Book of Dave

Will Self

Viking- London 2006

p.416