قام بتأليف هذا الكتاب الباحث بارنابي روجيرسون المختص بأدب الرحلات. وهو يتحدث هنا عن ثلاثة من أهم مراكز المغرب الثقافية والحضارية والتاريخية. ومعلوم أن المغاربة يدعون مراكش وفاس والرباط بالمدن الإمبراطورية.
ولكنهم يضيفون إليها مكناس أيضا وذلك لعراقتها التاريخية ولأنها كانت عاصمة المغرب أيام مولاي إسماعيل في القرن السابع عشر. وقد اشتهرت مراكش بأنها جوهرة الجنوب المغربي بل وكانت عاصمة إمبراطورية مترامية الأطراف أيام المرابطين والموحدين. كانت عاصمة الأندلس والمغرب كله بل وحتى الجزائر وتونس. وقد أسسها يوسف بن تاشفين عام 1062 ومعلوم أنه كان أول عاهل في سلالة المرابطين.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ويبلغ عدد سكان مراكش حاليا حوالي المليون ونصف المليون نسمة. وهم يتوزعون على مساحة كبيرة تتجاوز الستة كيلومترات مربعة. وهي رابع مدن المغرب من حيث الضخامة وعدد السكان بعد الدار البيضاء، والرباط، وفاس. وكمعظم المدن المغربية العريقة فإن مراكش تنقسم إلى قسمين متمايزين: المدينة القديمة التاريخية، والمدينة الجديدة التي بنيت حولها في السنوات الماضية.
هذا ويحيط المدينة القديمة سور مبني من الآجر الأحمر، ولذلك يلقبونها بالمدينة الحمراء أيضا. وهذا ما يبدو للناظر من الطائرة حتى قبل أن يحط رحاله فيها. ويبلغ طول السور المحيط بها اثني عشر كيلومترا، وأما ارتفاعه فيصل إلى خمسة أمتار وعرضه إلى مترين. وقد بنى هذا السور الملك المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين عام 1132. وبما أنه لا يزال صامدا حتى الآن، أي بعد مرور تسعمائة سنة على بنائه، فإنه يشكل أحد المعالم الأثرية الرائعة للمدينة.
وبما أن المرابطين كانوا مسلمين متحمسين جدا للإسلام فإنهم بنوا العديد من المساجد والمدارس القرآنية. كما وبنوا سوقا تجارية كبيرة من أجل المغرب الكبير كله بل وحتى من أجل إفريقيا السوداء. عندئذ بلغت مراكش ذروة مجدها وعظمتها. هذا وقد تأثرت عمارة المدينة بالطراز الإسلامي الأندلسي. ولا تزال بعض آثارهم بادية للعيان حتى الآن.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1147 استولى الموحدون على المدينة بعد أن هزموا المرابطين، بل واستأصلوهم لكي يحلوا محلهم. وبنوا بدورهم العديد من القصور والمساجد والمعاهد الدينية. نضرب على ذلك مثلا مسجد الكتبيّة الذي يعتبر من أهم معالم المدينة والذي يزوره السياح كل عام ويعجبون بفنه وعمارته. وقد بنوه على أنقاض أحد القصور التابعة للمرابطين الذين أفل نجمهم.
ثم استحدث الموحدون نظاما جديدا للسقي أو للريّ من أجل إنعاش غابات النخيل الشهيرة في مراكش. فهي بلد المليون شجرة نخيل، ينبغي ألا ننسى ذلك. وهل هناك أجمل من شجر النخيل؟
وفي عام 1269 دارت الدوائر على الموحدين أيضا واستولى المرينيون على المدينة وأصبحوا السلالة الجديدة التي تحكم المغرب. ولكن بدءًا من ذلك التاريخ أخذت مراكش تفقد وهجها الحضاري وإشعاعها وتدخل في نوع من الانحطاط والتهميش بسبب إهمال السلالة الجديدة لها.
وقد تم ذلك لصالح منافستها على المجد والشهرة: مدينة فاس. ولكن في بداية القرن السادس عشر أصبحت مراكش عاصمة المغرب من جديد وعادت إلى سابق عهدها في الإشعاع والازدهار. وكان ذلك بفضل أحد الملوك السعديين واسمه: محمد المهدي. وبما أنه كان غنيا فقد اهتم بعاصمته ورمم قصورها ومساجدها ومعالمها الأثرية.
ثم فقدت مراكش بعدئذ دورها كعاصمة أولى للمغرب من جديد. وفي نهاية القرن السابع عشر حلت السلالة العلوية محل السلالة السعدية في حكم المغرب.
ونقل العرش من مراكش إلى فاس ثم من فاس إلى مكناس.
وعلى هذا النحو تم تهميش مراكش الجميلة، عاصمة الجنوب المغربي. ولا يزال العلويون يحكمون المغرب حتى الآن.
وفي بداية القرن العشرين شهدت مراكش بعض سنوات الحرب الأهلية. ولكن فرض نظام الحماية الفرنسية على البلاد عام 1912 وضع حدا لهذه الفوضى. وعندما استقل المغرب من الاستعمار الفرنسي عام 1956 احتفلت مراكش به وبعودة محمد الخامس إلى البلاد كما فعلت بقية مدن وأنحاء المغرب.
هذه هي باختصار قصة مدينة مراكش العريقة. نضيف إلى ذلك قائلين بأن مراكش تعيش أساسا على السياحة لأنها مرغوبة كثيراً من قبل السياح الأجانب وبخاصة الأوروبيين من كل الجنسيات وفي طليعتهم الفرنسيون بالطبع. ولكنها تعيش أيضا على المهن الحرفية التقليدية الموروثة أبا عن جد منذ مئات السنين. ويحلو للأجنبي الغريب أن يتجول في أسواقها القديمة ويرى ما لا يراه في أي مكان آخر.
هذا وقد شهدت مراكش تطورا عمرانيا ملحوظا في السنوات الأخيرة. وتم تزويدها ببنية تحتية سياحية هامة وبخاصة الفنادق الكبرى ذات الحدائق الواسعةالجميلة والمسابح الحديثة على الطريقة الأوروبية. وكل ذلك من أجل استيعاب أكبر عدد ممكن من السياح الأجانب.
ومن أشهر معالمها السياحية نذكر ساحة جامع الفنا الذي يسهر ليلا حتى الصباح وترى فيه السحرة والمشعوذين والمطاعم الشعبية والدكاكين والعجب العجاب، وليس له مثيل في العالم! ونذكر أيضا مدرسة بن يوسف، والقبة المرابطية، وقبور الملوك السعديين، وحنفية إشرب وشوف! وجامع الكتبية المذكور آنفا، وقصر الباهية، وقصر البديع، الخ.
وأما عن مدينة فاس فيقول المؤلف ما معناه: إن هذه المدينة تقع في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية أو الضخامة بعد الدار البيضاء والرباط. وكثيرا ما يعتبرونها بمثابة المركز الديني والروحي للمغرب. فهي تضم جامع القرويين، أشهر جوامع المغرب وأكثرها عراقة. ومعلوم أنه كان أحد المراكز الكبرى للفكر الإسلامي في العصور الوسطى. فهو لا يقل أهمية عن الزيتونة في تونس أو حتى الأزهر في القاهرة.
أما المدينة القديمة في فاس فتعتبر تحفة التحف، وقد أعلنت اليونيسكو عن اعتبارها كميراث للبشرية ينبغي الحفاظ عليها كما هي. وعندما تدخلها تشعر وكأنك قد انقطعت عن العالم وعدت إلى العصور الغابرة: عصور الإسلام المجيدة، عصور العادات والتقاليد القديمة، وربما عصور ألف ليلة وليلة!
ثم يردف المؤلف قائلاً: إن فاس هي أقدم مدن المغرب وأكثرها عراقة، ونعتذر لأهل مراكش عن قول هذا الكلام! فقد أسسها مولاي إدريس عام 789م، أي قبل اثني عشر قرنا من الزمن. وبما أن منطقتها مليئة بالمياه والينابيع فإن إدريس الأول قرر إقامة عاصمته هناك. وتقول الأسطورة بأنه ضرب بالفأس في الأرض وقال: هنا ستكون مدينة فاس. وقد كانت.
هذا وقد لعبت فاس دوراً كبيراً في الحركة الوطنية من أجل الاستقلال ومعلوم أن زعيم حزب الاستقلال، علال الفاسي، هو من فاس كما يدل على ذلك اسمه. ويقال بأن عائلات الشرفاء، أي ذرية النبي صلى الله عليه وسلم كانوا متمركزين في فاس. وعلى أي حال فإن عائلاتها هي التي حكمت المغرب منذ فترة طويلة وربما حتى الآن. نذكر من بينها عائلة العراقي التي أعطت للمغرب أحد رؤساء وزرائها. ونذكر عائلة الإدريسي، والعمراني، والكتاني، والشرايبي، والفاسي، والتازي، الخ.
* الكتاب: مراكش، فاس، الرباط
* الناشر: الناشر: كادوغان غايدز - لندن، نيويورك 2006
* الصفحات: 278 صفحة من القطع الكبير
Marrakesh, Fez, Rabat
Barnaby Rogerson
Cadogan Guides- London- New York 2006
p.278