مؤلف «كتاب المحاضرات» هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضّل بن محمد المعروف بـ «الراغب الأصفهاني» ولد بأصفهان، وترعرع فيها، ثم انتقل إلى بغداد، وفيها حصّل علوم عصره، فكان العلامة الماهر المقبول عند العامة والخاصة والمحقق الباهر في اللغة والأدب والشعر والتفسير والكلام والحكمة والحديث والأخلاق والفقه.
ولكنّ حظّه من هذه العلوم جميعها من المعقولات، كان أكثر من المنقولات، وهو أول من طبّق الحكمة، أي علم العقل على الشريعة، ولا غرو فهو من حكماء الإسلام الكبار، وحسبه فخاراً أن «الإمام الغزالي»، وهو من هو كان يجلّ مصنفاته، ولاسيما كتابه «الذريعة إلى مكارم الشريعة» إذ كان يستصحبه ويستحسنه لنفاسته.
فمن يقرأ ما كتبه مؤلفنا في علوم القرآن، يجد بأنه من أعظم العلماء الذين يحسنون استخراج الآي من القرآن، وأما إذا كتب في الأدب، فهو فيه أديب على أكمل وجه عرف به أديب، يضع بين يديك يتيمات النثر وفرائد الشعر.
وهو لا يتكلم عن نفسه في كتبه، ويعد ذلك معيباً وإزراء بالعقل، ولعل ذلك جعله مغموراً عند مترجميه ـ على كثرتهم ـ فلم يذكروا كثيراً عن سيرته الذاتية، حتى أنهم اختلفوا كثيراً في سنة وفاته لكن أغلب المترجمين لحياته جعلوا وفاته في حدود سنة 502 هجرية وقد ترك «الراغب الأصفهاني» عدداً من الكتب المهمة.
ولعل من أهمها: «الاعتقادات، تفضيل النشأتين وتحصيل السعادتين»، الذريعة إلى مكارم الشريعة، رسالة آداب الاختلاط بالناس، رسالة في ذكر الواحد والأحد، مجمع البلاغة، محاضرات الأدباء ومحاولات الشعراء والبلغاء، مفردات ألفاظ القرآن، مقدمة التفسير».
أما كتابه «محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء» فهو تطبيق علمي لمفهوم المحاضرة لديه، فعلم المحاضرة علم يحصل منه ملكه إيراد كلام للغير، مناسب للمقام من جهة معاينة الوضعية، أو من جهة تركيبه الخاص. والغرض منه تحصيل الملكة.
ومن هنا رأينا المؤلف يحشد جلّ معارفه في الأدب واللغة والدين والأخلاق والحكمة والسياسة، جامعاً في ذلك بين المنظوم والمنثور، بعبارة بليغة فصيحة، ليكون ذلك عوناً للأديب في مجالسه، على إيراد العبارة المستشهد بها في موطنها، فلا يحضره ساعة الاستشهاد حصر.
وقد أوضح «الراغب الأصفهاني» في مقدمته هذه الغاية، فالكتاب في مضمونه هي هذه الرياض العامرة، بما لذ وطاب من الموضوعات الآسرة المدلل عليها بالشواهد من الشعر والنثر على اختلاف ضروبه وما على الأديب إلا أن يمتح من هذا المعين الثري ، آخذاً من كل علم بطرف، وعلى قدر المتح والإصابة، يمتلك هذا الأديب أو ذاك ناصية البيان ما يمتلك.
أقام «الأصفهاني» كتابه على جملة من الحدود، بلغت خمسة وعشرين حداً، ويندرج تحت كل حد موضوع قائم بذاته، ونذكر من هذه الحدود وموضوعاتها: الحد الأول: في العقل والعلم والجهل، وما يتعلق بها، الحد الثاني: في السيادة وذويها وأتباعها، والحد الثالث: في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والتكبّر، الحد الرابع: في النصرة والأخلاق والمزح والحياء والأمانة والخيانة.
ويمكن القول: إن بعض هذه الحدود لسعتها، تشكل كتاباً بحالة كالحد الأول.
كما ضم إلى كل حد جملة من الفصول المعنونة بعناوين فرعية، تعود في جملتها إلى الحد، وليس هذا فحسب، بل إن الفصول نفسها جعل فيها أبواباً، ولكل باب عنوانه الخاص به، العائد في جملته إلى الفصل، فنحن في الحد الواحد أمام سلسلة هرمية دقيقة فمنهجة من العناوين الفرعية الكثيرة التي تنتحي أولاً وآخراً إلى الحد، شأنها في هذا شأن أبواب الكتاب وفصوله.
وما تتفرع عنه هذه الفصول أحياناً. فمثلاً: الحد الثاني عشر، وقد جعله في الإخوانيات، فلقد فرعه إلى ثلاثة فصول هي: مما جاء في الإخوان وأحوالهم، ومما جاء في محبة المعاشرين وبغضهم، ومما جاء في الزيارة.
فإذا نظرنا في الفصل الأول، وجدناه يقوم على 79 باباً لكل باب عنوانه الخاص به، العائد إلى الفصل، والفصل يعود إلى الحد حدود الأخوة، الترغيب في اقتناء الإخوان، الحث على الإكثار منهم، تفضيل الصديق على النسيب.
وأما الفصل الثاني فضم ثمانية أبواب: المحبوب إلى الناس، النهي عن فرط الحب والبغض، قلة المبالاة ببعض من لا يقصد ضرك، أسباب محبة المحبوب.... إلخ.
وقد أودع الراغب الأصفهاني في كتابه هذا ثقافته الموسوعية في الأدب واللغة والتاريخ والقرآن والحديث والأمثال وأقوال الحكماء والزهاد والحكام والبلغاء والشعراء، ليكون كتابه درة ثمينة على مدى الأيام ومعيناً لا ينضب للثقافة والمعرفة.