مؤلف هذا الكتاب هو د. ميثم الجنابي أستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة الروسية. له العديد من الكتب منها علم الملل والنحل، الإسلام السياسي في روسيا، حكمة الروح الصوفي، العراق ومعاصرة المستقبل، التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي.
يبحث المؤلف في هذا الكتاب تاريخ العراق منذ الحضارة السومرية والبابلية والآشورية، مروراً بسقوط بغداد في القرن الثالث عشر، ثم السيطرة العثمانية، وبعدها الأوروبية، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي عام 2003. هذا الواقع الجديد وضع العراق أمام خيارات وبدائل عديدة.
لأن إسقاط التوتاليتارية البعثية والديكتاتورية الصدامية لا يعني الوصول إلى الحرية والديمقراطية. كما أن الادعاء بالديمقراطية لا يعني أن هذا البديل قد تحقق. مما يترك الباب مفتوحا أمام عودة الاستبداد بصيغ وأشكال مختلفة، وما يرافق ذلك من أخطار وحروب مدمرة.
فالعراق يواجه من الناحية الواقعية في المرحلة الراهنة مشاكل قومية وطائفية وجهوية. وهي مشاكل مركبة وشاملة. لأن الاستبداد أحدث خللاً بنيوياً في المجتمع العراقي. والتوحيد القسري الشامل أدى إلى التجزئة الشاملة في كل شيء. وتفتيت وتهميش شبه كامل لمكنونات الهوية العراقية.
مما دفع بالصيغ التقليدية السابقة لتاريخ الدولة كالطائفية والقبلية والجهوية والمذهبية للبروز عند انهيار الاستبداد، وسيطرة الاحتلال. وهي هويات جزئية ومتخلفة. ورغم أنها ضعيفة وهشة، إلا أنها شرسة ومرهقة ومدمرة في الوقت ذاته.
والقوى السياسية كان يجمعها هاجس إسقاط صدام وليس هناك أي اتفاق حول منظومة البديل الوطني الديمقراطي والدولة الشرعية. واغلبها - كما يراها المؤلف ـ لم يرتق بعد إلى مصاف الرؤية السياسية الوطنية العقلانية. وأهم المسائل الاشكالية التي برزت تدور حول القومية والفيدرالية والموقف من الخارج.
فالفكرة القومية تغذيها الرؤية الأسطورية الضيقة القائلة بأن كل قومية أو عرق، موجودة هنا منذ الأزل وهي الأحق في امتلاك الأرض! كما يلاحظه المؤلف بشكل خاص عند الأكراد.
وأن مقارنة بسيطة بين الخرائط والتي يرسمها كل من الأكراد والتركمان والكلدآشوريين لمناطقهم في الشمال العراقي تظهر بأنها تشير إلى نفس الأرض التي يدعي الجميع ملكيتها. وكما توضح في النزاع حول «كركوك» ـ نموذجا ـ التي تضم كل القوميات.
فالأكراد يعتبرون كركوك مدينة كردية، وأن التركمان ليسوا من شعوب العراق الأصلية. والتركمان يعتبرون ذلك أدعاء زائفا ويردون بالعكس. والكلدآشوريين يعارضون الاثنين ويعتبرون كركوك وغيرها من مدن الشمال العراق هي امتداد لمدن الحضارة السريانية القديمة.
أما الرؤية العربية فإنها تحتضن الفكرة التركمانية والكلدآشورية وتضيف اليها البعد العربي الإسلامي، أو البعد العربي العراقي، ولا تقر بأي مشروعية للرؤية القومية الكردية بأرض العراق. وتعتبر وجودهم كأقلية قومية في العراق الذي لا يقبل التجزئة.
وكذلك الموقف من الفيدرالية التي تتحول عند الأكراد إلى ضم منطقة عراقية إلى المناطق الكردية، ضمن رؤية إستراتيجية ليست عراقية، إنما دولة كردية منفصلة. مع أن الفيدرالية هي احد النماذج المعقولة لبناء الدولة الشرعية. وهي ضرورية لحل المشكلة الكردية بشكل خاص.
وأيضا الموقف من الاحتلال الأميركي وإسرائيل والعالم العربي والإسلامي يشكل إشكالية غالبا ما تحكمها المصالح الضيقة. ولا ينظر إليها من منشور المصلحة الوطنية العراقية.
بالإضافة إلى ما سبق يبرز خطر الصراع الطائفي والحرب الطائفية وفرز «مثلث الشيعة» و «مثلث السنة». وهي مثلثات لا تعبر إلا عن التخلف والانحطاط وتنفي الوطنية العراقية.
ويشير المؤلف إلى تجربة «مجلس الحكم المؤقت» بوصفها التجربة الأولى للسلطة الجديدة. حيث عبرت كل القوى السياسية من خلالها عن سعيها نحو توسيع حصتها في السلطة، وليس السير نحو بناء الدولة الديمقراطية.
وكذلك «الدستور المؤقت» الذي يجعل «الحدود الإدارية» داخل العراق موضوعا للجدل السياسي والقومي ومحاولة تدويلها، والدعوة للاسترشاد «بالسكان الأصليين». وهذا تعبير وترسيخ للعرقية والقومية الضيقة.
كل هذا يعبر عن خلل بنيوي يعكس ضعف وغياب الهوية الوطنية العراقية. فالعرقية والتحزب القومي الضيق هي إحدى المعوقات الكبرى القائمة أمام إعادة بناء الشخصية العراقية، والسياسة العراقية، والوطنية العراقية.
ويجمع المؤلف بين التاريخ وعلم الاجتماع والسياسة والفلسفة، في محاولة لتكوين رؤية شاملة، لتحديد الملامح الأساسية للبديل الوطني الديمقراطي بوصفه النقيض الحقيقي للاستبداد بأشكاله كافة. وهذا البديل ـ كما يراه ـ لابد له من الارتكاز على الثلاثية: الدولة الشرعية الديمقراطية، والمجتمع المدني، والثقافة العقلانية البديلة.ويسميها «فلسفة الاستعراق».
و«فلسفةالإستعراق» هي الفلسفة الساعية للبرهنة على أن العراق هو أولاً وقبل كل شيء هوية ثقافية وهي غير معقولة وغير مقبولة خارج ثرائها الرافديني والعربي والإسلامي. وان مضمون العربية الإسلامية هو جوهر ثقافي. وان الهوية الثقافية المفترضة للعراق هو الاستعراق.
والاستعراق هو الحد الأقصى للقومية فيه.وبهذا المعنى ليس المقصود بالاستعراق سوى فلسفة الفكرة الوطنية القادرة على تمثيل الارتقاء من العرقية إلى العراقية وبذلك فهي تعبر عن ظاهرة قومية رفيعة المستوى من حيث كونها نفياً للعرقية وليس للقومية كما هي.
و«حكمة الاستعراق» ليست سوى الحكمة النظرية والعملية المتعلقة بإعادة بناء الدولة والمجتمع والثقافة استناداً إلى رؤية فلسفية متكاملة تأخذ بصورة كاملة منظومة مكونات العراق.
والخروج على الاستعراق هو رجوع للعرقية، والتعريب والتكريد، والمثلث السني والمثلث الشيعي، وهي ظواهر تعبر عن التخلف والانحطاط، وتدفع بالمجتمع إلى الوراء بدلاً من التقدم خطوة نحو الأمام.
والحقيقة البسيطة التي يجب إدراكها من قبل الجميع هي أن العراق يكفي الجميع. وأنه لا يوجد في العراق أراض قومية خالصة. إنما العراق كينونة تاريخية ثقافية، اشترك في تأسيس طبقاتها كل القوميات والأعراق عبر تاريخ يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام.
والهوية العربية الإسلامية تحتوى بهذا المعنى على مختلف المكونات الحضارية والثقافية للأقوام المنتشرة في العراق، كما أنها كينونة واحدة غير مجزأة من حيث محتواها.
والدولة الشرعية يفترض بها أن تنفي الملكية والجمهوريات الاستبدادية السابقة، وهي التي ترسخ قواعد النظام الديمقراطي وتؤسس لمجتمع مدني حديث. ويجب أن تتأسس منظومتها على ثلاثة مبادئ وهي: ضرورة تمثل الدولة لتاريخها الكلي، وأن تجسد حقائق تاريخها الكلي، وأن تحقق تكاملها التلقائي من وحده أوزانها الداخلية.
وفكرة الأوزان في الواقع ليست سوى فكرة الاعتدال. وهي ثمانية أوزان تتضمن: توازن السلطة والمجتمع، والحرية والنظام، والاقتصاد والعلم، والتربية والتعليم، والثقافة والإبداع، والصحة والرياضة، والتقاليد والمعاصرة، وتوازن الوطني والقومي والعالمي.
والمجتمع المدني هو أولا وقبل كل شيء مجتمع الحقوق والشرعية والحركة الذاتية للمطالب وتأسيسها الاجتماعي والأخلاقي. وقد تم انتهاك شامل للمكونات الجوهرية للمجتمع المدني، وإفراغ المجتمع من مقومات فعله الذاتي، من قبل الاستبداد.
والنقد الشامل للبنية التقليدية التي رسخها الاستبداد والتي تعتمد على العرق والطائفة والعرف والعادة هي المقدمة الضرورية لتأسيس إستراتيجية بناء المجتمع المدني الحديث في العراق. هذا المجتمع الذي يستند إلى عناصر التطوع والاختيار، والمؤسسات، والاستقلال النسبي، والكينونة الذاتية، والرؤية المنظومية لمجتمع بوصفه نسيجاً حياً موحدّاً.
وهذا التأسيس يحتاج في ظروف العراق الحالية إلى أسلوب واقعي وعقلاني لبناء مؤسساته. وهو أسلوب يفترض بدوره الاستناد إلى قوى تلقائية تنبع من المجتمع نفسه، والى تحقيق فكرة الخلايا الحيوية من نقابات وجمعيات وتشكيلات متنوعة تعطى لها إمكانية الحركة الحرة والمستقلة عن الأحزاب.
وفكرة الحرية الفردية والتي هي المؤشر الواقعي على مستوى التجسيد الفعلي للأبعاد المدنية في المجتمع وذلك ضمن النظام الاجتماعي الذي تتكامل فيه الحرية والنظام.وهذه الأسس يدعوها المؤلف «فلسفة البدائل الثقافية». فالثقافة هي المكون الروحي للدولة والمجتمع. ومرجعيات هذه الفلسفة هي: فلسفة الاستعراق وهي أسلوب بناء الهوية العراقية.
وفلسفة الاعتدال العقلاني وهي أسلوب تذليل الذهنية الراديكالية. وفلسفة المرجعية الثقافية وهي أسلوب تذليل مختلف أصناف المرجعيات.
* الكتاب: العراق ورهان المستقبل
* الناشر: دار المدى ـ دمشق 2006
* الصفحات: 239 صفحة من القطع المتوسط
مروان عبد الرازق