بيتر فان هورن هو صحافي ذو شهرة عالمية يكتب في العديد من الصحف والمجلات. جعل من رياضات المغامرة اختصاصاً رئيسياً لاهتماماته، إلى جانب اهتمامه بالمغامرين.
«ستيف فوسيت» الملياردير الأميركي الشهير الذي تشكل الأعمال الخارقة والأرقام القياسية التي حققها موضوع هذا الكتاب، هو أحد هؤلاء المغامرين الاستثنائيين. واذا كان أصحاب الثروات الكبرى يهتمون أحياناً بجمع التحف والآثار الفنية أو بشراء السيارات الفخمة والقصور فإن ستيف فوسيت.
وبعد ان حقق نجاحات هائلة في عالم الأعمال والمال صب جل اهتمامه على تحطيم الأرقام القياسية في قطع المسافات البعيدة أو تسلق الجبال الشاهقة أو عبور البحار والمحيطات، وحيداً في بعض المرات أو بصحبة فريق في بعضها الآخر.
ويصف المؤلف «بطله» ستيف فوسيت انه «مغامر ليس كالآخرين» وانه يجمع في شخصيته كلا من «جول ثيرن وجاك لندن وأرنست همنغواي وهيوارد هوغ».. وانه الرجل الذي أجاب باستمرار أمام أي تحدٍ واجهه أو طرحه على نفسه بالقول: «أنا جاهز».
بدأ ستيف فوسيت مغامراته في بلده «غاردن غروف» بالقرب من مدينة لوس انجلوس بولاية كاليفورنيا الأميركية. تأسست تلك البلدة الصغيرة عام 1870 وجمعت تنوعاً اثنيا كبيراً حيث كان سكانها خليطا من الآسيويين والناطقين باللغة الأسبانية القادمين من المكسيك وغيرها من بلدان أميركا الجنوبية والأميركيين بالطبع ذوي الأصول الأوروبية وغيرها.
كان ذلك التنوع مصدر غنى للبلدة التي عاشت مع ذلك تجربة قاسية خلال الحرب العالمية الثانية اذ نصبوا فيها وبالقرب منها عدداً من المعسكرات المحاطة بالأسلاك الشائكة كي يسجنوا فيها الأسرى اليابانيين والألمان أيضاً. وأثناء تلك الحرب رأى ستيف فوسيت النور يوم 22 أبريل من عام 1944.
لم يكن ستيف متميزاً بصفاته الرياضية عندما كان فتى يافعاً بل لم يكن يمارس أية رياضة ولم يبد أنه يولي أي اهتمام حقيقي بأية رياضة. ويقول عنه أولئك الذين عرفوه في تلك الفترة على انه كان يميل لـ «الانعزال» لكن الأمور تغيرت تماماً عندما التحق بفريق كشفي في المدينة حيث ازدهرت شخصيته تماماً وتعرف على عدد من الأصدقاء وكانت تجربته الحياتية الحقيقية الأولى.
وهناك جعل شعار حياته هو: «ليست هناك أية متعة يمكن مقارنتها بمتعة أن يقوم الإنسان بتحضير وجبات طعامه بنفسه على النار الصغيرة في نهاية النهار وليس هناك أية رائحة أخرى أكثر عبقاً». وعبر تجربة الكشافة تلك اكتسب ستيف فوسيت، كما يقول، مبادئ رافقته طيلة حياته مثل الاستقامة والاستعداد والشجاعة والتعاطف.
مبادئ الكشافة البسيطة هذه بدت له ذات فعالية كبيرة من أجل مواجهة حقائق الحياة. وقد ترقى ستيف في المراتب الخاصة بعالم الكشافة الى مرتبة «نسر الكشافة» أي أعلى مرتبة كان يمكن لكشاف أميركي ان يصل اليها وحيث لا تتعدى نسبة الذين وصلوا اليها نسبة 2% من الكشافة الأميركيين.. وكان من بين هؤلاء «النسور» نيل ارمسترونغ الذي كان أول إنسان يخطو على سطح القمر.
ومع الكشافة اكتشف ستيف فوسيت متعة تسلق الجبال والمرتفعات ولم يكن يتردد في تسلق أي «مرتفع» يصادفه. وفي ذلك الإطار قام بأول مغامرة حقيقية له عندما توجه مع عدد من أصحابه بقارب صغير إلى جزيرة قريبة تحمل اسم «الصخرة» من أجل القيام بعمليات تسلق متنوعة تؤمنها الجزيرة.
وانطلاقاً من تلك المغامرات الصبيانية انتهى ستيف فوسيت كأحد أفضل متسلقي جبال الألب العالية بل وأحد أشهر الذين قاموا بحملات في هذا الميدان بمختلف أصقاع الأرض.
لكن قبل تحقيق الإنجازات الرياضية الكبرى وتحطيم الكثير من الأرقام القياسية كانت هناك مرحلة مهمة في حياة ستيف فوسيت هي انتسابه إلى جامعة ستانفورد ذات الشهرة العالمية في مجال تحضير طلابها لخوض عالم رجال الأعمال وكذلك عالم البحث العلمي. وأثناء دراسته الجامعية قام بالرحلة الأولى إلى أوروبا حيث تسلق جبل «سيفران» الشاهق الواقع بين سيويسرا وايطاليا.
أنهى ستيف فوسيت دراساته في جامعة ستانفورد بالحصول على شهادتها في ميدان إدارة الأعمال عام 1966 لينتسب بعدها إلى جامعة سانت لويس في واشنطن والتي كانت تستقبل الطلبة المبرزين في العديد من الميادين العلمية في مقدمتها الاقتصاد ولكن أيضاً الطب وهندسة العمارة.
والى جانب دراسة الاقتصاد الحديث استمر ستيف بممارسة نشاطه في إطار الكشافة ليصبح عضواً في اللجنة القومية التنفيذية لكشافة أميركا، وترأس عدة لجان متفرعة عنها.
وقد قال ذات مرة في إحدى مقابلاته الصحافية: «عند الكشافة يتم الوصول إلى الميداليات على أساس الجدارة والاستحقاق، وهذا شيء بقي ثابتا في ذهني باستمرار».
في عام 1968 حصل ستيف فوسيت على شهادة «الماجستير» في إدارة الأعمال. كان عمره آنذاك 24 سنة، بدأ مسيرته المهنية في ولاية «ايلينوي» بميدان المعلوماتية. لم يرق له ذلك العمل كثيراً لاسيما وان المردودية فيه تحتاج إلى فترة زمنية بسيطة، لذلك فضل «البورصة» حيث يمكن كسب أموال كثيرة بمجرد تحريك رؤوس الأموال.. اتصالات هاتفية وأرقام وثروات قد تلي هذا مباشرة.
كان ستيف فوسيت هو احد المضاربين بين الآلاف.
لكنه وكما في عالم الكشافة، ارتقى بسرعة كبيرة درجات السلم وبرزت مواهبه وحسه الحاذق في المضاربات وجرأته التي أعطت مردودية كبيرة. وكان يمكن لـ «المخاطرات» التي قام بها ان تكون كارثة ولكن بمقدار ما تكون المخاطرة أكبر قد يكون الربح أكبر أيضاً. لم يتردد ستيف حيث كان يتراجع المضاربون التقليديون.. هكذا استخدم جسارته، وربما حالفه الحظ أيضاً، كي يكسب أكثر فأكثر من الأموال.
وفي عام 1980 أسس شركة باسمه دعاها «لاكوتا» للتجارة التي كان مقرها في شيكاغو.. وكان قبلها يعمل إلى هذه الدرجة لحساب الآخرين أما في هذه الشركة فقد كان يعمل لحسابه الخاص بل سرعان ما أصبح يعمل معه خمسة وخمسين موظفاً. ولفظة «لاكوتا» تدل على اللغة الثانية في جنوب أميركا بعد لغة «نافاجو»..
وكان المخرج السينمائي كيفن كوستز، قد استخدم لغة «لاكوتا» في فيلمه الشهير «الرقص مع الذئاب» كان فوسيت يريد بتلك التسمية إظهار تعلقه بجذور القارة الأميركية واحترامه للهنود أبناء البلاد الأصليين وبالوقت نفسه تعلقه بالطبيعة الذي تأصل منذ سنوات الكشافة.
أنشأ ستيف فوسيت بعد ذلك عدة شركات في شيكاغو ونيويورك. لكن في الوقت الذي كانت تدخل الأموال «تدفقاً» إلى خزائن شركاته لتجعل منه مليارديراً سعيداً، أولى انتباهه للعديد من النشاطات الرياضية، ولكن ليس رياضات الأغنياء المألوفة مثل الجولف والفروسية وان بالأحرى «الرياضات المتطرفة».
وفي مقدمتها تسلق الجبال الشاهقة مثل ماكنلي ومون بلان وايجير. وكان عليه ان يتحمل في كل مرة مشقات كبيرة ومواجهة الطبيعة أحياناً بكل ما تحمله من أخطار.. لكن هذا كان يمثل بالنسبة له طريقة لـ «غسل ذهنه من ضغط عالم الأعمال ولكن أيضاً خلق إرادة فولاذية لديه».
على جانب الأعمال كانت شركات ستيف فوسيت تزدهر أكثر فأكثر ليصبح أحد أكثر رجال الأعمال نفوذاً في الولايات المتحدة الأميركية.. وذلك بفضل تحليلاته النافذة وقدرته على إدارة أولئك الذين يعملون معه.. لكنه كان يحرص دائماً على التجول في شيكاغو على ظهر دراجة.
وقد اعتبر ذلك بمثابة أخطر تجربة عرضت حياته للخطر بسبب ازدحام السيارات وسرعتها، ورغم التواضع المستمر الذي حافظ عليه هذا الملياردير فإنه اشترى لنفسه عدة منازل في أماكن مختلفة من أميركا والعالم..
يقول عن نجاحه: «ان التفرد والاحتراف أعطياني الصفة الضرورية لخوض عالم الأعمال. لكن التزامي الكامل بما أفعل هو مفتاح نجاحي في هذه الأعمال، كما في الرياضات الخطيرة».رفض ستيف فوسيت الاحتفاظ بأمواله في البنوك بل لم يقتصر على متعه الخاصة بل لم يتذرع عن مساعدة العديد من المشاريع الصغيرة في مناطق مختلفة من العالم الثالث.
. وبالإضافة الى كونه عضو شرف في جامعة سانت لويس في واشنطن فإنه يمول العديد من البرامج والبحوث ويقدم منحاً دراسية للكثير من الطلبة.. ويبقى ميدان البحث حول الطبيعة والبيئة في مقدمة اهتماماته.
ومنذ مطلع عقد التسعينات الماضي، عندما كان لايزال يتمتع بـ «شباب أبناء الأربعين، ابتعد عن أعماله حيث كلف بعض من يثق بهم برعايتها ليتجه كلية نحو المغامرات الرياضية الاستثنائية. هكذا شوهد مرتين عند سفح قمة «إيفرست» الأعلى يقطع 500 ميل، وأيضاً كأحد المشاركين في سباق باريس ـ داكار الشهير للسيارات.
وفي سجل «انجازات» ستيف فوسيت يمكن ذكر قطعه بحر المانش سباحة من الشاطئ الفرنسي إلى الشاطئ الانجليزي وسبر «صحاري» الجليد في ألاسكا والدوران حول ايرلندا بقارب شراعي، واجتياز المحيط الأطلسي في منطاد ما بين سان جون في كندا حتى هامبورغ في ألمانيا ثم اجتيازه المحيط الهادئ «الباسيفيكي» في المنطاد ايضاً ولكن وحيداً ودون أي هبوط أثناء الرحلة.. وقيامه بمحاولة أولى للدوران حول العالم دون هبوط ووحيداً في شهر يناير من عام 1996.
تلك المحاولة التي اضطر للعزوف عن إتمامها.. كرر ستيف فوسيت هذه المحاولة ست مرات لينجح في السادسة ما بين 9 يونيو و3 يوليو من عام 2002.. وذلك بعد ان كان عبر بقارب شراعي البحر المتوسط بين مرسيليا في فرنسا وقرطاج في تونس.
يمكن لقائمة «الانجازات» التي قام بها ستيف فوسيت ان تطول كثيراً لتجعل منه صاحب لقب «الملياردير المغامر» بامتياز.. إنه يعبر عن ولعه بالمغامرة وما قام به «مغامراً» بكل الاتجاهات بالجملة الثالثة:
«إن الأشياء التي افعلها يحب الكثيرون دون شك عملها.. انني اهتم بأشياء كثيرة ـ والفرق الوحيد بالقياس الى أغلبية الناس هو اذهب في عمل ما أرغب به حتى النهاية».
واليوم لايزال يردد: «هناك شيء أكيد هو أنني لا أريد ان استريح في المنزل. اذ هناك أشياء مهمة كثيرة ينبغي عملها».
* الكتاب: الملياردير المغامر ـ ستيف فوسيت
* الناشر:فافر ـ لوزان 2005
* الصفحات: 282 صفحة من القطع المتوسط
L' AVENTURIER MILLIARDAIRE STEVE FOSSETT
PETER VAN HORN
FAVRE - LAUSANNE 2005
P.282