إذا كانت رواية مونيكا علي الأولى «بريك لين» هي ملحمة عائلية متألقة تروي إلى حد كبير من داخل شقة امرأة بنغالية في حي الإيست إند اللندني، فإن روايتها الثانية تنطلق أحداثها في جماعة مكافحة بالقدر نفسه في قرية ماماروزا في منطقة ألينتيجو الريفية البرتغالية.

حيث تتهاوى أسعار الفلين الذي يشكل المنتج الرئيسي في المنطقة، التي لا تزال تتعافى من آثار نظام سالازار الوحشي، ولا يهتم السكان المحليون تمام الاهتمام بتلبية مطالب السياح. ولكن بينما كانت «بريك لين» تعكس تناغماً سيمفونياً فريداً، فإن هذه الرواية الثانية لمونيكا على أقرب إلى أنغام البلوز المفعمة بالحزن والشجن.

إذا كانت رواية مونيكا علي الأولى «بريك لين» هي ملحمة عائلية متألقة تروي إلى حد كبير من داخل شقة امرأة بنغالية في حي الإيست إند اللندني، فإن روايتها الثانية تنطلق أحداثها في جماعة مكافحة بالقدر نفسه في قرية ماماروزا في منطقة ألينتيجو الريفية البرتغالية.

حيث تتهاوى أسعار الفلين الذي يشكل المنتج الرئيسي في المنطقة، التي لا تزال تتعافى من آثار نظام سالازار الوحشي، ولا يهتم السكان المحليون تمام الاهتمام بتلبية مطالب السياح.

ولكن بينما كانت «بريك لين» تعكس تناغماً سيمفونياً فريداً، فإن هذه الرواية الثانية لمونيكا على أقرب إلى أنغام البلوز المفعمة بالحزن والشجن.

هذا هو الإحساس الذي ينتقل إلينا على الفور عندما نلتقي بالفلاح العجوز جواو ونراه وهو يصادف بعينين دامعتين جثة صديقه روى مدلاة من شجرة بعد انتحاره على اثر تحطم أحلامه الايديولوجية.

وهذا الشعور أيضاً يحوم حولنا عندما نلتقي عائلة بوتس الانجليزية التي تحيا في القرية البرتغالية حياة بائسة أقرب إلى حياة المنفى الأزلي.

والكاتب، البريطاني أيضاً، ستاننون يشق طريقه في إنجاز سيرة حياة أدبية، لا تبدو لنا من الطراز الأول، وحياته العاطفية لا تقل بؤساً عن حياته الإبداعية، فهو لا يتردد في الدخول في قصتي حب مع السيدة بوتس وابنتها في آن.

وفاسكو، صاحب المقهى العتيد في القرية، يزداد بدانة كل يوم مع التهام المزيد من الفطائر، وهو يستحضر دامعاً قصة لقائه بالسائحة الأميركية ليلى والحب الذي ربطه بها، ومن ثم زواجهما، ورحيلها عن عالمنا لتتركه يعاني من أحزان الترمل.

أما الشابة ليزا، ابنة القرية، فكل ما يشغلها هو الاستعداد للرحيل عنها في أقرب وقت ممكن، لتمضي إلى انجلترا، وعلى وجه التحديد إلى لندن، حيث ينتظرها مستقبل أبعد ما يكون عن الوضوح.

هكذا فإن مونيكا علي تقدم لنا نسيجاً بالغ الثراء من الضعف والهشاشة الإنسانيين، نصادف في إطاره حشداً من أبناء الريف البرتغالي والمقيمين على أرضه والسياح العابرين.

هذه الشخصيات التي تحشدها الروائية تنظر وتأمل حدوث التغير في حياتها، لكنها لا تستطيع إرغام نفسها على بذل الجهود التي يمكن أن تجعل من ذلك أمراً ممكناً.

والكثير منهم يعلقون آمالهم على عودة ماركو أفونسو رودريجز ابن القرية البرتغالية إليها بعد أن وصل إلى مراكمة ثروة يعتد بها في الخارج ومضى يستعد للعودة إلى ماماروزا لأغراضه التي تظل حتى اللحظة الأخيرة غامضة وملتبسة.

ويلفت نظرنا أن مونيكا علي تجعل كل فصل من فصول روايتها ينطلق مع راوية جديد، الأمر الذي يعني ضمنا التضحية بتطور الشخصية لصالح الموضوع، وعلى الرغم من ذلك فإن اللمحات السريعة والمعذبة من عذابات كل شخصية تبدو لنا مؤثرة ومقنعة معاً.

ربما لهذا على وجه الدقة لا تتردد لأي آن فرابل في مقال نشرته «لايبراري جورنال» في القول إن رواية مونيكا علي يمكن أن توضع موضع المقارنة، بصورة مواتية، مع رواية كارسون ماكولرز «القلب صياد وحيد»، باعتبارها دراسة إبداعية لليأس الجماعي والآمال المحبطة.

غير أن مجلة «كيركوس» الالكترونية المتخصصة تتبنى في عرضها للرواية نغمة نعتقد أن صوتها سيعلو في مرحلة لاحقة، وهي نغمة نقدية لا تفتقر إلى الحدة، فهي تذهب إلى أن مونيكا علي تطور بخطى واثقة في رواية «بريك لين» حياة أبناء لندن من سكان الايست إند، إلا أنها في تطويرها للرواية الجديدة لا تبدو على القدر نفسه من الخطى الواثقة.

وترى المجلة أن ما يغيب عن رواية مونيكا علي الجديدة هو الانضباط الصارم الذي كان يمكن فرضه على العمل بكامله. فهي تنطلق وسط العديد من الأصوات وزوايا الرؤية، كما أن رسم الشخصيات يتسم بالسطحية، على الرغم من أن تغير المشاهد والمناظر قد يكون ضرورياً لتحقيق النمو الفني.

هذه اللمحة النقدية التي لا تنقصها الحدة سرعان ما نراها تنتقل من المجلات الالكترونية إلى قنوات الرأي الأكثر سعة وانتشاراً، فها هي صحيفة «الغارديان» اللندنية تبادر إلى الإشارة إلى أن الانطلاق في قراءة «بريك لين» يقود القاريء إلى المزيد من التماسك والتراكم بينما تبدو الرواية الجديدة «سماء ألينتيجو» مجموعة من اللوحات المتتابعة ليس فيها ما يدفع السياق قدماً على الاطلاق.

تشير «الغارديان» أيضاً إلى أن الوحدة الجغرافية هي العنصر الوحيد الذي يكفل تماسك الرواية الجديدة، فالفصول كلها تقع أحداثها في قرية ماماروزا، وهي قرية رائعة المشاهد في الريف البرتغالي، وهي نوع من الأماكن المسالمة التي تدفع شبابها المقيم في رحابها إلى الرغبة في الخروج منها والعمل في عاصمة مثل لندن.

وتجتذب أبناء لندن إليها لكي يعيشوا ما يبدو لهم حياة أكثر سهولة ويسراً وبعداً عن التعقيد. على الرغم من ذلك،فإن هذا الانتقاد الحاد لن يمنعنا من إدراك أن مونيكا علي تبدو متملكة لناصية مادتها، في العديد من مواضع الرواية الجديدة.

لننظر، على سبيل المثال، إلى معالجة المؤلفة لشخصية الكاتب الانجليزي ستانتون، الذي قدم إلى قرية ماماروزا باحثاً عن عناصر الإلهام لعمله الجديد. فهو لديه الإمكانية لحياة مستقلة فيما هو يجلس أمام جهاز الكمبيوتر الخاص به، متطلعاً إلى أن يغوص في الموضوع الذي يعكف على الكتابة عنه.

غير أن تناقضات هذه الشخصية العجيبة التي تعيش حالة من الظمأ الوحشي إلى الحب سرعان ما تطفو إلى السطح من خلال صلته بعائلة بوتس الانجليزية التي تعيش في القرية البرتغالية في ظل وضعية بالغة البؤس، والمؤلفة من الأب السكير والأم التي تعاني من خيبة الأمل والابنة التي تعيش حالة من التحلل الدائم من الأعراف والابن الوحيد.

وعندما يدخل ستانتون في علاقة عاطفية مع الأم والابنة في آن، فإننا نغرق في هذه الحكاية العجيبة، لكننا مثل ستانتون نفسه سنجد أنفسنا كمن يغرق في مغطس حمام، ولكن مونيكا علي سرعان ما تفقد اهتمامها بهذه المجموعة من الشخصيات، وتمضي إلى تناول موضوعة أخرى هي صاحب المقهى البدين وزوجته الأميركية.

لسوف نلتقي مع ستانتون وهذه العائلة الانجليزية المجنونة مجدداً، ولكن هذه المرة من وجهة نظر الأم، لكن مونيكا لن تمنحها إلا عشرين صفحة فحسب لكي تلخص حياتها وموقفها.

وتحدثنا عن حبها للقراءة وسر وقوعها في غرام زوجها والفوارق بين انجلترا والبرتغال، ولدى وصولنا إلى الموضع الذي تتهم فيه بتدبير إسقاط جنين ابنتها فإن القاريء يحس بأنه قد وصل إلى موضع تقطع الأنفاس.

أياً كان الأمر، فإننا في رواية مونيكا علي الثانية نظل أمام عمل يستحق الاهتمام بكل ما فيه من مزايا وعيوب، ربما لأنه على وجه الدقة أثار ما يبدو أنه عاصفة من الخلافات بين النقاد، نعتقد أنها ستحتدم بصورة أكبر في القريب العاجل.

ناتاشا تحكي عن مونيكا

هذا الإحساس بالشخصية وتأطيرها وتقديمها في أسلوب جميل وبديع هو من أبرز الخصائص التي نجدها في إبداع مونيكا علي، وهذا هو ما نجده أيضاً في روايتها الثانية الأنيقة والجميلة، فكل شخصية من شخصيات الرواية تحظى بفصل بكامله لتقدم لنا فيه قصتها، والفصل الأخير في الرواية يقدم لنا تجمعاً كبيراً من تجمعات القرية البرتغالية التي تقع فيها أحداث الرواية.

حيث يعاد خلط أوراق الفصول جميعها قبل أن يسدل الستار النهائي على العمل. ولو أن مونيكا علي كانت تقدم هذا الكتاب فصلاً فآخر لمساق في الكتابة الإبداعية، لكان بمقدورك أن تتخيل أساتذتها وهم يهتزون طرباً حيال قدرتها على رسم الشخصيات ووضعها على الورق. بسرعة ولماحية.

وعلى سبيل المثال فإنها ترسم ببراعة شخصية الشابة البرتغالية التي قررت مغادرة قريتها إلى لندن، والتجربة العاطفية، على الرغم من أنها لم تحدث بعد، إلا أنها تفوح منها وتتدفق، وثمة ما هو فاتن ورائع في هذه اللوحة للشابة التي توشك على الوصول إلى قمة نضجها العاطفي.

* الكتاب: سماء الينتيجو

* الناشر: سكريبنر ـ نيويورك 2006

* الصفحات: 240 من القطع المتوسط

Alentejo Blue

Monica Ali

Scribner - N.Y.2006

P.240