بيير بيّان، هو أحد أشهر صحافيي التحقيقات الفرنسيين المعاصرين، ومؤلف العديد من الكتب التي أثارت حولها ضجة كبيرة عند صدورها مثل «شؤون إفريقية» و«الوجه المخفي لصحيفة اللوموند» و«المال الأسود: الفساد والتنمية» و«السطو على الجزائر» الذي قدمه ملحق «الكتب» في أحد أعداده السابقة.

في هذا الكتاب الجديد، يعود بيير بيّان إلى ربيع عام 1994 حيث أصيب العالم كله بالذهول أمام مشاهد الرعب والعنف التي عرفها ذلك البلد الإفريقي الصغير في منطقة البحيرات الكبرى، أي رواندا، صور عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف، من نساء وأطفال ورجال مهشمين بالفؤوس والمطارق أو حتى بالحجارة.

أما الناجون الذين فرّوا من قراهم التي أفرغها القتلة من سكانها تماماً فقد قدّموا للعالم أفظع صور التقطيع والتنكيل.ظلّ العالم صامتاً ولا يعير أي انتباه لتلك المجازر الرهيبة التي لم تشهد القارة الإفريقية مثلها وبمثل اتساعها.. إلى أن نقلت وسائل الإعلام وخاصة التلفزة، صور ما يجري.. وسرعان ما بدا أن الضحايا هم بالأحرى من قبيلة التوتسي والجلادين من قبيلة الهوتو.

كما برز أيضاً وجود مذنب في ذلك الجنون القاتل، في مجزرة الإبادة تلك، هو المجموعة الدولية التي لم تفعل شيئاً، بل إن اللجنة التي كانت قد أوفدتها إلى المنطقة المعروفة باسم «مينوار» قامت بتقليص عدد أعضائها عشية الانفجار العام في رواندا.

ولا يتردّد مؤلف هذا الكتاب في توجيه أصابع الاتهام لفرنسا نفسها التي دعمت بقوة الرئيس الرواندي آنذاك «هابيا ريمانا» الذي كان وراء تشكيل الميليشيات التي قامت بملاحقة أفراد قبيلة التوتسي وقتلهم شر قتلة. وبهذا المعنى لا يرى بيير بيّان في العملية العسكرية التي قامت بها فرنسا تحت اسم «تركواز» سوى نوع من ذر الرماد في العيون، إذ أنها جاءت متأخرة من جهة وشكلت قناعاً لنوع من التعاطف «الاستعماري الجديد» مع النظام الذي كان وراء المجزرة.

ويشرح المؤلف على مدى صفحات عدة من الكتاب كيف أن فرنسا، بكل طبقاتها السياسية اليسارية منها واليمينية، تسعى منذ عشر سنوات إلى طمس الدور الذي قامت به في رواندا خلال الفترة الواقعة بين عامي 1990 و1994، أي ليس فقط أثناء المذبحة في صيف عام 1994 ولكن أيضاً خلال السنوات القليلة التي سبقتها، وينتهي إلى القول إن «التاريخ الرسمي» بعيد عن الحقيقة تماماً ولا يسعى سوى إلى طمس مسؤولية باريس «الواضحة» كما يؤكد بيير بيّان، بقدر كبير من الغضب.

ما يؤكده المؤلف في تحليلاته مدعوماً بالوقائع وبالأرقام هو أن فرنسا قد ساعدت عسكرياً السلطة التي كانت قائمة في رواندا خلال سنوات 1990 ـ 1993 برئاسة جوفينال هابيا ريمانا، الذي ينتمي إلى قبيلة الهوتو.. كما يؤكد بيّان أن ضباطاً فرنسيين قاموا بتكوين وتدريب الجيش الرواندي.. وذلك في إطار سياسة فرنسية «خاطئة» انتهجتها باريس في منطقة البحيرات الكبرى في إفريقيا، كما أشارت أيضاً الى لجنة استعلام فرنسية برلمانية عام 1998 نفت بالمقابل مشاركة فرنسا الفعلية في المجزرة.

واليوم، وبعد عشر سنوات، ينطرح السؤال حول معرفة القتلة الحقيقيين للرئيس هابيا ريمانا، الذي كانوا وراء إسقاط طائرته يوم السادس من شهر ابريل 1994، حيث اندلعت المجازر بعد ذلك مباشرة. إن بيير بيّان لا يتردّد في توجيه أصابع الاتهام إلى المتمرد السابق «بول كاغامي» الذي أصبح رئيساً لرواندا ويصفه بأنه «أكبر مجرم حرب موجود الآن على قيد الحياة».

وكان هذا المنتصر «كاغامي» رئيساً للمتمردين من قبيلة التوتسي الذين انضووا تحت علم حزب «الجبهة الوطنية الرواندية». ولقد جرى تقديم «كاغامي» هذا كمحرر لا علاقة له بعملية إسقاط طائرة الرئيس الرواندي يوم 6 ابريل 1994 وإنما ألصق ذلك بمتطرفين من قبيلة الهوتو كانوا بصدد القيام بانقلاب عسكري.. وهذا ما يؤكد بيير بيّان خطأه، كما وصل إلى النتيجة نفسها قاضي التحقيق الفرنسي الشهير جان لويس بروغيير المختص بالقضايا الإرهابية.

لقد اعتمد بيير بيّان كثيراً في تحليلاته على المعلومات والمعطيات التي كشف عنها تحقيق القاضي بروغيير، لكنه اعتمد أيضاً على شهادة أحد أعضاء مجموعة الكوماندوز التي قامت بتحضير عملية إسقاط طائرة الرئيس الرواندي بالقرب من مطار كيغالي، والنتيجة التي وصل إليها في أطروحته الرئيسية بهذا الكتاب تعبّر عنها الجملة التالية: «إن كاغامي هو الذي خطط لعملية إسقاط الطائرة، وبالتالي خطط لنتيجتها المباشرة، أي المجزرة التي كان التوتسي ضحيتها كعملية رد».

ويرسم بيير بيان في هذا الكتاب صورة سلبية جداً للرئيس الرواندي «بول كاغامي» إذ يقدمه كرجل بارد لا يهمه شيئا سوى السلطة مهما كان ثمنها من عمليات قتل واستغلال، كما يؤكد أن له علاقات وطيدة مع الأجهزة الأميركية، ذلك أن أوغندا المدعومة بوضوح وقوة من واشنطن، هي التي قامت بتسليح حركة التمرد التي قادها.

ويتم التأكيد في السياق نفسه على أن كاغامي قد قام بالتخطيط وبتنفيذ العديد من عمليات الاغتيال السياسي التي عرفتها العاصمة الرواندية كيغالي خلال السنوات التي سبقت حدوث المجزرة «الكبرى». وبهذا المعنى خدم كاغامي المصالح الأميركية في منطقة البحيرات الكبرى على حساب المصالح الفرنسية رغم التعاون «الظاهر» مع باريس.. أي انه كان يقوم بلعبة «مزدوجة».

ولا تتوقف اتهامات بيير بيان للرئيس بول كاغاي عند انه كان وراء المجازر التي كان «الهوتو» من أفراد قبيلة الرئيس السابق هابيا ريمانا، ضحيتها اعتباراً من عام 1990 بل يؤكد بالاعتماد على عدد من الشهادات أن عدد الضحايا من قبيلة الهوتو كان اعتباراً من عام 1990 أكبر من عددهم من قبيلة التوتسي.

وبالتالي لم تكن مجزرة عام 1994 سوى حلقة «بارزة» في حرب أهلية وإقليمية عرفتها منطقة البحيرات الكبرى في إطار صراع على النفوذ بين القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا بواسطة بعض دول المنطقة وقواها السياسية.. لقد كانت حرب أهلية منسية ومجهولة بدأت منذ شهر أكتوبر عام 1990 وعرفت قمتها في شهر ابريل 1994 لتستمر عملياً عدة أشهر بعد ذلك.

ويرى بيان أن بول كاغامي وحركته «الجبهة الوطنية الرواندية» كانا على استعداد كامل من أجل الاستيلاء على السلطة والتضحية بكل شيء بما في ذلك الهوتو والتوتسي. وليس فقط في رواندا وحدها وإنما أيضاً في زائير المجاورة، وهذا اتهام آخر يسوقه بيير بيان ضد الرئيس الرواندي والمتمرد السابق.

يتضمن هذا الكتاب أيضاً عدداً من الفصول التي يتحدث فيها عن أولئك الذين اتخذوا مواقف مناهضة لفرنسا، عن وعي أو غير وعي، وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم تسمية «البيض الكاذبون» كما جاء في عنوان الكتاب. ويجد القارئ بين هؤلاء صحافيون يعمل بعضهم في إذاعة فرنسا الدولية أو الصحافية كولين بريكمان التي تعمل في صحيفة المساء «لوسوار» البلجيكية.

وهو يعود بهذا الصدد إلى الحديث عن تاريخ رواندا المستعمرة البلجيكية السابقة التي استقلت عام 1960، ويعيد بيير بيان المواقف «المتحيزة» التي اتخذها أولئك الذين يشن حملة انتقاداته لهم إلى صداقات شخصية أو مواقف أيديولوجية بل وأحياناً إلى علاقات عاطفية، وإذا كان يوجه نقده لفرنسا ومواقفها فإنه يركز بشكل خاص على الدور السلبي و«المشبوه» الذي قام به زعماء سياسيون وعسكريون بلجيكيون فيما يتعلق بعملية الاعتداء التي أسقطت طائرة الرئيس السابق.

ويؤكد في السياق نفسه أن القوى الانغلوسكسونية وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم تكن بعيدة عن انحسار النفوذ الفرنسي في «بلاد الألف هضبة». ويكشف بيير بيان كيف أن العديد من الشخصيات الفرنسية التي قادت لفترة طويلة من الزمن «معاركها السياسية» باسم الدفاع عن مصالح القارة السوداء وشجبت جميع أشكال الاستعمار الجديد، قد تعاونت في نهاية المطاف مع الأنظمة الإفريقية الأكثر استبداداً مثل النظام الرواندي القائم..

هكذا عمل «جان كاربوتار» رئيس جمعية «سويفر» الفرنسية مستشاراً لدى «بول كاغامي» رئيس رواندا في الفترة التي أعقبت حدوث تلك المجزرة الرهيبة في صيف 1994 والتي تجمع آراء المراقبين على أن عدد ضحاياها قد فاق الثمانمئة ألف ضحية ليقارب المليون.

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب قد لجأ في هذا العمل ـ التحقيق إلى التعرض بالاسم للكثير من الشخصيات السياسية والعسكرية الكبيرة في فرنسا وبلجيكا وغيرهما، إلا انه يطرح الكثير من الأسئلة الجوهرية حول الآليات الإعلامية والرسمية في تعاملها مع مجازر رواندا الأخيرة. ولا شك انه قد سلك نهجاً عكس التيار السائد منذ أكثر من عشر سنوات والذي يؤكد أصحابه أن المسؤولية الحقيقية لما جرى تقع على عاتق الرئيس السابق جوفينال هابيا ريمانا.

وتكمن إحدى نقاط قوة هذا الكتاب في واقع أن مؤلفه استطاع الوصول إلى أرشيف قصر الرئاسة الفرنسي في الإليزيه بالنسبة للفترة الواقعة بين عامي 1990 و 1994. وهذا ما سمح بالتأكيد لتقديم رؤية شاملة ودقيقة للسياسة الفرنسية في إفريقيا عامة وحيال مذابح رواندا.. وحيث يتمثل المحور الأساسي الذي يؤكد عليه بيير بيان في القول إن رواندا لم تكن مستعمرة فرنسية قديمة ولم تكن تشكل أحد مواطن الاهتمام الاستراتيجي الفرنسي.

لكن هذا لم يمنع الحكومة الفرنسية في ظل الرئيس الراحل فرانسوا ميتران من العمل على أن يكون لها صوت في المسألة الرواندية لكنها أقحمت نفسها في الواقع بورطة كبيرة لاسيما عندما أعدت عملية عسكرية ـ اسبانية في شهر يوليو من عام 2004 بينما لم تتحرك القوى الأوروبية الأخرى.

وفي المحصلة يطرح بيير بيان العديد من الأسئلة الجوهرية، والقليل من الإجابات النهائية.. وبالتالي لا يزال مطلوباً التعمق في دراسة التاريخ الحقيقي لمذبحة رواندا عام 1994، وهذا ما يؤكده المؤلف نفسه في خاتمته.

*الكتاب: سود هائجون وبيض كاذبون

* الناشر: ميل أي أون نوي باريس 2005

* الصفحات :544 صفحة من القطع المتوسط

Noires Fureurs Blancs Menteurs

Pierre Pean

Mille et une nuit-Paris 2005

P.544