مؤلف كتاب «دار طراز» هو: «أبو القاسم القاضي هبة الله بن جعفر ابن سناء الملك» الملقب بالقاضي السعيد، والمعروف بابن سناء الملك شاعر مفتتن، أول من أدخل فن الموشحات إلى الشرق.

ولد بالقاهرة سنة 550 هجرية، ونشأ وافر السعادة، في أسرة غنية، وتقلّد منصب القضاء كأبيه، وكان أحد الفضلاء والرؤساء النبلاء، قرأ القرآن في بداية عمره، ثم الحديث الشريف، ودرس اللغة والنحو، وقد أفادته مخالطة العلماء، فبرع في العلوم الدينية واللغوية والأدبية، ولكنه منذ شبابه اظهر ميلاً كبير إلى الشعر،

ولا سيما الموشح وهذا الفن الجديد الذي وجد فيه طريقه، ووافق نفسه وهواه، ومع أن «ابن سناء الملك» يعترف بأنه لم يأخذ هذا الفن عن أستاذ أو شيخ، ولم يتعلمه في كتاب، فإنه من المؤكد أنه كان على معرفة بآثار الوشاحين الأندلسيين أو المغربيين وإضافة إلى أنه كان تحت تأثير تيار التأنق اللفظي والذي كان يسيطر على الأدب في ذاك العصر ويعجب على الأخص بالشعراء الذين كانوا يهتمون بالصنعة وضروب البيان والبديع ولهذا كان يفضل من بين القدماء، أبا تمام.

وقد تمكّنت منذ شبابه أواصر الصداقة بينه وبين القاضي الفاضل، فكان يجتمع إليه في القاهرة، كما كان يجتمع إليه خارج مصر، ويعرض عليه آثاره، ويتقبل ملاحظاته ثم يناقشه في أمور الشعر والأدب، وقد حفظ لنا قسم من هذه الرسائل في كتاب، صنفه شاعرنا تحت عنوان «فصوص الفصول وعقود العقول».

وقد قضى شاعرنا أكثر أيامه في القاهرة، المدينة التي أحبها وتغنى بمجالسها الناعمة، وكانت حياته ـ كما يقول ابن خلَّكان ـ مملوءة بالهناء، تتفيأ ظلال النعيم والرخاء، وكان يجتمع في هذا الجو، إلى جماعة من الشعراء، فتجري بينهم المحاورات والمسامرات التي يروق سماعها.

وهكذا ظل «ابن سناء الملك» يعب نعيم الحياة، منشداً الشعر على ألحان الموشحات، حتى انطفأ والأنشودة على ثغره وكان ذلك عام 608 هجرية.

أخذ الموشح ابتداء من القرن الرابع الهجري، يزدهر ويسمو في سماء الأندلس، فظهر شعراء وشّاحون عبقريون، ينظمون فيه القصائد الممتعة، ويظهر أن جميع هؤلاء الوشّاحين الأندلسيين، لم يبينوا لنا بصورة واضحة قواعد الموشح، وإن كنا نرى هنا وهناك، في كتب الشعر والتراجم التي تتحدث عن الأندلسيين «كالذخيرة» مثلاً بعض الإشارات إلى أصول هذا الفن.

ولعل «ابن سناء الملك» هو أول من قام بهذه المهمة فحاول في هذا الكتاب «دار الطراز» أن يحدد قواعد هذا الفن الشعري ويبين خصائصه، وطرق نظمه وأوزانه، فكان بذلك الشاعر الأول المنظِّم لقواعد الموشح في المشرق كما في المغرب، وإن لم يحل لنا معضلة أوزان الموشح وبحوره حلاً نهائياً، وتظهر هذه المعضلة جلية في الموشحات التي لا تخضع لبحور الشعر المعروفة،

ولكنه يقول:

القسم الثاني من الموشحات هو ما لا مدخل لشيء منه في شيء من أوزان العرب، وهذا القسم منها هو الكثير، والجمع الغفير، والعدد الذي لا ينحصر، والشارد الذي لا ينضبط، وكنت أردت أن أقيم لها عروضاً يكون دفتراً لحسابها،و ميزاناً لأوتادها وأسبابها، فعزّ ذلك وأعوز، لخروجها عن الحصر وانقلابها عن الكف، وما لها عروض إلا التلحين، ولا ضرب إلاّ الضرب ولا أوتاد إلا الملاوي ولا أسباب إلا الأوتار، فبهذا العروض يعرف الموزون من المكسور، والسالم من المزحوف، وأكثرها مبنيّ على تأليف الأرغن، والغنا بها على غير الأرغن مستعار، وعلى سواه مجاز..

وعلى هذا فليس العجز هو الذي حدا بالعرب إلى أن يحجموا عن إيجاد عروض مقنن للموشح، كعروض الشعر التقليدي، بل وجدوا في ذلك يتنافى مع روح هذا الفن الخاضع للحرية والتلحين والغناء.وقد حاول هذا المستشرق الألماني (هارتمان) إرجاع أوزان الموشحات إلى 146 وزناً أو بحراً مشتقة من بحور الشعر العربي، ولكن وصفت هذه المحاولة بالتكلّف والتصنع.

وقد قدم لنا هذا الكتاب موشحات كثيرة يصعب العثور عليها مجتمعة في كتاب آخر، وقد ذكرها «ابن سناء الملك» كشواهد ليشرح بها نظريته، وكذلك فقد جمع المؤلف في هذا الكتاب، أكثر موشحاته.وتعتبر مقدمة الكتاب أهم قسم فيه، فهي تشرح لنا نظرية «ابن سناء الملك» في تأليف الموشحات ونظمها، بل تشرح لنا قانون الموشحات بشكل عام،

وقد اصطبغت بأسلوب العصر، فجاءت مسجّعة متكلفة، وتأتي بعد هذه المقدمة، موشحات الأندلسيين كشواهد استقى منها المؤلف الأمثلة التي جاء بها خلال مقدمة كتابه ويبلغ عدد هذه الموشحات أربعاً وثلاثين موشحة، جمعها تحت عنوان: الموشحات المغربية على ترتيب الأمثلة، ثم تأتي بعد ذلك الموشحات التي نظمها المؤلف وعددها خمس وثلاثون موشحة، مرتبة على نسق. الموشحات في القسم الأول نفسه.. ليكون كتابه مرجعاً أولياً في دراسة الموشحات وطرقها