مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي جيمس رايزين مراسل جريدة النيويورك تايمز للشؤون الأمنية والمخابراتية حالياً، وكان في السابق صحافياً في جريدة لوس انجلوس تايمز. وقد نشر فيما مضى كتابين عن المخابرات المركزية. وهو يكتب بانتظام مقالات عن الشؤون الاستخباراتية، وكان قد غطى حرب أفغانستان (2002)، وحرب العراق (2003) لصالح النيويورك تايمز.

وقد نال جائزة بوليتزر الصحافية الشهيرة على أعماله وكتاباته.وفي هذا الكتاب الجديد يفضح جيمس رايزين علاقة المخابرات المركزية الأميركية بإيران. ويقول بأن هذه المخابرات المشهورة بخبرتها وحنكتها قد ارتكبت خطأ فاحشاً قبل أربع سنوات عندما اعتقدت بأنها قادرة على خداع الإيرانيين. فإذا بهم هم الذين يخدعونها.

ويرى المؤلف أن السي.آي.ايه ارتكبت العديد من الأخطاء الفاحشة بعد انتهاء الحرب الباردة. وأكبر هذه الأخطاء أنها لم تستطع تحاشي ضربة 11 سبتمبر ولم تتنبأ بها بل وفوجئت بالضربة كبقية البشر. وهذا لا يجوز بالنسبة لجهاز استخبارات ضخم من هذا النوع.

وقصة الفضيحة التي تورطت بها المخابرات المركزية الأميركية مع الإيرانيين هي التي كشفها هذا المؤلف. وهو يرويها على النحو التالي: في عام 2004 قررت المخابرات القيام بعملية اسمها(ميرلان). وفحواها هو أن تنقل للقادة الإيرانيين مخططات صنع القنبلة الذرية ولكن بعد ملئها بالأخطاء هنا أو هناك. والهدف هو إيقاعهم في المصيدة وعرقلة مساعيهم لصنع القنبلة الذرية.

وقد كلفوا بذلك أحد عملائهم الروس. وهو عميل مزدوج على ما يبدو. كما أنه ضابط متقاعد ومختص بالشؤون الذرية. يضاف إلى ذلك أنه يحب الفلوس كثيراً. وكان يتقاضى من الأميركيين راتبا شهريا يصل إلى خمسة آلاف دولار. ولكن هذا لم يشبعه. والدليل على ذلك أنه نبّه الإيرانيين إلى خطورة الوثائق المزيفة فدفعوا له مبلغاً كبيراً لقاء مساعدته.

ثم يردف الصحافي جيمس رايزين قائلاً: والواقع أنهم عندما سلموه الوثائق في فيينا وطلبوا منه أن يذهب إلى الوفد الإيراني لإعطائها له اكتشف التزوير. واعتقد أن الأخطاء المبثوثة في المخططات واضحة لكل من له خبرة في هذه الشؤون. وقد يكتشفها الإيرانيون بسرعة ويشكون به. ولذلك أضاف بعض الصفحات لتنبيههم إلى الأخطاء. ثم وضع الملف في صندوق البريد الخاص بالوفد الإيراني ولم يسلمهم إياه باليد.

مهما يكن من أمر فإن الإيرانيين اكتشفوا هذه الأخطاء المقصودة وعرفوا كيف يتحاشونها ويستفيدون من بقية المخططات لصالحهم. وهكذا ارتدت العملية على الأميركيين وبدلاً من أن يعطلوا البرنامج النووي الإيراني زادوا في تسريعه! وبالتالي فالولايات المتحدة التي تعتبر إيران من دول محور الشر والتي أقامت الدنيا وأقعدتها ولا تزال من أجل منعها من التوصل إلى السلاح الذري هي التي أعطته لهم في الواقع دون أن تدري!

هذه هي قصة الفضيحة التي كشفها جيمس رايزين في كتابه الذي صدر في واشنطن يوم 3 يناير وانفجر في الأوساط السياسية كالقنبلة الموقوتة. وقد نشرت جريدة الغارديان الانجليزية مقاطع من الكتاب فوراً. والبعض يقول بأن العميل الروسي خان المخابرات المركزية الأميركية مقابل حفنة من الدولارات أو ربما حفنات! فقد نبه الإيرانيين إلى الأخطاء الواردة في المخطط الأميركي من أجل خداعهم وتضليلهم.

وقد شكروه على هذه الخدمة وأصبح عميلهم السري. أو قل هذا ما يعتقده البعض. ولكن هذه الفضيحة حصلت عام 2000، أي في أواخر عهد كلينتون، وبالتالي فلا علاقة لإدارة بوش بها ولا يمكن أن تتحمل مسؤوليتها. وهناك من يقولون العكس. ففي رأيهم إن العملية استمرت حتى عام 2004. بالتالي فإدارة بوش مسؤولة عنها أيضاً.

مهما يكن من أمر فإن البنتاغون والبيت الأبيض ردا بعنف على هذا الكتاب واتهماه باختراع قصص لا أساس لها من الصحة. في الواقع أن الإدارة الأميركية شعرت بالحرج الشديد بعد صدور الكتاب. وأما السي.آي.ايه فقد شعرت بأنها أصيبت في الصميم. فالكتاب يشكك في أساليبها في العمل وينال من مصداقيتها.

والواقع أن جيمس رايزين كان قد هاجمها أكثر من مرّة واعتبرها متخلفة وعاجزة. وهاجم بشكل خاص مديرها السابق في عصر كلينتون جورج تينيت لأنه فشل في حماية أميركا من ضربة 11 سبتمبر. ومعلوم أنه ظل على رأس المخابرات المركزية لفترة طويلة نسبياً حتى بعد انتخاب جورج دبليو بوش. ويبدو أنه كان قلقاً من أن يحصل شيء ما لأميركا.

وكان يقول باستمرار أمام المقربين منه: سوف يحصل شيء ما، ولكن لا أعرف أين. ويبدو أنه كان يتوقع الضربة خارج أميركا لا داخلها. ولذلك أصيب بالذهول عندما حصلت.

مهما يكن من أمر فإن المخابرات المركزية الأميركية رفضت التعليق على الكتاب لكيلا تكشف معلوماتها أو مصادرها السرية.

ولكنها أدانته هو وصاحبه بشدة. نقول ذلك وبخاصة أن جيمس رايزين هو الذي كشف فضيحة أخرى أيضا، ألا وهي إيعاز الرئيس بوش للمخابرات بأن تراقب الخطوط التليفونية لبعض المواطنين الأميركيين أو ربما للكثيرين.

وهذا شيء ممنوع قانونياً. ولكن الإدارة بررته بحجة محاربة الإرهاب. فالتقاط المكالمات الهاتفية قد يساعد أجهزة الأمن على رصد التحركات المشبوهة التي تتم على الأراضي الأميركية. وقد صرحت مسؤولة العلاقات العامة في المخابرات المركزية الأميركية جنيفير ميلوايز للصحافيين قائلة: إن كتاب جيمس رايزين يحتوي على الأخطاء الفاحشة في كل فصل من فصوله.

ولكن رايزين لم يعبأ بهذه الهجومات والانتقادات. ففي رأيه أن السي.آي.ايه تحاول أن تدافع عن نفسها بأي شكل وذلك لأن أخطاءها أصبحت أكثر من أن تحصى أو تعد. والدليل على ذلك أن أحد مسؤوليها الكبار أرسل إلى عميل إيراني في الداخل معلومات تتيح له أن يكشف أسماء كل عملاء أميركا هناك. ولسوء حظ هذا المسؤول فإن العميل المذكور تبدى أنه عميل مزدوج!

وهكذا أعطى للمخابرات الإيرانية كل هذه الأسماء السرية فقبضت على عملاء أميركا في طهران وغيرها من المدن واحدا واحدا. وقد شكل ذلك ضربة قاصمة للمخابرات المركزية الأميركية في هذا البلد الحساس الذي يتحدى الغرب حاليا.

وهناك سر آخر يكشفه جيمس رايزين في هذا الكتاب ـ القنبلة. فهو يروي القصة التالية: قبل شهر أبريل من عام 2003 أرسلت المخابرات المركزية الأميركية ثلاثين شخصا أميركياً من أصل عراقي لكي يطرحوا أسئلة على عائلاتهم عن برنامج صدام حسين لصناعة أسلحة الدمار الشامل. ثم عادوا إلى الولايات المتحدة وهم يحملون كلهم المعلومة نفسها : صدام لم تعد لديه أسلحة دمار شامل منذ عام 1991، وهو غير قادر على صنعها من جديد بسبب حالة الحصار التي يتعرض لها.

ولكن المخابرات المركزية رفضت توصيل هذا الخبر إلى البيت الأبيض على الرغم من أهميته الحاسمة بالنسبة للرئيس. لماذا؟ على هذا السؤال يجيب جيمس رايزين قائلا: في رأيي أن جورج تينيت المسؤول السابق عن المخابرات خبأ المعلومة عن بوش لكي يدفعه باتجاه الحرب، وكذلك فعل دونالد رامسفيلد والمحافظون الجدد.

فهؤلاء ما كانوا يريدون أن يعرف الرئيس بوش الحقيقة لأن ذلك قد يؤدي به إلى عدم اتخاذ قرار الحرب على العراق. ويرى جيمس رايزين أن الجميع في الإدارة يخشون دونالد رامسفيلد، فهو الذي يتحكم بمقاليد السياسة الخارجية الأميركية مع ديك تشيني نائب الرئيس، على الأقل في الولاية الأولى لبوش. وكلاهما من الصقور وينتميان إلى عهد ريغان.

وبالتالي فلم تكن هناك أية أهمية لكولن باول أو كوندوليزا رايس أو جورج تينيت آنذاك. وقد حصل أحيانا أن رامسفيلد لم يخبر الرئيس نفسه بحلّ الجيش العراقي بعد سقوط بغداد، وهو قرار خطير يتطلب موافقة الرئيس عادة.

وهذا القرار دفعت أميركا ثمنه غالباً فيما بعد. فكل الفوضى الحاصلة في العراق حاليا ناتجة عنه. وذلك لأن الكثير من كوادر الجيش وجنوده انضموا إلى صفوف المقاومة المسلحة بعد ان لم يعد لديهم شيء لكي يخسروه. يضاف إلى ذلك أنه مضاد لتوصيات مجلس الأمن القومي الأميركي الذي كانت تقف على رأسه كوندوليزا رايس آنذاك. وقد أهانها رامسفيلد أكثر من مرة. ويرى مستشاروها أنه كان ينبغي عليها أن تستقيل بسبب هذه الإهانات المتكررة من قبل وزير الدفاع. ولكنها لم تفعل. وقد كافأها بوش على ذلك لاحقا عندما عينها وزيرا للخارجية.

مهما يكن من أمر فإن كتاب جيمس رايزين أزعج الجميع بمن فيهم بوش وكوندوليزا رايس. ومعلوم أن الرئيس الأميركي غضب لأن جريدة النيويورك تايمز نشرت كل المعلومات التي نقلها رايزين في كتبه السابقة واللاحقة. وغضب لأن الرأي العام عرف بأنه أعطى الأوامر بالتجسس على مكالمات المواطنين الأميركيين من الخارج، واتهم الجريدة بأنها تساعد الإرهابيين.

* الكتاب :حالة حرب

القصة السرية للمخابرات المركزية الأميركية وإدارة بوش

* الناشر: فري بريس ـ نيويورك 2006

* الصفحات: 256 صفحة من القطع الكبير

State of war

The secret history of the CIA and The Bush administration

James Risen

Free Press - New York 2006

P.256